Skip to main content

البُهرة.. من هم الشيعة الإسماعيليون الذين أثار ظهورهم جدلًا في العراق؟

الأحد 9 أغسطس 2026
يختلف البُهرة عن الشيعة الاثني عشرية أساسًا في مسار الإمامة بعد جعفر الصادق - غيتي

أعادت مقاطع متداولة لزوار من البُهرة في العراق تسليط الضوء على هذه الجماعة الشيعية الإسماعيلية. فمن هم البُهرة، وكيف نشأت طائفتهم، ولماذا يختلف مسار الإمامة لديهم عن الشيعة الاثني عشرية؟


أثارت مقاطع فيديو متداولة خلال زيارة أعداد من البُهرة إلى العتبات الدينية في العراق جدلًا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر زوار يرتدون الزي الأبيض المميز للطائفة، بينما سُمع آخرون يهتفون باسم الإمام موسى بن جعفر الكاظم.

وبغض النظر عن التفاصيل التي لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة في جميع المقاطع، أعاد انتشارها طرح أسئلة تتجاوز الحادثة نفسها:

من هم البُهرة؟ ولماذا يُصنَّفون ضمن المسلمين الشيعة رغم اختلافهم العقائدي مع الشيعة الاثني عشرية؟ وما علاقة هذا الاختلاف بالإمام موسى الكاظم؟
لفهم ذلك، لا بد من العودة قرونًا إلى الوراء، إلى واحدة من أكثر خرائط الانقسام المذهبي تعقيدًا داخل الإسلام الشيعي.


حلقة من "تقريبًا" عبر "العربي تيوب" تتناول موضوع الشيعة الإسماعيلية البُهرة، وتاريخهم، وأماكن انتشارهم، وأبرز أفكارهم ومعتقداتهم، والبعد الفلسفي في مذهبهم، وكيف تشكّلت هويتهم الدينية والاجتماعية، وتأثيرهم في المجتمعات التي يعيشون فيها

من هم البُهرة؟


البُهرة جماعة مسلمة شيعية تنتمي إلى الإسماعيلية المستعلية الطيبية، وتتركز أكبر تجمعاتها تاريخيًا في الهند، مع وجود جماعات منها في باكستان واليمن وشرق إفريقيا ودول الخليج وأماكن أخرى حول العالم.

ولا يشير اسم "البُهرة" في الأصل إلى مذهب مستقل عن الإسماعيلية، وإنما ارتبط بالجماعات الإسماعيلية الطيبية التي استقرت في الهند ونشط كثير من أبنائها في التجارة. وتُربط التسمية عادة بكلمة من البيئة اللغوية في غوجارات ذات صلة بالتجارة والتجار.


ينتمي البُهرة إلى الإسماعيلية المستعلية الطيبية، ويتميز رجال الجماعة بزي أبيض أصبح من أبرز العلامات البصرية المرتبطة بهم

ويتفرع البُهرة أنفسهم إلى جماعات عدة، أكبرها وأشهرها البُهرة الداودية، إلى جانب السليمانيين والعلويين وغيرهم، نتيجة خلافات تاريخية حول تسلسل قيادة الدعوة.

ويمتلك البُهرة اليوم شبكات اجتماعية واقتصادية منظمة، ويشتهرون بحضورهم في التجارة والأعمال، كما حافظوا على هوية بصرية واضحة، خصوصًا من خلال ملابس الرجال البيضاء وملابس النساء الملونة المميزة.


لماذا يختلفون عن الشيعة الاثني عشرية؟


 تبدأ النقطة الأساسية للاختلاف بعد وفاة الإمام جعفر الصادق في القرن الثاني الهجري.
  • يقول الشيعة الاثنا عشرية إن الإمامة انتقلت بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم، ثم استمرت عبر سلسلة الأئمة وصولًا إلى الإمام الثاني عشر محمد المهدي.
  • أما الإسماعيليون، فيربطون استمرار الإمامة بإسماعيل بن جعفر وذريته. ومن هذا المسار ظهرت لاحقًا الدولة الفاطمية التي حكمت أجزاء واسعة من شمال إفريقيا ومصر وأقامت القاهرة في القرن العاشر الميلادي.

هنا يمكن فهم دلالة الهتافات باسم موسى الكاظم التي ظهرت في المقاطع المتداولة في العراق. فالإمام موسى الكاظم شخصية محترمة بوصفه من آل بيت النبي لدى البُهرة أيضًا، لكنهم لا يتبعون الرؤية الاثني عشرية التي تعتبره الإمام الشرعي بعد جعفر الصادق.

لذلك فإن الخلاف ليس حول مكانة موسى الكاظم العائلية أو الدينية، وإنما حول تسلسل الإمامة نفسها، وهي المسألة التي شكّلت تاريخيًا نقطة الانقسام بين الاثني عشرية والإسماعيلية.



من الإسماعيلية إلى المستعلية


لم تتوقف الانقسامات عند هذه النقطة.

بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 1094 ميلادية، انقسم الإسماعيليون حول من يخلفه. أيد فريق ابنه نزار، فنشأت منه الإسماعيلية النزارية، بينما أيد فريق آخر ابنه المستعلي بالله، ومنه ظهرت الإسماعيلية المستعلية.

ثم وقع انقسام جديد في القرن الثاني عشر بعد وفاة الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله.



اعترف فريق بالخليفة الحافظ لدين الله، بينما تمسك فريق آخر بحق أبي القاسم الطيب، ابن الآمر، في الإمامة. وهؤلاء أصبحوا يُعرفون بالمستعلية الطيبية، وهي السلسلة الدينية التي ينتمي إليها البُهرة.

ويعتقد الطيبيون أن الإمام الطيب دخل مرحلة الستر، وأن سلسلة الأئمة استمرت في الخفاء، فيما يتولى إدارة شؤون الجماعة في زمن غياب الإمام شخص يحمل لقب "الداعي المطلق".

ومن هنا أصبحت مؤسسة الداعي المطلق إحدى السمات الأكثر أهمية في تنظيم البُهرة الديني والاجتماعي.



كيف انتقلت جماعتهم إلى الهند؟


لعب اليمن دورًا مركزيًا في تاريخ الطيبية بعد تراجع الدولة الفاطمية في مصر.

وكان للملكة أروى الصليحية دور مهم في دعم الدعوة الطيبية في اليمن، حيث تطورت مؤسسة الداعي المطلق. ومن اليمن امتدت شبكات الدعوة إلى شبه القارة الهندية، مستفيدة أيضًا من روابط التجارة القديمة عبر بحر العرب.

ومع مرور الوقت، تحولت مناطق غرب الهند، وخصوصًا غوجارات، إلى أحد أهم المراكز البشرية والاقتصادية للجماعة.

ولم يعد وجودهم مقتصرًا على الهند، إذ انتشرت جماعات البُهرة مع حركة التجارة والهجرة في شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية وبريطانيا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى.




ما أبرز معتقداتهم؟


ينتمي البُهرة إلى تقليد إسماعيلي يمنح أهمية كبيرة لفكرة أن للنصوص والشعائر الدينية مستويين متكاملين: الظاهر والباطن.

فالعبادة تؤدى في صورتها العملية، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالات روحية وتأويلية أعمق.

وتحتل "الولاية" موقعًا مركزيًا في منظومتهم الدينية، إلى جانب الصلاة والزكاة والصوم والحج والطهارة والجهاد. ولا يعني التركيز على التأويل الباطني التخلي عن الممارسة الدينية الظاهرة؛ فالبُهرة يحافظون على شعائرهم الدينية ويولون الالتزام الجماعي بها أهمية كبيرة.

ومن المراجع التاريخية المهمة في تقاليدهم كتاب "دعائم الإسلام" للقاضي النعمان، أحد أبرز فقهاء الدولة الفاطمية، إلى جانب تراث واسع في التأويل والفلسفة الإسماعيلية.



فلسفة وراء العقيدة


وتتميز التقاليد الإسماعيلية تاريخيًا بتراث فلسفي معقد تأثر بالفكر اليوناني، وخصوصًا الأفلاطونية المحدثة، قبل أن يُعاد تفسيره ضمن رؤية إسلامية للكون والنبوة والإمامة.

وظهر هذا التأثير في كتابات مفكرين إسماعيليين مثل أبي يعقوب السجستاني وحميد الدين الكرماني، ثم في التراث الطيبي في اليمن.

وتحضر في بعض هذه النصوص تصورات عن مراتب العقل والنفس والعالم المادي، وعن رحلة الإنسان الروحية من العالم المادي نحو مرتبة أعلى من المعرفة والكمال.

وفي التراث الطيبي تحديدًا، تطورت منظومة كونية شديدة التعقيد تربط بين مراتب الوجود ومفهوم السقوط الروحي والتوبة والعودة إلى الأصل. ولهذا لا تقتصر الخصوصية الدينية للبُهرة على اختلافهم بشأن سلسلة الأئمة، وإنما تمتد إلى منظومة فلسفية وتأويلية تراكمت على مدى قرون.



لماذا يرتدي رجال البُهرة الأبيض؟


يشكل الزي إحدى العلامات الأكثر وضوحًا عند ظهور جماعات البُهرة في الأماكن العامة.

ويرتدي الرجال عادة ملابس بيضاء مع قبعة مزخرفة، بينما تتميز ملابس النساء، المعروفة باسم "الرِدا"، بألوانها وتصاميمها الخاصة.

ويتجاوز اللباس لدى الجماعة الوظيفة العملية، إذ يرتبط بالهوية والانتماء والنظام الاجتماعي، ويُنظر إلى الأبيض باعتباره رمزًا للنقاء والبساطة والوحدة.

ويُعرف البُهرة عمومًا بدرجة مرتفعة من التنظيم الاجتماعي الداخلي، إذ ترتبط التجمعات المحلية بمؤسسات دينية وإدارية متسلسلة تنتهي بقيادة الداعي المطلق.


أفراد من طائفة البُهرة الداودية خلال تجمع في مومباي بالهند عام 2014، حيث يظهر الزي الأبيض التقليدي الذي يميز رجال الجماعة وقبعاتهم المزخرفة - غيتي

حضور في مصر والعراق


للبُهرة علاقة تاريخية خاصة بالتراث الفاطمي في مصر، وقد شاركوا خلال العقود الماضية في ترميم عدد من المساجد والمواقع المرتبطة بالعصر الفاطمي، وفي مقدمتها مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة.

كما ارتبطوا بمشروعات لترميم أو المساهمة في منشآت دينية مرتبطة بأهل البيت في بلدان أخرى.

أما في العراق، فلا يمثل البُهرة كتلة سكانية كبيرة مقارنة بحضورهم في الهند وبعض مناطق العالم، إلا أنهم يزورون المراقد والعتبات المقدسة، خصوصًا في النجف وكربلاء وبغداد.



مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة، أحد أبرز معالم العمارة الفاطمية، ويرتبط لدى البُهرة الداودية بإرث ديني وتاريخي تعزز بعد أعمال ترميمه في العصر الحديث - الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية


يحمل هذا الحضور مفارقة دينية لافتة؛ فالبُهرة والشيعة الاثنا عشرية يتشاركون الانتماء إلى التشيع والتعلق بأهل البيت وكثيرًا من المرجعيات التاريخية، إلا أن المسارين افترقا منذ قرون عند سؤال حاسم:

إلى من انتقلت الإمامة بعد جعفر الصادق؟
هذا السؤال التاريخي القديم هو تحديدًا ما جعل مشهدًا عابرًا لزوار يرتدون الأبيض في العراق يفتح من جديد باب النقاش حول طائفة تمتد جذورها من الخلافات الأولى داخل الإسماعيلية إلى الدولة الفاطمية واليمن والهند، قبل أن تصبح اليوم جماعة عالمية ذات هوية دينية واجتماعية شديدة التنظيم.
المصادر:
التلفزيون العربي
شارك القصة