السبت 5 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

البؤر الاستيطانية الرعوية في الضفة.. كيف تُسرق الأرض بالماشية والعقود؟

البؤر الاستيطانية الرعوية في الضفة.. كيف تُسرق الأرض بالماشية والعقود؟ محدث 27 أغسطس 2026

شارك القصة

يستخدم المستوطنون الرعي للسيطرة على مساحات تتجاوز بكثير حدود البؤر الصغيرة – أ ف ب/ غيتي
يستخدم المستوطنون الرعي للسيطرة على مساحات تتجاوز بكثير حدود البؤر الصغيرة – أ ف ب/ غيتي
يستخدم المستوطنون الرعي للسيطرة على مساحات تتجاوز بكثير حدود البؤر الصغيرة – أ ف ب/ غيتي
الخط
تحقيق يتتبع كيف تستخدم البؤر الاستيطانية الرعوية القطعان والعقود والتمويل الحكومي للسيطرة على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية.
تبدأ بقطيع وخيمة فوق تلة، ثم تلحق بها الطرق والكاميرات والعقود والحراسة العسكرية.
كيف تحولت المزارع الاستيطانية الرعوية إلى واحدة من أسرع أدوات السيطرة على أرض الضفة الغربية؟

صممت الحركة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين أشكالًا تنظيمية متعددة لتحقيق هدفين متلازمين: السيطرة على الأرض وانتزاعها من أصحابها، ودفع أكبر نسبة ممكنة من الفلسطينيين نحو الرحيل. إنها الصورة الكلاسيكية التي ترصدها أدبيات الاستعمار الاستيطاني في تجاربه التاريخية المختلفة.

تشترك الحركة الاستعمارية الصهيونية، في تاريخ سلبها الأرض الفلسطينية، مع تجارب استعمارية أخرى في الوسائل والأهداف. فكما يشرح الباحث باتريك وولف، يقوم الاستعمار الاستيطاني على بنية دائمة تنتج باستمرار مشاريع لإزاحة السكان والسيطرة على أرضهم، لا على حدث منفرد يبدأ في لحظة تاريخية ثم ينتهي.

ركزت كتابات مبكرة لعدد من مؤسسي الحركة الصهيونية على ضرورة السيطرة على أرض فلسطين وتنفيذ مشاريع تهجير تضمن ما سموه "السيادة اليهودية". واستخدم النشطاء الصهاينة وسائل متعددة بلغت ذروتها في تدمير مئات القرى والمدن خلال حرب 1948، لكن "المعضلة الديموغرافية" بقيت حاضرة بعد صمود مئات آلاف الفلسطينيين على أرضهم.

من هنا، صار للقوانين التي تحصر ملكية الأرض باليهود دور استراتيجي، ولا سيما في الداخل الفلسطيني المحتل، بالتوازي مع الاستخدام المكثف للقوة العسكرية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وإطلاق يد حركات استيطانية تمولها الحكومات وتحميها القوات الإسرائيلية.

ومنذ قيامها عقب نكبة الشعب الفلسطيني، أقامت إسرائيل مستوطنات وتجمعات بأشكال تنظيمية وأسماء مختلفة، وسنت قوانين لتشريع سلب الأرض الفلسطينية. وبعد حرب 1967، تعاملت مع القدس والضفة الغربية بوصفهما هدفًا استراتيجيًا للاستيطان، الذي تنوع بين الأمني والعسكري والأيديولوجي المستند إلى خطابات توراتية ودينية.

خلال السنوات الأخيرة، ظهرت على تلال الضفة الغربية وجبالها بؤر من نوع جديد تقوم على استخدام "مزارع استيطانية" رعوية لانتزاع الأرض. تبدأ المزرعة بنواة صغيرة، ثم تتوسع مستفيدة من دعم حكومي اقتصادي وعسكري ومن تمويل جمعيات استيطانية. يطلق المستوطنون قطعانهم في مساحات واسعة، وغالبًا ما يكون الرعاة مسلحين ويحملون تصورًا توراتيًا عن "الخلاص" في "أرض إسرائيل الكاملة"، فيما تُحاصر التجمعات الفلسطينية وتُمنع من التوسع العمراني أو الزراعة والرعي.


تتتبع هذه المقالة خطر المزارع الاستيطانية الرعوية، في وقت تندفع فيه الحكومة الإسرائيلية نحو تكريس سيطرة كاملة على الضفة الغربية، وتبحث في الآليات التي يستخدمها مستوطنو هذه التجمعات لانتزاع الأرض ومحاصرة الحياة الفلسطينية.
تمتد البؤر الجديدة إلى مناطق زراعية وتراثية فلسطينية، كما في محيط بلدة بتير – أ ف ب/ غيتي
تمتد البؤر الجديدة إلى مناطق زراعية وتراثية فلسطينية، كما في محيط بلدة بتير – أ ف ب/ غيتي 

ولادة البؤر الرعوية.. سرقة الأرض بالماشية


بدأ الاستعمار الصهيوني الزراعي قبل قيام إسرائيل. وبعد احتلال الضفة الغربية في يونيو/ حزيران 1967، أقامت الحكومة الإسرائيلية بقيادة حزب العمل مستوطنات في الأغوار ضمن خطة ألون، بهدف السيطرة على الأجزاء الحيوية من الأرض الفلسطينية. وفرت الحكومة للمستوطنين دعمًا لإقامة مشاريع زراعية تجمع بين مزاعم دينية عن أرض "الآباء والأجداد" وهدف السيطرة على أكبر مساحة متاحة واستثمار مواردها على حساب أصحابها.[1]

ترتبط ظاهرة البؤر الزراعية والرعوية بخطاب أرييل شارون أمام اللجنة المركزية لحزب "الليكود" في تسعينيات القرن الماضي، حين دعا الإسرائيليين إلى الصعود نحو التلال والسيطرة عليها لفرض وقائع تمنع التراجع عنها في أي اتفاق محتمل مع الفلسطينيين. جمعت المبادرة منذ البداية بين حركة أفراد على الأرض ودعم حكومي يلحق بها ويثبتها[2].

يتصل انتشار هذه البؤر أيضًا بتشكل مجموعات من المستوطنين الشبان عرفت باسم "فتيان التلال" أو "شبيبة التلال". تستمد هذه المجموعات جزءًا كبيرًا من خطابها من كتابات حاخامات يؤمنون بما يسمى "الخلاص المسياني" وإقامة دولة تحكمها "الشريعة اليهودية" على كامل فلسطين، أو ما يسمونه "أرض إسرائيل الكاملة"، مع طرد الفلسطينيين والعرب منها[3].

تضاعفت أعداد البؤر الرعوية والزراعية خلال السنوات الماضية. واستغلت مجموعات استيطانية، بينها "شبيبة التلال"، الحرب على غزة لتكثيف الهجمات على التجمعات الفلسطينية، خاصة في الأغوار وبادية القدس وجنوب الخليل. ووفق منظمة العفو الدولية، تعرضت 117 جماعة فلسطينية يغلب عليها الطابع البدوي والرعوي للتهجير الكامل أو الجزئي بسبب هجمات المستوطنين والقيود على الوصول، بين يناير/ كانون الثاني 2023 وأبريل/ نيسان 2026، واضطر نحو 5910 أشخاص إلى مغادرة منازلهم.[4]

ويكشف تقرير صدر في 2026 عن حركتي "السلام الآن" و"كرم نابوت" أن 185 بؤرة جديدة أقيمت بين 2023 و2025، بينها نحو 130 مزرعة وبؤرة تلالية. وباتت المزارع الرعوية تسيطر فعليًا على أكثر من 1.07 مليون دونم، أي قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية[5].


تبدأ البؤرة بنواة محدودة ثم تتحول إلى نقطة سيطرة على محيط أوسع من الأرض – أ ف ب/ غيتي
تبدأ البؤرة بنواة محدودة ثم تتحول إلى نقطة سيطرة على محيط أوسع من الأرض – أ ف ب/ غيتي 

تتنوع هذه المزارع من حيث الخلفيات الأيديولوجية والاقتصادية. أقيم بعضها بدوافع توراتية على يد مستوطنين من تيارات "الصهيونية الدينية"، ومنهم من يعرفون في الأدبيات الإسرائيلية باسم "الحردليم". تجمع بؤر أخرى بين الأيديولوجيا والمصلحة الاقتصادية وتقدم نفسها بوصفها وجهات سياحية، خاصة قرب الداخل الفلسطيني وفي الأغوار. أما البؤر المرتبطة بـ"شبيبة التلال" فتستخدم قواعد لهجمات على التجمعات الفلسطينية، وغالبًا ما تقام في مواقع تقطع التواصل بين القرى والبلدات وتبدد فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا[6].

وأظهر تحقيق "السامري الشرير" الصادر عن "السلام الآن" و"كرم نابوت" أن البؤر الرعوية سيطرت، حتى ربيع 2025، على ما لا يقل عن 786 ألف دونم. ومن هذه المساحة، صنفت خرائط "الإدارة المدنية" الإسرائيلية 281,500 دونم باعتبارها ملكيات فلسطينية خاصة، فيما يقع 34,365 دونمًا داخل المنطقتين "أ" و"ب" والمحمية المتفق عليها، أي في نطاقات خاضعة للسلطة الفلسطينية وفق تقسيمات أوسلو.


[البؤر الرعوية | ثلاث سنوات من التوسع]

المستوطنون.. أداة الحرب على الأرض


يقدم الخطاب الحكومي والإعلامي الإسرائيلي عنف المستوطنين وسرقتهم الأراضي على أنهما "أعمال فردية" وغير منضبطة تحاول الشرطة والأجهزة الأمنية احتواءها. غير أن الوقائع والبيانات تكشف وظيفة أخرى: تستخدم الحكومة المستوطنين لاستكمال السيطرة على المنطقة "ج"، التي تشكل أكثر من 60% من الضفة، ثم للتمدد نحو المنطقتين "ب" و"أ".

ظهر هذا الاتجاه في تقارير أمنية إسرائيلية حذرت مما سمته "مساعي السلطة الفلسطينية للسيطرة على المنطقة ج[7]"، وفي منشورات لقادة من "فتيان التلال" تدعو إلى التوسع في مناطق تتبع السلطة الفلسطينية، خاصة في أجزاء من ريف شمال غرب رام الله، وتصف منح هذه المناطق للسلطة بموجب اتفاق أوسلو بأنه "خطأ" ينبغي تصحيحه.[8]

تحظى البؤر الزراعية والرعوية بدعم حكومي مباشر تمر أمواله عبر مؤسسات مختلفة. وفي مؤتمر لحزب "الصهيونية الدينية" عقد في يونيو/ حزيران 2024 بمشاركة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، قال المدير العام لشعبة الاستيطان هوشعيا هراري إن الحكومة مولت في 2023 نحو 68 مزرعة استيطانية بمبلغ 15 مليون شيكل، و33 بؤرة أخرى بمبلغ 13 مليونًا. انتقلت الأموال من وزارة الاستيطان إلى شعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، ثم إلى المجالس الإقليمية للمستوطنات، ومنها إلى المزارع والبؤر[9].


تجمع المزارع الاستيطانية بين الحضور العائلي والمعدات التي تثبت البؤرة وتوسع بنيتها – أ ف ب/ غيتي
تجمع المزارع الاستيطانية بين الحضور العائلي والمعدات التي تثبت البؤرة وتوسع بنيتها – أ ف ب/ غيتي 

أنفقت هذه الأموال على مركبات "رينجر" وطائرات مسيرة ومولدات كهربائية وكاميرات ومواقع حراسة وخطوط إنارة وبوابات كهربائية وأجهزة اتصال. ويكشف نوع التجهيزات الأهداف الأمنية والعسكرية الموكلة إلى البؤر، التي تتحول إلى نقاط تغلغل في عمق الأرض الفلسطينية وقواعد تنطلق منها الاعتداءات. ولم تبدأ هذه السياسة مع حكومة نتنياهو الحالية؛ ففي 2022 أقر نفتالي بينيت، خلال توليه رئاسة الحكومة، خطة بقيمة 30 مليون شيكل لتمويل ما سماه "الاستيطان الفتي"[10].

