من الفراش إلى العمل.. كيف يحاصر الهاتف تركيزنا طوال اليوم؟
في صباح يوم عادي، بات كثيرون يستيقظون ويمدّون أيديهم إلى الهاتف قبل أن يفتحوا أعينهم بالكامل، رغم أنه لم ترد إليهم أي إشعارات عاجلة أو رسائل مُلحّة.
يتنقّل هؤلاء بين التطبيقات لبضع دقائق، قبل أن ينهضوا ليبدؤوا يومهم. لكن شيئًا ما يبدو مختلفًا؛ فأذهانهم باتت مشتّتة، وتركيزهم أصبح هشًا، وكأن يومهم بدأ قبل أن يستيقظوا فعلًا.
تؤكد دراسات أن هذه العادة أصبحت جزءًا من ظاهرة أوسع تُعرف بـ"التشتت الرقمي".
قد نعتقد أن المشكلة تبدأ عندما نستخدم الهاتف بشكل مفرط، لكن أبحاثًا تشير إلى أن هذا التأثير يبدأ قبل ذلك بكثير.
فقد أكدت دراسة صادرة عن جامعة شيكاغو عام 2017 أن مجرد وجود الهاتف بالقرب من الشخص، حتى إن لم يستخدمه، يؤدي إلى انخفاض في الأداء المعرفي، وحذّرت من أن ذلك يستنزف جزءًا من الذاكرة العاملة والانتباه.
"الهاتف لا يحتاج إلى أن يرنّ كي يشتت. يكفي أن يكون حاضرًا"
كيف يعطّل التشتت الرقمي القدرة على التركيز؟
مع مرور الوقت، يتراكم تأثير هذه الظاهرة. فبحسب تقرير نشرته مجلة "ناشيونال جيوغرافيك"، انخفض متوسط مدة التركيز على مهمة واحدة من نحو دقيقتين ونصف الدقيقة إلى أقل من دقيقة في بعض الحالات، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في طريقة تعامل الدماغ مع المعلومات.
وتؤكد دراسة نُشرت في مجلة "Computers & Education" أن هذا التراجع لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بكيفية استخدامها.
وتوضح الدراسة أن التنقل المستمر بين التطبيقات، أو ما يُعرف بـ"تعدد المهام الرقمية"، يُضعف القدرة على التركيز بدلًا من تعزيزها.
ويطرح باحثون مصطلحًا يفسر هذا التوتر الخفي، هو "الانشغال المعرفي"، ويعرّفونه بأنه الحالة التي تجعلك، حتى وأنت لا تلمس هاتفك، تترك جزءًا من وعيك معلّقًا هناك، متسائلًا: "هل فاتني شيء؟ هل هناك تحديث جديد؟".
وتشير دراسة نُشرت في مجلة "Frontiers in Physiology" عام 2021 إلى أن هذا الارتباط المستمر يقلّل القدرة على التركيز، ويؤثر في الحالة النفسية.
"مع مرور الوقت، يتحول هذا الترقب إلى نمط ذهني دائم، يجعل من الصعب على الدماغ الاستقرار في مهمة واحدة"
لماذا يصعب تجاهل الهاتف؟
الدراسة والعمل.. كلفة الانتباه المقطوع؟
أظهرت دراسة منشورة عبر المكتبة الوطنية الأميركية للطب أن 68% من الطلاب يعتبرون الهاتف الذكي المصدر الأكبر للتشتيت أثناء الدراسة.
وفي دراسة أخرى حديثة، أقرّ أكثر من 60% من الطلاب باستخدام هواتفهم أثناء المذاكرة، ما يؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على الاستيعاب والتركيز.
ومن هذا المنطلق، شرعت دول أوروبية عدة في السنوات الأخيرة في حظر استخدام الهواتف داخل المدارس، وذهب بعضها إلى خطوات أكثر تشددًا، على غرار أستراليا التي أقرت حظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة.
أما في بيئة العمل، فإن التنقل المستمر بين الرسائل والبريد الإلكتروني والتطبيقات يؤدي إلى ما يُسمى "تكلفة التحول الذهني"، إذ يحتاج الدماغ إلى وقت لإعادة التركيز بعد كل مقاطعة.
هل يمكن استعادة التركيز المفقود؟
رغم كل ما سبق، أثبتت دراسة حديثة نُشرت عام 2025في مجلة "PNAS Nexus" إمكانية استعادة جزء من التركيز المفقود نتيجة التشتت الرقمي.
وطُلب من المشاركين في التجارب تقليل استخدام الإنترنت عبر هواتفهم لمدة أسبوعين فقط. وكانت النتيجة تحسنًا ملحوظًا في الانتباه والصحة النفسية، إلى درجة شبّهها الباحثون بتأثير "استعادة عمر ذهني أصغر".
خطوات بسيطة لاستعادة الانتباه
يقود كل ما سبق إلى خلاصة واحدة مفادها أن "التشتت الرقمي" لا يبدو مجرد نتيجة لاستخدام الهاتف، وإنما انعكاس لبيئة مصممة لجذب الانتباه باستمرار.
وبينما تتزايد هذه الضغوط، يصبح الحفاظ على التركيز مهارة تحتاج إلى وعي وممارسة. لذلك، يُنصح باتباع بعض الإجراءات البسيطة، مثل:
-
تقليل الإشعارات.
-
تخصيص وقت للتركيز من دون مقاطعة.
-
إبعاد الهاتف أثناء العمل أو الدراسة.
-
تحديد فترات يومية خالية من التصفح العشوائي.