Skip to main content

التجارب التي لم تنتهِ.. كيف تطوّر الدول القنابل من دون تفجيرات نووية معلنة؟

السبت 29 أغسطس 2026
سمحت المحاكاة للقوى النووية باختبار أجزاء من أداء أسلحتها من دون العودة إلى التفجيرات النووية - غيتي

في مساء 14 مايو/أيار 2024، جرت تحت صحراء نيفادا الأميركية تجربة مرتبطة بالأسلحة النووية. استخدمت خلالها أجهزة قياس فائقة السرعة ومواد تدخل في الترسانة، وجُمعت بيانات عن سلوكها تحت ظروف قاسية. لكن التجربة التي حملت اسم Nimble افتقدت العنصر الذي كان سيحوّلها إلى تجربة نووية بالمعنى التقليدي: لم يبدأ فيها تفاعل انشطاري متسلسل ذاتي الاستمرار، ولذلك لم يقع انفجار نووي. 

يلخص هذا المشهد تحولًا عميقًا في العصر النووي.

في 3 سبتمبر/أيلول 2017 أجرت كوريا الشمالية آخر تفجير نووي معلن أو مكتشف حتى الآن، ودخل العالم منذ ذلك الحين أطول فترة من دون تجربة نووية تفجيرية منذ بدء الاختبارات عام 1945. وفي 29 أغسطس/آب، اليوم الدولي لمناهضة التجارب النووية، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا:

إذا كانت سحب الفطر قد اختفت منذ نحو تسع سنوات، فكيف تستمر الدول في تحديث ترساناتها وتطوير رؤوس جديدة؟ 

الجواب أن التجربة لم تختفِ، وإنما تفككت.

ما كان يُختبر قديمًا بانفجار سلاح كامل أصبح اليوم موزعًا بين تجارب دون حرجة، وتصوير بالأشعة السينية، وليزر عالي الطاقة، واختبارات للمواد، ومحاكاة تعمل على أقوى الحواسيب في العالم. كل أداة تجيب عن جزء من الأسئلة التي كان التفجير النووي يجيب عنها دفعة واحدة.


حين اختفت سحابة الفطر


شهد العالم منذ 1945 أكثر من ألفي تفجير نووي تجريبي. بعضه وقع في الغلاف الجوي والبحار، قبل أن تقيد معاهدة الحظر الجزئي عام 1963 هذه الأنواع من الاختبارات وتدفع القوى النووية نحو باطن الأرض. وقد تناولنا في مادة سابقة ضمن ملف "العصر النووي" كيف أن معاهدة موسكو أوقفت الغبار النووي لكنها لم توقف تطوير القنابل.

ثم جاءت معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية عام 1996 لتحظر أي انفجار تجريبي نووي، أينما وقع. غير أن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ حتى أغسطس/آب 2026، لأن تسعًا من الدول المطلوبة بموجب ملحقها الثاني لم تستكمل التوقيع والتصديق، ومن بينها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وباكستان وكوريا الشمالية. ومع ذلك، ساعدت المعاهدة وقرارات الوقف الطوعي في ترسيخ معيار دولي جعل التفجير النووي حدثًا استثنائيًا شديد الكلفة سياسيًا. 



 كانت التجارب النووية في العقود الأولى من العصر الذري تعتمد على تفجير السلاح ومراقبة النتيجة مباشرة، قبل أن تنتقل معظم عمليات الاختبار إلى المختبرات والمحاكاة - غيتي

كيف تختبر مادة نووية من دون انفجار نووي؟


إحدى أهم الأدوات هي ما يسمى التجارب دون الحرجة (Subcritical Experiments). وفيها يدرس الباحثون سلوك مواد مرتبطة بالأسلحة النووية تحت ضغوط شديدة، لكن التجربة تتوقف قبل الوصول إلى الحالة التي تسمح بتفاعل انشطاري متسلسل ذاتي الاستمرار.

لهذا لا تنتج هذه الاختبارات مردودًا انفجاريًا نوويًا. وهي، وفق التفسير الذي تتبعه الدول المعنية، لا تقع ضمن التفجيرات التي تحظرها معاهدة الحظر الشامل. الفارق صغير في العبارة لكنه أساسي في الفيزياء: يمكن اختبار ما يحدث في بعض المراحل السابقة، من دون السماح للعملية بأن تتحول إلى انفجار نووي كامل.

وتجري الولايات المتحدة هذه التجارب في مختبر PULSE تحت موقع نيفادا للأمن القومي. المكان نفسه يحمل طبقات من تاريخ العصر النووي؛ فقد حُفرت أجزاء منه أصلًا لخدمة برنامج الاختبارات تحت الأرض، فيما أصبح اليوم مختبرًا لإجراء تجارب دون حرجة ودراسة سلوك المواد المرتبطة بالمخزون النووي. 

الحاجة إلى هذه التجارب لا تأتي فقط من الرغبة في صنع شيء جديد. فالرؤوس الموجودة في المخازن تشيخ هي الأخرى. تتغير خصائص بعض المواد، وتخرج مكونات من خطوط الإنتاج، وتُستبدل أجزاء أو تضاف تجهيزات مرتبطة بالأمان والاعتمادية. لذلك تحتاج الدولة إلى معرفة ما إذا كان السلاح الذي صُمم قبل عقود سيظل يؤدي وظيفته المتوقعة بعد التعديلات والتقادم.

وهذا جوهر برنامج الإشراف على المخزون النووي الأميركي الذي أُطلق بعد توقف واشنطن عن التفجيرات تحت الأرض عام 1992. وتقول الإدارة الوطنية للأمن النووي إن البرنامج يسمح بالحفاظ على المخزون وتحديثه من دون العودة إلى التجارب النووية التفجيرية، في وقت تشمل فيه برامج التحديث رؤوسًا مثل W80-4 وW87-1 وW93.


حين دخلت القنبلة إلى الحاسوب


إذا كانت التجربة دون الحرجة تعطي الباحثين جزءًا من الواقع، فإن الحاسوب يحاول جمع الأجزاء في صورة كاملة.

تملك القوى النووية القديمة كنزًا يصعب تعويضه: بيانات التفجيرات التي أجرتها خلال القرن العشرين.

تحتفظ المختبرات بنتائج القياسات والصور والآثار التي أنتجتها مئات التجارب الماضية. ويمكن اختبار النماذج الرقمية الجديدة بإعادتها إلى تجربة قديمة معروفة النتيجة؛ فإذا نجحت المحاكاة في إعادة إنتاج ما حدث سابقًا، يصبح استخدامها لتوقع حالات أخرى أكثر موثوقية.

لهذا تحولت الحواسيب الفائقة إلى جزء فعلي من البنية النووية. وفي الولايات المتحدة دخل El Capitan الخدمة ضمن منظومة الأمن النووي ليشغّل نماذج ثلاثية الأبعاد عالية الدقة ويقيس هامش عدم اليقين في أداء الأسلحة. وتصف الإدارة الوطنية للأمن النووي الحوسبة فائقة الأداء بأنها أداة أساسية للحفاظ على الترسانة من دون تفجيرات نووية.

ولا يعني ذلك أن الحاسوب "يعرف" الإجابة وحده. فالمحاكاة تحتاج إلى بيانات حقيقية كي تُختبر وتُصحح باستمرار. لذلك تعمل التجارب الفيزيائية والحاسوب في دائرة واحدة: التجربة تمد النموذج بالبيانات، والنموذج يتنبأ، ثم تأتي تجربة أخرى للتحقق من التنبؤ.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في مرحلة تتجه فيها القوى الكبرى نحو تحديث ترساناتها. وتطرّقت مقالة سابقة إلى التغييرات التي تطرأ على حجم الترسانة النووية العالمية وتسارع برامج تحديثها، وهو سباق لا يظهر كله في عدد الرؤوس؛ جزء منه يحدث داخل المختبرات والحواسيب.