تستخدم الحكومة أدوات أخرى لتمويل هذه التجمعات، منها اعتماد بعض البؤر مواقع لأداء "الخدمة الوطنية المدنية". وهذه الخدمة بديل تطوعي يلجأ إليه بصورة أساسية شبان وشابات معفيون من الخدمة العسكرية، وليست مفروضة على كل إسرائيلي وإسرائيلية. وقد كشف تحقيق لموقع "شومريم" أن الدولة تتحمل ما بين 3000 و4000 شيكل شهريًا عن كل متطوعة في الخدمة الوطنية، بما يوفر للبؤر قوة عمل شابة تمارس الأعمال الزراعية نهارًا، وتعمل مع المستوطنين الشبان بعد الظهر، وقد تشارك ليلًا في حراسة القطعان.[11]


كيف يعمل التمويل

"أمانا".. أم وأب البؤر الاستيطانية


تنضم إلى الحكومة منظمات استيطانية عدة، أبرزها "أمانا"، الذراع الاستيطانية لحركة "غوش أمونيم[12]". تعرف الحركة نفسها بأنها مؤسسة تعمل على تطوير المستوطنات وإقامة تجمعات جديدة، فيما يكشف نشاطها دورًا مركزيًا في تأسيس البؤر الزراعية والرعوية وتمويلها.[13]

وفي مقابلة مع مجلة "عقارية" إسرائيلية مختصة بالبناء الاستيطاني، في الضفة الغربية، أكد زئيف حفر، السكرتير العام لحركة “أمانا”، على دعم البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية بوصفها وسيلة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي المفتوحة، كما يصفها، أضعاف ما تحققه المستوطنات التقليدية.[14].

تصف حركة "السلام الآن[15] حركة "أمانا" بأنها "الأب والأم" للبؤر الزراعية والرعوية، إذتملك المنظمة أصولًا قدرت بنحو 600 مليون شيكل، وتدير ميزانيات سنوية بعشرات الملايين. وفي مؤتمر عام 2021، تفاخر زئيف حفر بدور الحركة في إقامة 30 بؤرة، ووعد بإقامة عشر أخرى خلال العام نفسه.

بحسب التقرير، وظفت "أمانا" شخصًا بصفة "منسق للمزارع" لمساعدة البؤر على تثبيت وجودها وحل ما تواجهه من مشكلات، فيما يأتي جزء من راتبه من المجالس الإقليمية للمستوطنات الممولة حكوميًا.

ويعرض موقع الحركة أسماء تجمعات تدعمها[16]، مثل "حافات جلعاد" و"حافات يائير" و"حافات ماعون"، وقد أقيم بعضها قبل الذروة الحالية لانتشار البؤر الرعوية.


خريطة "الخلاص".. تبرعوا لمزيد من البؤر


نشطت مع التغول الاستعماري، في أراضي الضفة الغربية، جهات أخرى لحشد الدعم للبؤر الاستيطانية الزراعية، مثل “صندوق التلال[17]” و”مديرية تلال الجبهة[18]”، ويشرف على نشاطاتها ويساهم في الترويج لها، مستوطنون من رواد الاستيطان الرعوي والزراعي، وأعضاء في مجموعات “فتيان التلال”، مثل إليشاع يراد[19]، المتهم بقتل الشهيد قصي جمال معطان من بلدة برقة شرق رام الله[20]، وشغل سابقاً متحدثاً باسم عضو “الكنيست”، ليمور سون هار ميلخ[21]، من حزب “القوة اليهودية” بقيادة إيتمار بن غفير.

وفي مايو/ أيار 2026، نشرت “مديرية تلال الجبهة”، خريطة تظهر نحو 200 بؤرة استيطانية زراعية/ رعوية أقاماتها، في تلال وجبال الضفة الغربية،ووصفتها بأنها “الخلاص الحقيقي على خريطة[22]”. يستدعي التعبير مفهوم "الخلاص" في المنظومة المسيانية التي تغذي هذه المجموعات، وتربط السيطرة على الأرض بإقامة دولة "الشريعة اليهودية" والتعجيل بقدوم "المسيح المخلص".

استخدمت المديرية لغة دعائية لحشد التبرعات، فدعت الإسرائيليين إلى أن "يتنفسوا عبق الخلاص" وأن يصبحوا "شركاء في كتابة التاريخ"، وأرفقت منشورها برابط للدفع. ويعمل "صندوق التلال" بدوره على جمع التبرعات لتأسيس البنى التحتية، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي، وتجهيز مخازن لمواد البناء تتيح إعادة إقامة بعض البؤر سريعًا بعد هدمها.[23]

تبدأ البؤرة عادة بعائلة أو مستوطن يصعد إلى التلة المستهدفة مع قطيع من الماشية، ثم يوسع نطاق حركته ويعتدي على أصحاب الأرض الفلسطينيين. بعد ذلك يستدعي الجيش الإسرائيلي، في سياق استراتيجية أعلنها مستوطنون صراحة: دفع القوات الإسرائيلية إلى السيطرة على المنطقة وتثبيت واقع إقامة بؤرة فيها.[24]


[البؤر الرعوية | كيف تبدأ؟]

"عقود الرعي".. سرقة الأرض بالقانون


إحدى الوسائل المستخدمة للسيطرة على الأرض هي تصاريح "تخصيص أراض للرعي" التي تمنحها شعبة الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية. تسمي العقود الرسمية الآلية "إجراء نشر تخصيص الأراضي للزراعة من دون مناقصة في منطقة يهودا والسامرة"، وتقدمها في صورة ترخيص إداري اعتيادي.[25]

ينص عقد "إذن استخدام" أو "ترخيص" بين شعبة الاستيطان والمستوطن أو الجمعية المستفيدة على أن الأرض المصنفة للتعاقد هي ما تسميه إسرائيل "أراضي دولة" أو "أملاكًا متروكة".[26] غير أن تحليل العقود والخرائط يكشف أن مساحات تسيطر عليها البؤر تقع في أملاك فلسطينية خاصة أو خارج نطاق صلاحية الشعبة.[27]

عدلت شعبة الاستيطان في مايو/ أيار 2025 شروط التعاقد، بما يسمح للمستفيد باستخدام أكثر من قطعة أرض ولأغراض لا تقتصر على البناء.[28] كما اشترطت وزارة الزراعة الإسرائيلية، في برنامج دعم إنتاجية أبقار اللحم في المراعي لعام 2024، على المستوطنين الذين تقع مراعيهم في الضفة تقديم تصريح من الشعبة.[29]، هكذا تتحول عملية الاستيلاء إلى إجراء يبدو رسميًا ومحكومًا بلوائح، مع بقائه جزءًا من منظومة استعمارية متكاملة.

لا تنشر شعبة الاستيطان بيانات كاملة عن العقود. وبعد التماس قدمته "السلام الآن" للمحكمة العليا الإسرائيلية، ألزمت المحكمة الدولة في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بنشر نيات تخصيص الأراضي خارج نطاق المستوطنات مسبقًا. وأقرت الدولة، في ردها على الالتماس، بأن الشعبة خصصت نحو 80 ألف دونم للمستوطنين لأغراض الرعي.[30].


[البؤر الرعوية | ثلاث سنوات من التوسع]

نشرت وحدة "تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" لاحقًا إعلانات لـ"الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي عن تخصيص "مؤقت" لأراض مصنفة "أملاكًا حكومية" أو "أملاك غائبين" لأغراض الرعي[31].

لا تكشف الإعلانات اسم المستوطن المستفيد، وتكتفي برقم الطلب ومساحة الأرض وخريطة وموافقة "المسؤول عن أملاك الحكومة وأملاك الغائبين". ويقال إن الاعتراض متاح خلال 30 يومًا، فيما تظهر التجربة الفلسطينية أن منظومة القانون نفسها صممت لتسهيل السيطرة الإسرائيلية على الأرض وتعقيد انتزاع أصحابها حقوقهم.[32].

في إعلان منشور بتاريخ 10 فبراير/ شباط 2025، خصصت "الإدارة المدنية" 8734 دونمًا في محافظة طوباس لمستوطن لم تكشف اسمه. وتبين أن الأحواض 183 و184 و204 و205 و206 و207 و208 تقع في الأراضي الزراعية الفلسطينية حول مستوطنة "حمدات" في الأغوار الشمالية، وأن معظم المساحة يقع داخل منطقة إطلاق نار عسكرية[33].

منح إعلان آخر جهة استيطانية غير مسماة 2622 دونمًا من أراضي دير بلوط واللبن الغربي شمال غرب رام الله، لأغراض الرعي. وتشمل المنطقة "حلة العبهار" في دير بلوط، حيث أقيمت بؤرة وحرم الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم[34].

تظهر دير جرير، شرق رام الله، مثالًا آخر على تداخل العقود مع العنف الميداني. منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تعرضت البلدة لهجمات مستوطنين وقوات الاحتلال، أسفرت عن شهداء وجرحى[35]. وتظهر إعلانات الجيش تخصيص نحو 440 دونمًا من أراضي دير جرير وكفر مالك للمستوطنين تحت عنوان "الرعي". لكن البؤر المحيطة بالبلدة استخدمت القطعان للتوسع من أراض صودرت في ثمانينيات القرن الماضي نحو ملكيات خاصة، بالتوازي مع القتل والضرب والحرق وتكسير الممتلكات وسرقة المواشي.

تقع مساحات كثيرة من الأراضي المخصصة للرعي في محيط مستوطنات أقيمت أصلًا على أراض فلسطينية مصادرة. ومع الوقت، تتحول المستوطنة إلى مركز تتوالد منه بؤر وحركات استيطانية جديدة تتوسع في المساحات المفتوحة وتمنع الفلسطينيين من استخدامها أو البناء فيها.

ويكشف تقرير "السامري الشرير" أن العقود منحت آلاف الدونمات لعشرات المستوطنين من دون مناقصة أو مقابل. ورغم أن الغرض المعلن هو الرعي، أقيمت بؤر غير مرخصة على معظم الأراضي. كما رسمت خرائط كثيرة بصورة غير دقيقة، ولم تتطابق المساحات الواردة في نصوص العقود دائمًا مع حدود الخرائط المرفقة، ما أتاح التمدد إلى مساحات إضافية[36].

تشمل العقود التي تمكنت المنظمتان من فحصها نحو 9000 دونم من الملكيات الفلسطينية الخاصة، وأكثر من 5000 دونم داخل مناطق إطلاق نار يحظر الجيش دخول المدنيين إليها، وعقدًا واحدًا منح مستوطنًا قرابة 1060 دونمًا داخل المنطقة "ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية. واستخدمت أراض خصصت للرعي في زراعة العنب والزيتون، إذ وجد التحقيق أن نحو 2500 دونم تحولت إلى الزراعة.

ومن الحالات التي يرصدها التقرير المستوطن حجاي نيسيم، المسؤول عن بؤرة جنوب مستوطنة "نجوهوت" المقامة على أراضي دورا جنوب الخليل، وإلياشيف ناحوم، مؤسس بؤرة "حافات يهودا" بعد منحه 2465 دونمًا. كذلك استغل المستوطن إيتمار كوهين أرضًا مصنفة منطقة إطلاق نار قرب مستوطنة "ميخورا" في الأغوار، وأقام منذ عام 2013 بؤرة في جهة تختلف عن المساحة المحددة في عقده.


الأيديولوجيا والقانون والقوة والخرائط.. الاستعمار كما هو


تقدم البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية في الضفة الغربية صورة مكثفة عن شبكة العلاقات الإسرائيلية التي تدير الحرب على الوجود الفلسطيني. تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية، وتتصل بحركات داخل المجتمع الإسرائيلي تطمح إلى "حسم الصراع" عبر إنهاء الوجود الفلسطيني والسيطرة على الأرض من البحر إلى النهر.

يحضر القانون والإدارات الحكومية أداة داخل هذه المنظومة، لا حاجزًا أمامها. فهو يتداخل مع القوة وعنف المستوطنين لتسهيل نزع ملكيات الفلسطينيين وتمتين السيادة الاستعمارية، بالتوازي مع تسارع شرعنة البؤر وإقامة مستوطنات جديدة. ما يبدأ بقطيع على تلة لا يبقى نشاطًا رعويًا؛ سرعان ما تسنده خريطة وعقد وتمويل وطريق وحراسة عسكرية، حتى تصبح البؤرة الصغيرة أداة للاستيلاء على مساحة أوسع بكثير من حدودها.[37]


المصادر والمراجع

 

كرم نابوت، «الزراعة الإسرائيلية في الضفة الغربية»، تقرير بحثي، 2013.

22 ياسر مناع، «شبيبة التلال بين سردية الطليعة التحررية واستحقاق إصلاح الجيش»، مجلة الجنوب، العددان 4–5، صيف 2026.

33 وليد حباس، «صورة سياسية واجتماعية.. من هم شبيبة التلال؟»، ألترا فلسطين، 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

44 منظمة العفو الدولية، «التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية»، 11 يونيو/ حزيران 2026.

55 مؤسسة الدراسات الفلسطينية، «تقرير: المزارع الرعوية تمتد على مليون دونم، أي ما يعادل 18% من الضفة الغربية»، مختارات من الصحف العبرية، 7 يوليو/ تموز 2026.

66 أمين أبو السعود، أمير محرز، وحسين بشيني، “The Impact of Pastoral Outposts in the Occupied West Bank: A Comprehensive Analysis of Land Control Mechanisms, Displacement, and Humanitarian Consequences”، Pastoralism: Research, Policy and Practice، المجلد 16، 2 مارس/ آذار 2026، DOI: 10.3389/past.2026.16020.

77 “The Palestinian Campaign for Area C: Shaping a Security Reality on the Ground—Description and Implications”، تقرير باللغة الإنجليزية، 2022.

88 إليشاع ياريد، منشور عبر قناته في تلغرام.

99 حركة «السلام الآن»، «مولت حكومة إسرائيل 68 مزرعة غير قانونية بمبلغ 15 مليون شيكل»، 23 يوليو/ تموز 2024.

1010 عيدو بن بورات، «بتوجيه من بينيت: 30 مليون شيكل لتوصيل الكهرباء وتسوية الاستيطان الفتي»، القناة السابعة، 12 يوليو/ تموز 2022، بالعبرية.

1111 شوكي سديه، «أرض الحيل والخدع: أساليب الحكومة لتمويل البؤر غير القانونية في الضفة»، موقع شومريم، 4 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بالعبرية.

1212 المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار»، «غوش إيمونيم»، موسوعة المصطلحات.

1313 حركة «أمانا»، «عن الحركة»، الموقع الرسمي، بالعبرية.

1414 مقابلة مع زئيف حفر حول المزارع والبؤر الاستيطانية، مجلة إسرائيلية متخصصة بالبناء والاستيطان، نسخة منشورة عبر Calaméo، بالعبرية.

1515 حركة «السلام الآن»، «ضلوع أمانا في المزارع غير القانونية»، نُشر في 28 يونيو/ حزيران 2024، وحُدّث في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بالعبرية.

1616 حركة «أمانا»، «تجمعاتنا الاستيطانية»، الموقع الرسمي، بالعبرية.

1717 «دعم تلال يهودا والسامرة»، حملة تبرعات عبر منصة Givechak، بالعبرية.

1818 صفحة حملة تبرعات للبؤر الاستيطانية، منصة Peach، بالعبرية.

1919 «مديرية تلال الجبهة»، منشور يلخص السنة الأولى من نشاطها بوصفها منظمة رسمية، إنستغرام، 30 يوليو/ تموز 2026، بالعبرية.

2020 «المحكمة العليا تؤخر إطلاق سراح المشتبه بقتل الشهيد قصي معطان وتبقيه رهن الاعتقال المنزلي»، موقع الاتحاد.

2121 الكنيست الإسرائيلي، الصفحة التعريفية للنائبة ليمور سون هار ميلخ، الموقع الرسمي.

2222 «مديرية تلال الجبهة»، منشور يتضمن خريطة ما تسميه «الاستيطان الطليعي» في الضفة الغربية، فيسبوك، بالعبرية.

2323 «الجبهة الخلفية للواجهة: تعرّف إلى المنظمة التي تدعم عشرات التلال في الضفة»، القناة السابعة، بالتعاون مع «صندوق التلال»، 16 يوليو/ تموز 2026، بالعبرية.

2424 شراغا بيك، «اقتحام، احتكاك، قتل: عن القتلة في المزارع والتلال»، مجلة ياشار، 10 مارس/ آذار 2026، بالعبرية.

2525 شعبة الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية، «إجراء تخصيص أراض للزراعة من دون شروط الحيازة الزراعية في منطقة يهودا والسامرة»، بالعبرية.

2626 هيومن رايتس ووتش، «انفصال وانعدام للمساواة: معاملة إسرائيل التمييزية للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة»، 19 ديسمبر/ كانون الأول 2010.

2727 «السلام الآن» و«كرم نابوت»، «السامري الشرير: نهب الأراضي على يد المستوطنين في الضفة الغربية من خلال رعي الأغنام والماشية»، تقرير مشترك، 20 مارس/ آذار 2025.

2828 أوهاد شفّاك، «ترخيص الاستخدام وفق الإجراء رقم 2 الخاص بقطع الأراضي»، موقع مكتب المحاماة، بالعبرية.

2929 وزارة الزراعة الإسرائيلية، «إجراء دعم زيادة الإنتاجية في قطاع أبقار اللحم في المراعي»، وثيقة رسمية، 2024.

3030 «السلام الآن» و«كرم نابوت»، «السامري الشرير: نهب الأراضي على يد المستوطنين في الضفة الغربية من خلال رعي الأغنام والماشية»، تقرير مشترك، 2025؛ وهو التقرير نفسه الوارد في المرجع رقم 27.

3131 «الإدارة المدنية» الإسرائيلية، «إعلانات عن نية المسؤول عن الأملاك الحكومية وأملاك الغائبين تخصيص أراض لأغراض الرعي»، موقع الحكومة الإسرائيلية، 10 فبراير/ شباط 2025.

3232 قصي جمال محمود البرغوثي، «القانون في خدمة الاستعمار: آليات السيطرة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ الضفة الغربية (1967–الآن) كحالة دراسية»، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة بيرزيت، بإشراف عاصم خليل، 2021.

3333 معهد الأبحاث التطبيقية–القدس «أريج»، «سلطات الاحتلال الإسرائيلي تخصص ما يزيد على 16 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية المحيطة بالمستوطنات لأغراض الرعي»، فبراير/ شباط 2025.

3434 راديو الزيتونة، «بؤرة استيطانية جديدة غرب بلدة دير بلوط»، تسجيل مصور منشور عبر فيسبوك.

3535 التلفزيون العربي، «تشييع شهيدين في دير جرير بعد استهدافهما خلال هجوم نفذه مستوطنون»، تسجيل مصور منشور عبر فيسبوك.

3636 حركة «السلام الآن»، «منح الرعي التي قدمتها وزارة الزراعة للبؤر الرعوية بين 2017 و2024»، جدول بيانات، يناير/ كانون الثاني 2025، بالعبرية.

3737 منير فخر الدين، «من الكوشان إلى الكارافان: نحو إطار تاريخي لدراسة حوكمة الأرض واستعمار فلسطين»، أسطور للدراسات التاريخية، المجلد 11، العدد 22، فبراير/ شباط 2025، DOI: 10.31430/LZVX8904.

 

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة
المزيد من