التداعي للاعتراف بدولة فلسطين.. ما حدود ما يمكنه إنجازه أمام آلة القتل؟
في ختام المؤتمر الوزاري في نيويورك، أطلقت 15 دولة نداء جماعيًا للاعتراف بدولة فلسطين، معلنة بذلك تحولًا مهمًا في الموقف الدولي.
الاعتراف لم يعد مجرد إشارة رمزية، بل محاولة لخلق توازن سياسي وأخلاقي في وجه مشروع الإبادة والتطهير العرقي المستمر.
فأكثر من 75% من دول العالم تعترف بفلسطين، حيث يقول أنصار هذا التيار إنه ثقل دولي يهز الغطاء السياسي لإسرائيل، ويعيد رسم معادلات الدعم الدولي.
موقف أميركي رافض
بدورها، وصفت واشنطن مؤتمر نيويورك بـ"المسرحية الدعائية"، ووصل بها الحال إلى اعتباره خطوة في إطالة أمد الحرب على غزة.
ويعكس الموقف الأميركي تناقضًا صارخًا مع خطاب واشنطن المعلن حول حل الدولتين.
فالولايات المتحدة تصرّ على احتكار المسار السياسي وفق ما تؤكد وزارة الخارجية، وتمنح إسرائيل غطاء دبلوماسيًا وعسكريًا شاملًا في حرب الإبادة الجماعية على غزة وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، رغم ارتفاع أصوات عشرات آلاف المتظاهرين في المدن الأميركية والأوروبية في صورة الضغط الشعبي المطالب بوقف العدوان على غزة.
وعلى وقع الترحيب الفلسطيني والعربي باعتراف دولي جاء متأخرًا لكيان يُمحى كل يوم بفعل آلة القتل الإسرائيلية، يقول وزير الأمن في تل أبيب إن إعلان باريس وعواصم أخرى نية الاعتراف بالدولة الفلسطينية يدعم حماس ويشدّد مواقفها.
ورغم رمزية الموقف الذي لا يلغي واقع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يوقف المجازر والتهجير وعمليات الضم، ما لم يقترن بإجراءات ملموسة، تضع بريطانيا في ميزان واحد موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة، أو الاعتراف بدولة فلسطينية، وهو الالتزام نفسه الذي أكدته فرنسا مؤخرًا.
"قرار فرنسا مشرّف"
تعليقًا على هذه التطورات، يقول جان بيار ميلالي، الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية، إن "تغير الموقف الفرنسي تجاه فلسطين يبدو أنه جاء استدراكًا من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكن لا بد من الاعتراف بأنه كان هناك شيء من التكتيك في تصريحاته المتقلبة".
ويضيف ميلالي في حديث للتلفزيون العربي من باريس، أنه "على أساس الاعتراف بأن ترك الأمور على مسارها الحالي يوصل إلى كارثة أكبر، من هنا جاءت المبادرة الفرنسية التي تبدو لي مشرفة، لأنها تضع الحل الدبلوماسي والسياسي كنهاية للنفق وبصيصًا من الأمل في النفق الطويل.
ويقر بأن كثيرًا من العراقيل والصعوبات والأحداث الدامية آتية لا محالة، لكن برأيه هذا الأمر يفتح مجالًا للدبلوماسيين بدل ترك المجال للعسكريين، لا سيما الإسرائيليين.
ويرى أن دليل النجاح الفرنسي انضمام بريطانيا إلى القافلة بعد مدة من التردد من قبل البريطانيين، وخلق زخم دبلوماسي مهم.
"ترمب يعتقد أن الوقت حان لأفكار جديدة"
بدوره، يقول بيتر روف، الكاتب السياسي في مجلة "نيوزويك" الأميركية، إنه "بعد سنوات من فشل حل الدولتين، يعتقد ترمب أن الوقت حان لأفكار جديدة، وربما يتم التخلي عن اتفاقية أوسلو والبناء على اتفاقيات أبراهام".
ويضيف روف في حديث للتلفزيون العربي من واشنطن، أن المواقف الأوروبية تأتي في ظل ضغوط على الحكومات، على حد زعمه.
وفيما يرى أن "الحكومات قد تخشى من خروج مظاهرات اجتماعية وانعدام للاستقرار في الشوارع"، يعتبر أن "الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين هو ربما محاولة لإيقاف هذه الأزمة قبل أن تحصل".
"الاعتراف لا يكفي"
من جانبه، يرى الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، أن "الاعترافات بدولة فلسطين جاءت متأخرة كثيرً، لكن أن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي أبدًا.
ويقول في حديثه للتلفزيون العربي من رام الله، إن لهذا الاعتراف تأثير في تأكيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، إضافة إلى توجيه رسالة إلى إسرائيل مفادها أن العالم يراقب ويرى كيف تحاول أن تقضي على إمكانية ليس فقط قيام دولة فلسطينية مستقلة عبر الاستيطان والإرهاب والإجرام، بل أيضًا كيف تحاول إزالة وجود الشعب الفلسطيني بكامله.
ويؤكد أن الاعتراف الفرنسي وحده لا يكفي، ولا الاعتراف البريطاني المشروط.
ويقول: هناك فرق بين الاعتراف وهو حق للشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، والتصدي للجرائم الإسرائيلية.
ويشير إلى أهمية فرض عقوبات على إسرائيل وحظر عسكري شامل عليها لأنها ترتكب جرائم حرب، بحسب القانون الدولي.