الأشعة ترى ما لا تستطيع العين رؤيته


هناك وسيلة أخرى بين التفجير والمحاكاة: الاختبارات الهيدروديناميكية. وفيها تُعرّض مواد مستخدمة في منظومات الأسلحة لضغوط شديدة باستخدام طاقة غير نووية، ثم تُستخدم أجهزة تصوير سريعة، ومنها الأشعة السينية، لرصد كيفية تغير شكل المادة وحركتها في اللحظات القصيرة التي تهم الباحثين.

تستخدم فرنسا وبريطانيا لهذا الغرض منشأة Épure في فالدوك الفرنسية، التي أنشئت ضمن تعاون نووي بين البلدين. وتوضح هيئة الطاقة الذرية الفرنسية أن بعض التجارب يمكن أن تتضمن مواد نووية، لكنها تبقى في ظروف لا تنتج طاقة من تفاعل انشطاري ذاتي الاستمرار. وتسمح صور الأشعة الناتجة بمقارنة ما وقع بالفعل بما توقعته النماذج الرقمية.



الليزر يعيد إنشاء جزء من اللحظة


لكن بعض الظواهر التي يهتم بها مصممو الأسلحة تظهر في ظروف من الضغط والحرارة يصعب الوصول إليها بوسائل عادية. هنا تدخل منشآت الليزر عالية الطاقة.

في الولايات المتحدة يستخدم National Ignition Facility في مختبر لورنس ليفرمور 192 حزمة ليزر لإنتاج حالات شديدة التطرف على نطاق صغير. وقد ارتبطت المنشأة إعلاميًا بإنجازها في الاندماج النووي عام 2022، إلا أن مهمتها الأساسية منذ إنشائها تشمل أيضًا علوم الإشراف على المخزون النووي، إذ توفر بيانات عن المواد والعمليات الفيزيائية في ظروف لا يمكن اختبارها بسهولة بطرق أخرى.

أما فرنسا فتعتمد Laser Mégajoule ضمن برنامج يحمل اسم Simulation بدأ عام 1996 بالتزامن مع وقف تجاربها النووية. ويجمع البرنامج ثلاثة عناصر: النمذجة الفيزيائية، والحسابات الرقمية على الحواسيب الفائقة، والتحقق التجريبي بواسطة منشأتي Épure وLaser Mégajoule. 



تستخدم فرنسا منشآت الليزر والتصوير والمحاكاة للتحقق من نماذج الأسلحة النووية من دون العودة إلى التفجيرات التجريبية - فرانس برس/ غيتي

هل يمكن صنع جيل جديد بهذه الطريقة؟


هنا تصبح المسألة أهم من مجرد "صيانة" القنابل القديمة. ففي أبريل/نيسان 2026 أعلنت هيئة الطاقة الذرية الفرنسية أن الجيل الثالث من الرؤوس النووية الفرنسية، الذي سُلّم في نهاية 2025، هو أول جيل تضمنه فرنسا بالكامل عبر برنامج Simulation من دون اختبار نووي جديد.

وهو مثال واضح على مدى التغير خلال ثلاثة عقود، إذ لم تعد المحاكاة أداة لفحص رأس قديم فحسب، وإنما يمكن أن تدخل في تطوير واعتماد أجيال لاحقة ضمن الخبرة والبيانات المتراكمة لدى دولة سبق أن أجرت تجارب نووية واسعة. ويتقاطع ذلك مع قرار باريس توسيع قدراتها النووية، في ما وُصِف بأنه "أكبر تحديث منذ 30 عامًا".

وتتحرك بريطانيا في المسار نفسه. ففي برنامج الرأس الحربي المستقبلي Astraea A21/Mk7، تقول الحكومة البريطانية إنها تعتمد على النمذجة والمحاكاة والحوسبة الفائقة وعلوم المواد والتجارب الهيدروديناميكية والليزرية، بما في ذلك منشأة Épure المشتركة مع فرنسا. وقد أُجريت في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 تجربة استعراضية للقدرات الهيدروديناميكية المطلوبة قبل مرحلة التصميم والتطوير. 

ولا تقتصر هذه المنهجية على الغرب. فالمركز النووي الفدرالي الروسي VNIIEF يدرج ضمن مجالات عمله الإشراف على المخزون النووي وتحسين موثوقية الرؤوس، إلى جانب المحاكاة الحاسوبية والهيدروديناميك والليزر وفيزياء البلازما. تختلف درجة الشفافية بين الدول، لكن المبدأ العام واحد: كلما توسعت قدرة المختبر على إعادة إنتاج أجزاء من الظاهرة، قلت الحاجة إلى إعادة إنتاج الانفجار كله.



لماذا بقي الانفجار مهمًا؟


كل هذا لا يجعل التفجير النووي الكامل بلا قيمة. فالتجربة التقليدية تختبر النظام بصورة متكاملة، وتكشف في لحظة واحدة تفاعلات يصعب فصلها جميعًا أو التأكد من تمثيلها الكامل في المختبر.

ولهذا تعتمد الدول التي أوقفت الاختبارات على مستويات من الثقة والاحتمال وهامش الخطأ، لا على مشاهدة رأس حربي جديد ينفجر فعليًا. وتساعدها في ذلك ميزة تاريخية ضخمة: الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وغيرها تملك أرشيفًا من التفجيرات السابقة يمكن معايرة النماذج الحديثة عليه.

أما الدول التي لا تمتلك أرشيفًا مماثلًا أو بنية مختبرية وحوسبية متقدمة، فتكون قدرتها على الاستغناء عن التفجير الفعلي أقل. ولهذا كان الهدف الأصلي من معاهدة الحظر الشامل أوسع من منع التلوث أو سحب الفطر: رفع كلفة تطوير واختبار تصميمات نووية جديدة، وحرمان الدول من وسيلة مباشرة للتحقق من أدائها.

وتراقب شبكة الرصد الدولية التابعة لمنظمة معاهدة الحظر الشامل الزلازل والموجات الصوتية في الغلاف الجوي والمحيطات والمواد المشعة بحثًا عن أي إشارة إلى انفجار جديد. وقد التقطت أكثر من مئة منشأة تجربة كوريا الشمالية في سبتمبر/أيلول 2017، وهي آخر تجربة مسجلة حتى الآن. 



التجارب التي لم تنتهِ


يوحي صمت مواقع التفجير القديمة بأن فصلًا من العصر النووي انتهى. وهذا صحيح جزئيًا فقط. فالدول لم تعد تحتاج دائمًا إلى دفن قنبلة تحت الصحراء ثم تفجيرها كي تعرف المزيد عن ترسانتها.

تحولت التجربة من حدث واحد هائل إلى شبكة من الأحداث الصغيرة. ثمّة مادة تتحرك أمام جهاز أشعة، تجربة تتوقف قبل التفاعل المتسلسل، نبضة ليزر تعيد خلق ظروف متطرفة لجزء من الثانية، ونموذج رقمي يعمل داخل حاسوب فائق. ثم تُجمع هذه القطع لتقديم إجابة عن السؤال الذي كان يُطرح قديمًا أمام سحابة الفطر:

هل سيعمل السلاح كما هو متوقع؟

هكذا نجح حظر التفجيرات في تغيير شكل السباق النووي من دون إنهائه. اختفت معظم السحب التي كانت تجعل الاختبار مرئيًا للعالم، فيما انتقل جانب متزايد من تطوير الترسانات إلى أماكن يصعب رؤيتها: تحت الأرض، وداخل المختبر، ووراء أبواب الحواسيب الفائقة.

 

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة