على مدى عقود طويلة، اضطلعت الجامعات بدور استراتيجي بوصفها جسورًا معرفية تربط إرث البشرية بتطلعاتها المستقبلية. فقد صانت المعرفة، وراكمت الفهم الجماعي، وشكّلت فضاءات للاستقصاء الحر والحوار النقدي، لتصبح إحدى الركائز الأساسية في دعم التنمية البشرية المستدامة.
غير أن هذا الدور لم يعد مضمونًا تلقائيًا، إذ يشهد التعليم العالي اليوم تحولًا واسعًا تدفعه عوامل اقتصادية واجتماعية وتقنية, فوفق تقرير صادر عن منظمة "اليونسكو" بعنوان "تحويل التعليم العالي: تعاون عالمي لرسم الرؤى والعمل"، تؤثر التغيرات المتسارعة في مكانة الجامعات ووظائفها، وتعيد رسم علاقة التعليم العالي بالمعرفة، والتعلم، والمجتمعات.
وتضع تحديات مثل تغيّر المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والأزمات الصحية، واستمرار عدم المساواة، والذكاء الاصطناعي، وتراجع الديمقراطية، الجامعات أمام مهمة جديدة: أن تعيد النظر في طريقة إدارتها، وفي طبيعة المعرفة التي تنتجها، وفي الأغراض الاجتماعية التي تخدمها.
توسّع غير مسبوق في التعليم العالي
يشهد قطاع التعليم العالي توسعًا عالميًا غير مسبوق. فقد ارتفع عدد الطلاب المسجلين من نحو 100 مليون طالب عام 2000 إلى 269 مليون طالب عام 2024، ليصل معدل الالتحاق العالمي إلى 43% من الفئة العمرية المعنية، أي بين 18 و24 عامًا.
ويواكب هذا النمو وجود أكثر من 22 ألف مؤسسة تعليم عالٍ معتمدة وتخضع لضمان الجودة عالميًا، إلى جانب تزايد الحراك الطلابي الدولي، إذ بلغ عدد الطلاب الدوليين نحو 7.3 ملايين طالب عام 2023، بعدما كان 2.1 مليون فقط عام 2000.
لكن التوسع الكمي لا يعني أن الطريق بات مفتوحًا بالتساوي أمام الجميع. فبحسب تقرير الاتجاهات العالمية للتعليم العالي، تتباين معدلات الالتحاق بالجامعات بشكل حاد بين الدول والمناطق، إذ تبلغ 80% في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، مقابل 37% في المنطقة العربية، و30% في جنوب وغرب آسيا، و9% فقط في إفريقيا.
كما تستحوذ المؤسسات الخاصة على ثلث إجمالي المسجلين عالميًا، وترتفع النسبة إلى 49% في أميركا اللاتينية والكاريبي عام 2023. وفي دول مثل البرازيل واليابان وكوريا الجنوبية، يلتحق 4 من كل 5 طلاب بمؤسسات خاصة، ما يطرح أسئلة إضافية حول كلفة التعليم، والإنصاف، وحدود الدور العام للجامعة.
ولا تبدو صورة التخرج متناسبة مع سرعة الالتحاق. فقد ارتفعت نسبة التخرج العالمية من 22% عام 2013 إلى 27% عام 2024، وهي زيادة محدودة قياسًا بحجم التوسع في أعداد الطلاب. وفي الوقت نفسه، تستضيف 7 دول، هي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألمانيا، وكندا، والاتحاد الروسي، وفرنسا، نصف الطلاب الدوليين، مع صعود وجهات جديدة مثل تركيا والإمارات.
وعلى مستوى النوع الاجتماعي، تفوقت الإناث على الذكور عالميًا في الالتحاق، إذ بلغ المعدل 114 طالبة لكل 100 طالب عام 2024. ومع ذلك، لا تزال المرأة ممثلة تمثيلًا ناقصًا في مستوى الدكتوراه، ولا تشغل سوى نحو ربع المناصب القيادية العليا في المجال الأكاديمي.
كما ارتفع التحاق اللاجئين بالتعليم العالي من 1% عام 2019 إلى 9% عام 2025، غير أنهم ما زالوا يواجهون عوائق تتصل بالاعتراف بمؤهلاتهم ومساراتهم السابقة. ويضاف إلى ذلك تحدٍ جديد يرتبط بالذكاء الاصطناعي، إذ لا تمتلك سوى جامعة واحدة من كل 5 جامعات سياسة رسمية لاستخدامه عام 2025.
أزمة الجامعة ليست في الأرقام وحدها
تفرض التحولات الرقمية مهارات جديدة، ويتغير سوق العمل بسرعة، كما أن الأزمات الصحية والمناخية تتطلب معرفة عابرة للتخصصات، في حين تضع النزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية الجامعات أمام اختبارات قاسية تتعلق بحرية البحث، وسلامة الطلاب، واستقلالية المؤسسات.
وفي هذا السياق، لم تعد الحلول التقنية البسيطة كافية. فالدعوة إلى تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة لا تكفي وحدها، لأن التحدي يتصل بطريقة إنتاج المعرفة نفسها. لذلك تشدد "اليونسكو" على أهمية تبني نهج "العلم المفتوح"، وتجاوز الحواجز التقليدية بين التخصصات، والانفتاح على أنظمة معرفية محلية وأصلية، مع مقاومة هيمنة المصالح التجارية على أجندات البحث العلمي.
وتواجه الحرية الأكاديمية بدورها تهديدات متزايدة، سواء من تدخل السلطات السياسية، أو التحركات الشعبوية، أو سياسات الأمن البحثي المفرطة، أو تحويل التعليم إلى سوق للأفكار يوجّهها التمويل الخاص نحو المجالات الأكثر ربحية. وفي ظل هذه الضغوط، تصبح حماية الجامعة كفضاء حر للتفكير والنقاش شرطًا أساسيًا لاستمرار دورها العام.
ومن زاوية العلاقة مع المتعلمين، تتغير طرق القبول والاعتراف بالمؤهلات السابقة مع صعود مفهوم "الشهادات المصغّرة" والتعلم مدى الحياة. وهذا التحول يدفع الجامعات إلى مراجعة الأساليب التقليدية القائمة على التلقين، والانتقال نحو تعليم يركز على القدرات، والمهارات الحياتية، والمسار التعلمي، لا على النتيجة النهائية وحدها.
أما في علاقتها مع الجمهور، فتواجه الجامعات تراجعًا في الثقة العامة، تغذيه كلفة التعليم المرتفعة، ومخاوف الطلاب من البطالة أو العمل غير المستقر بعد التخرج. ومن هنا، لا يمكن للمؤسسات الأكاديمية أن تستعيد ثقة المجتمعات إلا عبر التزام واضح بمهمتها الاجتماعية وخدمة الصالح العام.
وتزيد أطر المساءلة من تعقيد المشهد. فقد تحولت التصنيفات الجامعية ومقاييس الأداء في حالات كثيرة إلى أدوات سطحية لا تعكس الأثر الحقيقي للمؤسسات. كما أدت سياسات التقشف والتمويل القائم على الأداء إلى تراجع الدعم الحكومي، ما ترك آثارًا سلبية على البحث العلمي، وفتح النقاش حول الحاجة إلى نماذج تمويل أكثر استدامة وعدلًا.
-
أطر المساءلة، في ظل تحول التصنيفات ومقاييس الأداء إلى أدوات سطحية لا تعبّر عن الأداء الحقيقي، ما يستدعي ابتكار أطر مساءلة ديناميكية تركز على المسؤوليات الجوهرية تجاه المجتمع.
-
سياسات التقشف والاعتماد على التمويل القائم على الأداء، بعدما أدت إلى تراجع الدعم الحكومي وانعكست سلبًا على البحث العلمي، ما يفرض فتح حوار جماعي لتحديد مسارات مستدامة لتمويل التعليم العالي.
العالي كـ"صالح عام عالمي"
في مواجهة هذه التحولات، تقترح "اليونسكو" النظر إلى التعليم العالي بوصفه "صالحًا عامًا عالميًا". وهذا يعني أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح شهادات، ولا خدمة يدفع الأفراد ثمنها للحصول على فرصة عمل أفضل. إنها أيضًا مساحة لإنتاج المعرفة، وبناء المواطنة، وتوسيع العدالة، وحماية التفكير النقدي.
ومن أجل هذا التحول، حددت المنظمة سبعة مبادئ توجيهية تسعى إلى جعل التعليم العالي أكثر شمولًا واستدامة وقدرة على الاستجابة للتحديات العالمية.
نموذج معرفي مرن وتفاعلي
ترسم "اليونسكو" معالم تحول استراتيجي ينقل التعليم العالي من حالة الجمود إلى نموذج معرفي حيوي ومستدام. وتشدد في هذا السياق على ضرورة تغيير فلسفة التعامل مع الجامعة، من كونها نظامًا مغلقًا إلى فضاء مفتوح يقوم على التكامل والتنسيق.
فعلى مستوى الأنظمة التعليمية، يقترح التقرير التخلي عن التراتبية التقليدية لصالح بيئات تشجع تنقل المتعلمين، وتدعم مسارات التعلم مدى الحياة، وتعترف بأشكال مختلفة من المعرفة والخبرات السابقة، بما يتجاوز النطاق الضيق للشهادات الأكاديمية التقليدية.
وعلى مستوى المؤسسات الجامعية، يدعو التقرير إلى تفكيك "صوامع التخصصات" التي أدت إلى تفتت معرفي، واستبدالها بنهج بحثي وتعليمي مترابط يدمج بين العلوم والإنسانيات لمواجهة التحديات العالمية المعقدة.
كما يشدد على أهمية الانتقال من نماذج تخطيط القوى العاملة الجامدة إلى تفاعل ديناميكي مع أسواق العمل، بحيث تصبح الجامعات حاضنات للابتكار والريادة، لا مراكز لتلقين نظريات منفصلة عن الواقع المهني.
من الشهادة إلى التعلم المستمر
يُعد التعلم المستمر إحدى الركائز الجوهرية للتحول المنشود في التعليم العالي. فدور الجامعات لم يعد محصورًا في منح الشهادات الأكاديمية التقليدية لطلاب في مرحلة عمرية محددة، وإنما بات مرتبطًا بتوفير فرص تعلم مرنة تناسب الأفراد في مراحل مختلفة من حياتهم.
ووفق "اليونسكو"، يتطلب هذا التوجه إعادة هيكلة العروض التعليمية لتشمل برامج قصيرة الأمد، واعتمادات مصغّرة، ومسارات تعلم هجينة، بما يسمح للمتعلمين بتطوير مهاراتهم بالتزامن مع مسؤولياتهم المهنية والاجتماعية.
كما يتطلب الاعتراف بالمعارف والمهارات المكتسبة خارج الأطر الجامعية التقليدية، سواء في أماكن العمل أو عبر المشاركة المجتمعية. ومن شأن ذلك أن يجعل الجامعة أقرب إلى المجتمع، وأكثر قدرة على الوصول إلى الفئات المهمشة، وأوسع حضورًا في إدارة الحوارات العامة.
أي جامعة للمستقبل؟
لا يبدو مستقبل التعليم العالي مرتبطًا بعدد الجامعات أو الطلاب فقط، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على تغيير علاقتها بالمعرفة والمجتمع. فالجامعة التي تكتفي بمنح الشهادات ستجد نفسها أقل قدرة على مواكبة عالم سريع التحول، أما الجامعة التي تحمي التفكير النقدي، وتنفتح على التعلم المستمر، وتستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان، فستظل قادرة على أداء دورها العام.
ومن هنا، لا تطرح "اليونسكو" إصلاحًا تقنيًا محدودًا، وإنما تحولًا أعمق يعيد التعليم العالي إلى موقعه كصالح عام، وكمساحة لإنتاج المعرفة، وبناء السلام، ومواجهة الأزمات الكبرى التي لم تعد أي مؤسسة قادرة على التعامل معها منفردة.