على الأرض دارت معارك عنيفة، ودفعت قوات النظام بتعزيزاتها لإحكام السيطرة عقب تصاعد الانتفاضة الشعبانية، أو ما عُرف بانتفاضة عام 1991. وفي الأثير، كان خطاب رسمي يعلن الحسم ويؤكد القضاء على "الفتنة" في مدن الجنوب.
في ذلك المشهد المتوتر، ارتفع صوت الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين متوعّدًا باجتثاث ما تبقّى من "جذور الخيانة والتخريب"، مستندًا إلى دعوات التعبئة وشعارات الولاء. وبين رواية السلطة وصدى الاشتباكات في الشوارع، تشكّلت ملامح مرحلة مفصلية امتزج فيها السلاح بالكلمة، والبيان العسكري بالخطاب السياسي، لترسم صورة بلدٍ وقف على حافة تحوّل عميق.
ما هي الانتفاضة الشعبانية؟
- تُطلق تسمية "الانتفاضة الشعبانية" على موجة احتجاجات وتمردات اندلعت في جنوب العراق مطلع مارس/ آذار 1991، في أعقاب انسحاب الجيش العراقي من الكويت ونهاية حرب الخليج الثانية.
- توسعت سريعًا في مدن عدة، مدفوعة بتراكمات الحرب والقمع وتدهور المعيشة، وقوبلت بحملة أمنية وعسكرية واسعة لاستعادة السيطرة.
- بقيت الانتفاضة محطة مفصلية في ذاكرة العراق الحديثة، وما زالت آثارها السياسية والاجتماعية والإنسانية حاضرة في سرديات العراقيين حتى اليوم.
أسباب الانتفاضة الشعبانية: انكسار هيبة "الرجل الأوحد"
-
تقدّم هذه الحلقة من برنامج "كنت هناك" عبر شاشة التلفزيون العربي والعربي بلس شهادات متعددة، إلى جانب تفاصيل وكواليس الأحداث المأساوية التي شهدها جنوب العراق منذ الانسحاب من الكويت، وتأثير ذلك في المواطنين العراقيين خلال مرحلة تاريخية مفصلية عاشتها البلاد، التي عانت ويلات الحروب والدمار.
يرى الكاتب الصحفي، المشارك في الانتفاضة الشعبانية، عبد الهادي البابي، أن من أسباب تلك الانتفاضة خضوع العراق لنظام الحزب الواحد، الذي شدّد قبضته على السلطة لأكثر من أربعين عامًا منذ عام 1968.
ويشرح في شهادته إلى التلفزيون العربي أن العراق في تلك الفترة كان تحت إمرة "رئيس الدولة الدكتاتور صدام حسين"، مضيفًا أنه كان يُنظر إليه بوصفه "الزعيم الأوحد، والمرجع الأوحد، والآمر الأول، والناهي الأول، فيما كان البقية جميعهم يعملون لديه كعبيد"، حسب قوله.
من جهته، يقول القيادي المشارك في الانتفاضة، محمد الطريفي، إن العراق في تلك الفترة لم يشهد "أي ضوابط أو قواعد، ولا أمنًا اجتماعيًا أو فرديًا، حيث كان النظام يحفظ أمنه على حساب الجميع".
ويروي أنه "لم يكن ينام نومًا كاملًا، إذ لم يكن المرء يعرف في أي لحظة قد يُقتحم منزله ويؤخذ إلى مصير مجهول"، مضيفًا أن "الشعب بأسره كان يعيش هذه الحالة"، حسب قوله.
أمّا عامر شلاش، الجندي السابق في الجيش العراقي الذي انشق خلال الانتفاضة، فيقول إنه لم يكن لديه أي قناعة بالالتحاق بالجيش أو "المشاركة في جيش يقوده صدام"، لكنه يضيف أن "القانون أجبره كما أجبر غيره".
ويشير في شهادته للتلفزيون العربي إلى أن فترة خدمته "لم تدم طويلًا"، موضحًا: "بقيت قرابة شهرين في مركز تدريب أحاول اجتياز تلك المرحلة كما فعل كثيرون غيري، إذ لم تكن هناك قناعة بالجيش العراقي".
من جانبه، يرى القيادي الذي شارك في الانتفاضة، حيدر محي الدين، أن العراقيين عانوا ويلات الحروب والجوع والتعب. ويشير إلى أن أحد أسباب الانتفاضة يعود إلى انتقال البلاد من معركة إلى أخرى، بدءًا بحرب استمرت ثماني سنوات مع إيران، ثم غزو الكويت، وقبل ذلك الإعدامات الجماعية التي نفذها النظام، وفقًا لروايته.
الشرارة الأولى: كيف بدأ التخطيط للانتفاضة الشعبانية؟
أرجع كثيرون سبب اندلاع الانتفاضة في جنوب العراق إلى "رفض الشعب" لممارسات نظام صدام حسين، لا سيما غزوه للكويت، حيث انطلقت المظاهرات مباشرة بعد انسحاب الجيش، معبرة عن سخط المواطنين واستيائهم من الحكومة والنظام الحاكم، ولتتمدّد سريعًا إلى مدن عدّة.
ويروي الصحفي عبد الهادي البابي أن الشرارة الأولى للانتفاضة اندلعت في 2 مارس/ آذار 1991، إثر حادثة الجنود العائدين من الكويت الذين تذمروا لعدم وجود وسائل نقل تعيدهم إلى محافظاتهم، فأطلقوا النار تعبيرًا عن رفضهم، ما تطور لاحقًا إلى مواجهة مباشرة مع قوات الأمن.
من جانبه، يقول القيادي حيدر محي الدين إن الأرضية لانطلاق الانتفاضة كانت جاهزة، سواء على صعيد السلاح أو الاجتماعات، ويضيف:
"عندما دخلت الدبابة إلى ساحة سعد وأطلقت النار، تجمعنا في أربعة أماكن: منطقة الجامعة الدينية بحي السعد، ومركز الغري، ونهاية شارع الطوسي".
ويشير إلى أنهم كانوا يحفزون الشعب والشباب قائلين: "لا تخافوا، لقد انتهى صدام، ويجب أن نخرج".
وبعد سقوط البصرة، كانت النجف ثاني محافظة تسقط في الانتفاضة.
أما القيادي محمد الطريفي فيشير إلى أن الشرارة بدأت في النجف قبل أن تمتد إلى باقي مناطق العراق، موضحًا أن كثيرين تسلحوا بعد أن وزع النظام الأسلحة على الطلبة والشباب توقعًا لأي تدخل أميركي.
ويضيف في شهادته للتلفزيون العربي:
"الطلاب والتلاميذ والأساتذة ثاروا، وضربوا البعثيين، ووقعت مواجهة انكسرت فيها قوات البعث".
محطات مفصلية في انتفاضة 1991
-
26 فبراير/ شباط 1991: بدء انسحاب القوات العراقية من الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وعودة آلاف الجنود إلى الداخل في ظلّ صدمة الهزيمة واهتزاز الثقة بالنظام.
-
2 مارس/ آذار 1991: الشرارة الأولى في الجنوب؛ احتجاجات تتطوّر سريعًا إلى مواجهات، مع تمدّد الغضب الشعبي إلى أكثر من مدينة.
-
5 مارس/ آذار 1991: تصاعد المواجهات في مدن عدّة، واتساع نطاق الاشتباكات ومحاولات السيطرة على مواقع أمنية وإدارية، وفق شهادات مشاركين.
-
منتصف مارس/ آذار 1991: حملة مضادّة واسعة لاستعادة السيطرة، عبر القصف والتطويق وتشديد القبضة الأمنية، ما أدى إلى تراجع الانتفاضة تدريجيًا وارتفاع كلفة المواجهة إنسانيًا.
تفاصيل المعركة في الميدان مع النظام
في تلك المرحلة شهدت كربلاء عام 1991 معركة شرسة بين المواطنين وقوات النظام، أسفرت عن سقوط العديد من القتلى والجرحى. كما عبّر الأهالي عن رفضهم للنظام بتحطيم صور صدام حسين في الشوارع.
ويضيف الكاتب الصحفي عبد الهادي البابي أن المنتفضين وضعوا "خطة جريئة" تضمنت الدخول إلى صحن العتبة الحسينية في كربلاء، والصعود إلى المنارة لإعلان أول بيان للانتفاضة بشكل مستقل، دون أي ارتباط بأي جهة.
ويذكر أنه في يوم الخامس من مارس 1991 عند الساعة الثانية، بدأ إطلاق الرصاص في كل مكان، وخرجت التظاهرات لتلتقي الجموع القادمة من حي العامل وحي البعث في الطرقات الرئيسية، بعد اختفاء رجال الأمن وأعضاء البعث والسلطة.
ويضيف القيادي حيدر محي الدين أن السيطرة على مركز الغري في مدينة النجف أسفرت عن الاستيلاء على أسلحة الشرطة، فيما انسحب عناصر الأمن إلى داخل الصحن الشريف.
ويقول محي الدين:
"أمام أعيننا استشهد أول شخص من سوق الحويش، مكي الشمس رحمه الله، إثر إصابته من فوق من قبل بعثي (...)
كنا إذا سيطرنا على موقع نتركه للانتقال إلى موقع آخر لدعم بقية المناطق. أُحرقت سيارات النجدة، وقررنا التوجه إلى مديرية أمن النجف".
شهادات من المشاركين في الانتفاضة
يوضح الصحفي عبد الهادي البابي أن سقوط النجف في يد الثوار أتاح للمنتفضين السيطرة على الحرمين الشريفين، حيث تحولت المنارتان في الصحنين الحسيني والعباسي إلى إذاعتين تنقلان أخبار القتال بشكل مباشر.
من جهته، يشير القيادي حيدر محي الدين إلى أن أول بيان صدر من بيت الخوئي نصّ على "عدم التمثيل بالجثث وعدم المساس بالدوائر الحكومية"، وقد سُلّم هذا البيان إلى إذاعة الصحن الشريف.
أما القيادي محمد الطريفي، فيوضح أن "قيادة السيد الخوئي كانت معنوية أكثر منها سياسية أو عسكرية، وهدفها كان حفظ النظام ومنع الفوضى والسرقات، فأُنشئت لجنة سُمّيت "لجنة الخدمات" لتنظيم الأمور".
ويشير الصحفي عبد الهادي البابي إلى أن المخازن تعرضت للنهب نتيجة الجوع والحصار، وقد طُلب من من أخذ كميات كبيرة أن يعيدها لتوزيعها بعدل على المحتاجين.
وسقطت النجف وكربلاء بيد الانتفاضة بعد اشتباكات عنيفة، حيث أطلق سراح السجناء المعارضين، وأُحرقت مبانٍ عامة.
من جانبه، يروي مشعل محي الدين، وهو مشارك في الانتفاضة، أن النجف وكربلاء تعرضتا لقصف عنيف بصواريخ أرض-أرض من معسكر المحاويل، مما أجبر المنتفضين على الاختباء والتحرك نحو مناطق بين الكوفة ومعمل السمن، حيث كانوا نحو 120 شخصًا. ويصف حالته النفسية بأنها كانت مزرية، مع شعور دائم بعدم اليقين حيال مصيرهم.
ويستشهد محي الدين بمذكّرته اليومية ليوم الجمعة 15 مارس/ آذار، موضحًا أن القصف الكثيف استمر رغم المقاومة العنيفة من المجاهدين، وكانت الحمم النارية تضرب مواقع قوات النظام بشكل واضح.
من جانبه، يقول عامر شلاش، الجندي السابق المنشق عن الجيش، إنهم شنّوا هجومًا مفاجئًا على موقع للجيش قرب خان الربع، حيث فوجئ الجيش بالمداهمة وترك مواقعهم ومدافعهم، ما أدى لتعطّل القصف على النجف لمدة يومين.
إجراءات صدام لمواجهة الانتفاضة
وبعد أيام من اندلاع الانتفاضة الشعبانية، أقال الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين وزير داخليته، وعيّن علي حسن المجيد بدلًا منه.
ويقول الصحفي عبد الهادي البابي، إن صدام غيّر القيادات العسكرية وأسندها إلى أقاربه، منهم حسين كامل وعلي حسن المجيد، الذي أصبح وزيرًا للدفاع ثم للداخلية، وكان سببًا في الجرائم اللاحقة، حسب قوله.
وفي تلك الفترة، واصلت قوات النظام العراقي آنذاك قصف المدينة بالمدفعية والدبابات، يضيف القيادي محمد الطريفي أن قصف النظام استمر بشكل عنيف، مع استخدام صواريخ أرض-أرض أدت إلى تدمير عشرات المنازل في ضربة واحدة.
من جانبه، يصف الجندي المنشق عامر شلاش الوضع قائلاً: إن السكان كانوا عزل تقريبًا، بلا دبابات أو وسائل دفاع، بينما تقدم الجيش تدريجيًا حتى سيطر على النجف من جميع المحاور. ويشير إلى أن ذخيرة الثوار نفدت مع تقدم الدبابات والمدرعات.
أما الصحفي عبد الهادي البابي فيشير إلى أن بعض الشهود تحدثوا عن استخدام غازات سامة، بعد تسجيل حالات اختناق، مؤكّدًا أن منظمات دولية لاحظت إصابات ناجمة عن هذه الغازات في النجف، حسب قوله.
ويلفت إلى دخول سرايا الحرس الجمهوري والأمن الخاص بقيادة حسين كامل، حيث عملت على هدم أبواب الصحن، والذي تحولت ساحاته إلى طرقات في تلك المرحلة.
وبعد تلك المعارك، أصدر صدام مرسومًا جمهوريًا منح بموجبه الفريق الركن حسين كامل حسن وسام "أم المعارك من الدرجة الأولى" لدوره في التصدي للمنتفضين في محافظات كربلاء والنجف والقادسية.
كربلاء تحت النار: التهجير وشهادات الناجين
في شهادته ضمن برنامج "كنت هناك"، يقول الصحفي المشارك في الانتفاضة عبد الهادي البابي إن بعض الضباط رفضوا توجيه المدافع نحو القبة الشريفة في كربلاء، فأُعدموا فورًا بأوامر من حسين كامل.
وعن تهجير سكان كربلاء، يروي أن النظام كان يوجه الأهالي للخروج من المدينة عبر مكبرات الصوت، قائلاً:
"يا أهل كربلاء، اخرجوا، سنضرب كل المدينة، سنبيد هؤلاء الخونة".
ويضيف البابي أن الجيش "كان يفصل الشباب عن عائلاتهم، ويعدم بعضهم، وأُنشئت مقابر جماعية في البادية"، مضيفًا:
"كربلاء كأنها مدينة أُوديت في مكانها".
من جانبه، يروي عامر شلاش أن الدولة وضعت أمام السكان طريقًا واحدًا للخروج من كربلاء، ويقول: "الناس كسرب النمل ساروا إلى أبو صخير، والطائرات تقصفهم وهم عزل".
ويضيف شلاش أن المارين في الطريق شاهدوا "امرأةً وأطفالها ووالدهم قتلى، ضُربوا على يد الجيش، وكانوا يهيئون التراب عليهم دون أن يساعدهم أحد. كل شخص مشغول بنفسه يريد النجاة والهروب".
ماذا بقي من آثار الانتفاضة الشعبانية؟
"ما قمنا به كان ينبغي أن نقوم به سابقًا. نتائجه كبيرة جدًا، وتمثل نقطة تحول مهمة للبلاد والأمة.
لو عاد الزمن، لكان علينا أن نتهيأ أكثر، وأن نقدم المزيد من الجهد، ونضحي أكثر من أجل نصرة المظلومين".
"سالت الدماء، وفقد الناس أحباءهم.. وهذه المواقف راسخة في الذاكرة مثل النسل، وكأنها مشهد محفور في ذاكرة الإنسان لا يُنسى".