الإثنين 11 مايو / مايو 2026
Close

التشتت الرقمي.. كيف يسرق الهاتف تركيزنا بصمت؟

التشتت الرقمي.. كيف يسرق الهاتف تركيزنا بصمت؟ محدث 06 مايو 2026

شارك القصة

فقدان التركيز بسبب استخدام الهاتف
التشتت الرقمي.. حين يصبح الهاتف حاضرًا في العقل حتى من دون لمسه - غيتي
التشتت الرقمي.. حين يصبح الهاتف حاضرًا في العقل حتى من دون لمسه - غيتي
الخط
يفسّر التشتت الرقمي كيف يضعف الهاتف قدرتنا على التركيز حتى من دون استخدامه، وما الذي يمكن فعله لاستعادة الانتباه في الدراسة والعمل والحياة اليومية.
من الفراش إلى العمل.. كيف يحاصر الهاتف تركيزنا طوال اليوم؟

في صباح يوم عادي، بات كثيرون يستيقظون ويمدّون أيديهم إلى الهاتف قبل أن يفتحوا أعينهم بالكامل، رغم أنه لم ترد إليهم أي إشعارات عاجلة أو رسائل مُلحّة.

يتنقّل هؤلاء بين التطبيقات لبضع دقائق، قبل أن ينهضوا ليبدؤوا يومهم. لكن شيئًا ما يبدو مختلفًا؛ فأذهانهم باتت مشتّتة، وتركيزهم أصبح هشًا، وكأن يومهم بدأ قبل أن يستيقظوا فعلًا.

تؤكد دراسات أن هذه العادة أصبحت جزءًا من ظاهرة أوسع تُعرف بـ"التشتت الرقمي".

استخدام الهاتف عند الاستيقاظ من النوم
  أصبح تصفّح الهاتف في الفراش بعد الاستيقاظ سلوكًا شائعًا لدى كثيرين - غيتي

"يوصف التشتت الرقمي بأنه حالة يعيش فيها العقل تحت تأثير تدفق مستمر من الإشعارات والمحفزات، ما يغيّر تدريجيًا طريقة تركيزه واستجابته"

قد نعتقد أن المشكلة تبدأ عندما نستخدم الهاتف بشكل مفرط، لكن أبحاثًا تشير إلى أن هذا التأثير يبدأ قبل ذلك بكثير.

فقد أكدت دراسة صادرة عن جامعة شيكاغو عام 2017 أن مجرد وجود الهاتف بالقرب من الشخص، حتى إن لم يستخدمه، يؤدي إلى انخفاض في الأداء المعرفي، وحذّرت من أن ذلك يستنزف جزءًا من الذاكرة العاملة والانتباه.


"الهاتف لا يحتاج إلى أن يرنّ كي يشتت. يكفي أن يكون حاضرًا"

كيف يعطّل التشتت الرقمي القدرة على التركيز؟


مع مرور الوقت، يتراكم تأثير هذه الظاهرة. فبحسب تقرير نشرته مجلة "ناشيونال جيوغرافيك"، انخفض متوسط مدة التركيز على مهمة واحدة من نحو دقيقتين ونصف الدقيقة إلى أقل من دقيقة في بعض الحالات، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في طريقة تعامل الدماغ مع المعلومات.

وتؤكد دراسة نُشرت في مجلة "Computers & Education" أن هذا التراجع لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بكيفية استخدامها.

وتوضح الدراسة أن التنقل المستمر بين التطبيقات، أو ما يُعرف بـ"تعدد المهام الرقمية"، يُضعف القدرة على التركيز بدلًا من تعزيزها.

ضعف التركيز بسبب الهاتف
قد يضعف الاستخدام المفرط للهاتف القدرة على التركيز حتى من دون لمسه - غيتي 

ويطرح باحثون مصطلحًا يفسر هذا التوتر الخفي، هو "الانشغال المعرفي"، ويعرّفونه بأنه الحالة التي تجعلك، حتى وأنت لا تلمس هاتفك، تترك جزءًا من وعيك معلّقًا هناك، متسائلًا: "هل فاتني شيء؟ هل هناك تحديث جديد؟".

وتشير دراسة نُشرت في مجلة "Frontiers in Physiology" عام 2021 إلى أن هذا الارتباط المستمر يقلّل القدرة على التركيز، ويؤثر في الحالة النفسية.

"مع مرور الوقت، يتحول هذا الترقب إلى نمط ذهني دائم، يجعل من الصعب على الدماغ الاستقرار في مهمة واحدة"

لماذا يصعب تجاهل الهاتف؟

مع أن الحل يبدو بسيطًا، أي تجاهل الهاتف، فإن الأمر لا يتعلق بالإرادة وحدها. فالتطبيقات الرقمية مصمّمة أصلًا لجذب الانتباه.
ويعود ذلك إلى أن الإشعارات والتنبيهات والتحديثات العشوائية تعمل وفق ما يطلق عليه علماء النفس "نظام المكافآت المتقطعة"، وهو النظام الذي يجعل الدماغ يكرر سلوكًا معينًا بحثًا عن مكافأة غير متوقعة.
ولهذا السبب، يصبح التحقق من الهاتف سلوكًا شبه تلقائي، حتى من دون وجود سبب واضح.

الدراسة والعمل.. كلفة الانتباه المقطوع؟


أظهرت دراسة منشورة عبر المكتبة الوطنية الأميركية للطب أن 68% من الطلاب يعتبرون الهاتف الذكي المصدر الأكبر للتشتيت أثناء الدراسة.

وفي دراسة أخرى حديثة، أقرّ أكثر من 60% من الطلاب باستخدام هواتفهم أثناء المذاكرة، ما يؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على الاستيعاب والتركيز.

استخدام الهواتف في المدارس
تتجه دول عدة إلى تقييد استخدام الهواتف داخل المدارس لحماية انتباه الطلاب - غيتي

ومن هذا المنطلق، شرعت دول أوروبية عدة في السنوات الأخيرة في حظر استخدام الهواتف داخل المدارس، وذهب بعضها إلى خطوات أكثر تشددًا، على غرار أستراليا التي أقرت حظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة.

أما في بيئة العمل، فإن التنقل المستمر بين الرسائل والبريد الإلكتروني والتطبيقات يؤدي إلى ما يُسمى "تكلفة التحول الذهني"، إذ يحتاج الدماغ إلى وقت لإعادة التركيز بعد كل مقاطعة.

هناك ارتباط متزايد بين الاستخدام المكثف للأجهزة الرقمية وارتفاع مستويات القلق والتوتر. فالانقطاع المستمر للانتباه يمنع الدماغ من الوصول إلى حالة "التركيز العميق"، وهي الحالة المرتبطة بالراحة الذهنية والإبداع.

هل يمكن استعادة التركيز المفقود؟


رغم كل ما سبق، أثبتت دراسة حديثة نُشرت عام 2025في مجلة "PNAS Nexus" إمكانية استعادة جزء من التركيز المفقود نتيجة التشتت الرقمي.

وطُلب من المشاركين في التجارب تقليل استخدام الإنترنت عبر هواتفهم لمدة أسبوعين فقط. وكانت النتيجة تحسنًا ملحوظًا في الانتباه والصحة النفسية، إلى درجة شبّهها الباحثون بتأثير "استعادة عمر ذهني أصغر".

لا تكشف الدراسات مجرد مشكلة سلوكية، وإنما تحوّلًا أعمق في علاقة الإنسان بالانتباه، يؤكد أن التكنولوجيا اليوم لا تكتفي بتسهيل حياتنا، وإنما تنافس على تركيزنا بشكل مستمر.

حظر الهواتف في المدارس
 يساعد تنظيم أوقات استخدام الهاتف في استعادة جزء من التركيز المفقود - غيتي

خطوات بسيطة لاستعادة الانتباه


يقود كل ما سبق إلى خلاصة واحدة مفادها أن "التشتت الرقمي" لا يبدو مجرد نتيجة لاستخدام الهاتف، وإنما انعكاس لبيئة مصممة لجذب الانتباه باستمرار.

وبينما تتزايد هذه الضغوط، يصبح الحفاظ على التركيز مهارة تحتاج إلى وعي وممارسة. لذلك، يُنصح باتباع بعض الإجراءات البسيطة، مثل:

  • تقليل الإشعارات.
  • تخصيص وقت للتركيز من دون مقاطعة.
  • إبعاد الهاتف أثناء العمل أو الدراسة.
  • تحديد فترات يومية خالية من التصفح العشوائي.

قد لا يكون الحل في الابتعاد الكامل عن الأجهزة، وإنما في إعادة تنظيم استخدامها، بحيث يستعيد الإنسان حقه في الانتباه، ولا يبقى عقله مفتوحًا طوال الوقت على نافذة لا تهدأ.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي