في 30 سبتمبر/ أيلول من كل عام، يحتفل العالم بـاليوم الدولي للترجمة، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 تقديرًا لدور المتخصصكأنكط ين في اللغات في تقريب الشعوب وتسهيل الحوار والتفاهم والتعاون.
لكن المناسبة تأتي اليوم في لحظة مختلفة عن تلك التي عرفتها مهنة الترجمة لعقود. فالآلة لم تعد تكتفي باستبدال كلمة بأخرى، بل تستطيع ترجمة نصوص طويلة، وتحويل الكلام إلى نص ثم إلى لغة أخرى، بل وإجراء محادثات مترجمة في وقت شبه فوري.
وهنا يتغير السؤال: إذا كانت الآلة تستطيع أن تنقل الكلمات بهذه السرعة، فما الذي يبقى للمترجم؟ وما الذي يمكن أن يضيع بين لغة وأخرى؟
هل تكفي ضغطة الزر في الترجمة؟
اليوم، في عالم يعد فيه الإنترنت بالتواصل الفوري وتستطيع الأدوات الرقمية ترجمة نصوص كاملة في غضون ثوانٍ، نعيش عصر الترجمة الآلية العصبية والذكاء الاصطناعي التوليدي، اللذين أحدثا تحولًا كبيرًا في طريقة انتقال المحتوى بين اللغات.
فالترجمة الآلية العصبية صُممت أساسًا للتعلم من كميات كبيرة من النصوص وترجمة المحتوى بين اللغات، فيما تستطيع نماذج اللغة الكبيرة أداء مجموعة أوسع من المهام، بينها الكتابة والتلخيص والمحادثة والترجمة.
ومهما بلغت هذه الأنظمة من التطور، فإنها تعالج اللغة من خلال تمثيلات عددية وعلاقات احتمالية تتعلمها من كميات هائلة من البيانات. وبناء على ذلك، تستطيع توقع الكلمات والتراكيب الأكثر ملاءمة للسياق، لكنها لا تتعامل مع اللغة بالطريقة الإنسانية نفسها.
ومن هنا، تبدو فكرة إمكانية ترجمة كل شيء بضغطة زر أكثر تعقيدًا مما توحي به واجهات التطبيقات. فليس كل معنى ينتقل كاملًا من لغة إلى أخرى، ولا تكفي معرفة المقابل المعجمي للكلمة دائمًا لفهم ما تعنيه بالفعل داخل النص.
وهذا لا يعني التخلي عن الترجمة الآلية، بل العكس. فإدراك أن شيئًا من المعنى أو النبرة قد يُفقد في الانتقال بين اللغات هو جزء من عملية الترجمة نفسها، سواء قام بها إنسان أو بدأت بها آلة.
ولا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكبر التحولات التكنولوجية التي شهدها المجال؛ فهو يعالج كميات كبيرة من النصوص بسرعة، ويساعد في فهم المصطلحات، ويوفر الوقت في العديد من المهام الروتينية. لكن الترجمة لم تكن يومًا مسألة سرعة وحدها.
الذكاء الاصطناعي مساعد ممتاز
يُعد الذكاء الاصطناعي مساعدًا مهمًا للمترجمين؛ إذ يمكنه تسريع الوصول إلى المعلومات، والمساعدة في إدارة المصطلحات، وتحسين الاتساق داخل النصوص الطويلة، وتقليل الوقت اللازم للأعمال المتكررة.
وبذلك، يستطيع المترجم تخصيص مساحة أكبر للقرارات الأكثر صعوبة، وهي تلك التي تحتاج إلى معرفة بالسياق وفهم ثقافي واختيار لغوي دقيق.
لهذا، لا يبدو مستقبل الترجمة بالضرورة منافسة مباشرة بين البشر والذكاء الاصطناعي، بل مجالًا تتغير فيه طبيعة العمل وأدواته. فالمترجم يحتاج بصورة متزايدة إلى معرفة كيفية استخدام هذه الأنظمة والاستفادة منها، من دون التعامل مع مخرجاتها على أنها نسخة نهائية لا تحتاج إلى مراجعة.
ولطالما كانت صناعة الترجمة من أوائل القطاعات التي تبنت التكنولوجيا؛ فمن القواميس الإلكترونية ومجموعات النصوص اللغوية، إلى أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب وذاكرات الترجمة، وصولًا إلى الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي التوليدي.
إلا أن النقاش حول الترجمة والتكنولوجيا يبدو اليوم أكثر استقطابًا؛ إذ يتوقع البعض أن تؤدي التطورات الحالية إلى تقليص دور المترجم البشري، بينما يرى آخرون أنها تعيد تعريف وظيفته بدل إلغائها.
فالترجمة لم تعد اليوم مجرد تحويل للكلمات، بل أصبحت تتضمن بصورة متزايدة إدارة سير العمل الرقمي، والإشراف على الجودة، ومراجعة النصوص المولدة آليًا، والتعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها جزءًا من عملية الإنتاج.
وقد أدى تطور هذه الأدوات إلى تقليص التدخل البشري المباشر في بعض المراحل الأولى من الترجمة؛ إذ تستطيع البرامج إنتاج مسودة أولية بسرعة، قبل أن تبدأ مرحلة المراجعة والتدقيق والتكييف مع السياق.
كما أصبحت تطبيقات الترجمة القائمة على الذكاء الاصطناعي متاحة على نطاق واسع، ولم يعد استخدامها مقتصرًا على المترجمين والمؤسسات. فمستخدمو الهواتف الذكية يلجؤون إليها يوميًا لفهم نص أو لافتة، أو لإجراء محادثة بين شخصين لا يتحدثان اللغة نفسها.
لكن اتساع الاستخدام لا يعني أن جميع أنواع النصوص متساوية أمام الآلة.
ما الذي قد يضيع بين اللغتين؟
تتفوق الأنظمة الحديثة في نقل كثير من البنى المباشرة للغة والمعاني المعجمية الظاهرة والمصطلحات التقنية المألوفة، كما تساعد على الحفاظ على الاتساق داخل المستندات الطويلة وتسريع العمل عليها.
أما الصعوبة فتبدأ عندما لا يكون المعنى موجودًا في الكلمات وحدها.
فالسخرية مثلًا قد تقوم على قول عكس ما يقصده المتحدث. والجملة الأدبية قد تستمد قوتها من إيقاعها وطريقة بنائها، لا من معناها الحرفي وحده. وقد تحمل كلمة واحدة دلالات سياسية أو اجتماعية أو تاريخية تختلف جذريًا بين ثقافتين.
كذلك، قد يعتمد معنى جملة على فقرة سبقتها، أو على هوية المتحدث، أو على إحالة لا تظهر إلا في موضع آخر من النص. وعندها يمكن أن تبدو الترجمة صحيحة من الناحية اللغوية، لكنها لا تنقل المقصود بدقة.
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن التعامل مع السياق؛ فالنماذج الحديثة أصبحت أكثر قدرة على قراءة نصوص طويلة وربط عناصرها بعضها ببعض. لكن مستوى الأداء يختلف بحسب اللغة ونوع النص ووضوح السياق والبيانات التي تدرب عليها النموذج.
وهنا تحديدًا تظهر المسافة بين نقل ما تقوله الجملة ونقل ما تريد أن تقوله.
فقد تنتج الآلة صياغة سليمة نحويًا، لكنها تختار معنى محتملًا لا يتفق مع مقصد الكاتب، أو تنقل المعلومة وتفقد النبرة، أو تحافظ على الكلمات فيما تضيع السخرية أو الإيحاء أو المرجعية الثقافية.
وأمام ذلك، تصبح المراجعة البشرية أكثر أهمية كلما ابتعد النص عن اللغة المباشرة. فالمترجم لا يبحث فقط عن كلمة صحيحة، بل يقرر أي صياغة تحتفظ بالمعنى والنبرة والأسلوب، وتبدو في الوقت نفسه طبيعية في اللغة الجديدة.
وراهنًا، لا يمكن تجاهل أن مستخدمي الإنترنت العاديين يحتاجون بدورهم إلى الترجمة، وكذلك المؤسسات العامة والشركات التي تتواصل مع جماهير متعددة اللغات. لذلك اكتسبت أدوات مثل "غوغل ترانسلايت" و"مايكروسوفت ترانسليتور" وDeepL وغيرها حضورًا واسعًا.
وتلبي هذه الأدوات، في كثير من الاستخدامات اليومية، حاجة من يفضلون السرعة والسهولة ولا يحتاجون إلى ترجمة احترافية لكل رسالة أو نص قصير. وهي بذلك وسعت الوصول إلى الترجمة بدل أن تقتصر الخدمة على من يستطيعون الاستعانة بمترجم.
كما أصبحت أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب جزءًا أساسيًا من إنتاج الترجمة التجارية، فيما تستمر حلول البرمجيات الجديدة في تغيير طريقة العمل داخل القطاع ودرجة التدخل البشري في كل مرحلة.
وفي هذا السياق، برزت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضًا. فقد أطلقت شركة OpenAI برنامج ChatGPT في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، قبل أن تتسع سريعًا قدرات النماذج اللغوية في التعامل مع لغات مختلفة ومهام تتجاوز الترجمة التقليدية.
كسر حواجز اللغات
مع هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح على المترجمين والمؤسسات هو ما إذا كانوا سيستخدمون الذكاء الاصطناعي فقط، بل أين يمكن الاعتماد عليه، وأين تصبح المراجعة البشرية ضرورية.
ولهذا برزت نماذج عمل تجمع بين سرعة الأداة الآلية والتدخل البشري في المراجعة وضمان الجودة، بدل التعامل مع الإنسان والآلة بوصفهما بديلين أحدهما من الآخر.
وتزداد أهمية هذا التدخل كلما كانت طبيعة النص أكثر حساسية أو كانت تكلفة الخطأ أعلى، كما في النصوص الطبية والقانونية والتقنية المتخصصة، أو عندما تكون النبرة والسياق جزءًا أساسيًا من المعنى.
ولا يعني ذلك أن المترجم ينسحب من العملية، بل قد تنتقل بعض أدواره من كتابة المسودة الأولى إلى مراجعتها، واكتشاف الأخطاء، وضبط المصطلحات، والتحقق من السياق، واتخاذ القرار النهائي في المواضع التي تحتمل أكثر من معنى.
وفي سعيها إلى تطوير أنظمة تستطيع التعامل مع عدد أكبر من اللغات وأشكال التواصل، أطلقت شركة "ميتا بلاتفورمز" عام 2023 نموذج "سيمليس إم 4 تي" (SeamlessM4T)، الذي يجمع في نظام واحد بين التعرف إلى الكلام والترجمة عبر النص والصوت.
ويدعم النظام التعامل مع نحو 100 لغة في عدد من مهام التعرف إلى الكلام والترجمة من الكلام إلى النص، إلى جانب الترجمة الصوتية إلى عشرات اللغات.
ويمثل هذا النوع من الأنظمة خطوة تتجاوز ترجمة النص المكتوب؛ إذ يجعل من الممكن الانتقال من حديث بلغة إلى نص أو حديث بلغة أخرى داخل النظام نفسه، ما يوسع إمكانات التواصل عبر الحواجز اللغوية.
وفي مسار موازٍ، أعلنت شركة غوغل عام 2024 إضافة 110 لغات جديدة إلى "غوغل ترانسلايت"، في أكبر توسع للخدمة آنذاك، مستفيدة من تطور نماذج الذكاء الاصطناعي.
ورفع ذلك عدد اللغات التي تدعمها الخدمة إلى أكثر من 240 لغة، بعدما كانت تدعم 133 لغة سابقًا، ما أتاح الوصول إلى الترجمة الرقمية أمام عدد أكبر من المجتمعات اللغوية.
كل ذلك يجعل من الصعب التقليل من حجم ما أتاحته التكنولوجيا.
فالآلة تستطيع اليوم تقريب نص كان بعيدًا عن قارئه، وتمكين مسافر من فهم لافتة، ومساعدة طالب على قراءة مصدر بلغة لا يعرفها، وإتاحة محادثة بين شخصين كان حاجز اللغة سيمنعهما من التواصل بسهولة قبل سنوات.
لكن كسر حاجز اللغة لا يعني أن كل ما يفصل بين اللغات قد اختفى.
فالآلة يمكن أن تجعل الانتقال بينها أسرع وأرخص وأكثر سهولة، وقد تصبح أفضل باستمرار في التقاط السياق والنبرة. ومع ذلك، تظل هناك لحظة لا يكفي فيها أن نسأل: "ماذا تقول هذه الجملة؟"، بل يصبح السؤال: "ماذا أراد صاحبها أن يقول؟ وكيف سيستقبلها قارئ ينتمي إلى لغة وثقافة أخرى؟"
وهناك تحديدًا، لا تعود الترجمة مجرد نقل للكلمات، بل تصبح اختيارًا بين معانٍ وصياغات ممكنة.
وربما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينقل اليوم أكثر مما كان ممكنًا في السابق، وأن يفعل ذلك بسرعة لم يعرفها المترجمون من قبل. لكن بين لغتين تبقى مساحة لا يحسمها القاموس ولا الاحتمال الإحصائي وحدهما؛ مساحة السياق والنبرة والثقافة والاختيار.
هناك، لا تختفي وظيفة المترجم، بل تتغير.