في الحروب الحديثة، يصنع المشهد الآتي انطباعًا شبه تلقائي بالحسم: مقاتلات تعمل بحرية، رادارات تُعطَّل، بطاريات دفاع جوي تختفي واحدة تلو الأخرى، مراكز قيادة تُضرب، ومستودعات ذخيرة تنفجر بعيدًا خلف خطوط القتال. وعندما يعجز الطرف الآخر عن منع الطائرات من الوصول إلى أهدافها، يبدو أن السؤال لم يعد من يملك الأفضلية العسكرية، وإنما متى سيترجمها إلى انتصار.
لكن تاريخ الحروب يكشف مسافة كبيرة بين امتلاك السماء وامتلاك النتيجة السياسية للحرب.
فالقوة الجوية تستطيع شل قدرات، وتغيير موازين ميدانية، وحماية القوات، ورفع كلفة القتال على الخصم، وقد تجبره أحيانًا على التراجع. لكنها لا تختار وحدها النظام الذي سيأتي بعد الحرب، ولا تؤسس شرعية سياسية، ولا تمسك بالأرض، ولا تضمن أن الطرف الذي تعرض للقصف سيحسب الكلفة بالطريقة التي يتوقعها مهاجمه.
لهذا لا تكمن المفارقة في أن التفوق الجوي قليل الأهمية، وإنما في أنه قوة عسكرية هائلة لا تتحول تلقائيًا إلى نتيجة سياسية.
ماذا يعني أن تتفوق في السماء؟
تفرّق العقيدة العسكرية بين مستويات السيطرة الجوية. فـ"التفوق الجوي" يعني، بصورة مبسطة، امتلاك درجة من السيطرة تسمح للقوة بتنفيذ عملياتها في زمان ومكان محددين من دون أن يتمكن الخصم من تعطيلها على نحو يمنع المهمة، بينما تمثل "السيادة الجوية" مستوى أعلى يصبح فيه الخصم عاجزًا عن التدخل بفاعلية.
وتصف عقيدة القوات الجوية الأميركية التفوق الجوي بأنه تحقيق السيطرة اللازمة لتوفير حرية العمل خلال مدة ومكان مطلوبين، كما تعد السيطرة على الجو شرطًا مهمًا لحرية العمل على السطح.
وهذا يوضح في الوقت نفسه أهمية التفوق الجوي وحدوده.
فالسيطرة على السماء تتيح الاستطلاع بصورة أوسع، وحماية القوات، وضرب خطوط الإمداد، وعزل ساحات القتال، ونقل الجنود والمعدات، واستهداف مراكز القيادة والبنية العسكرية في العمق. إنها تمنح القائد خيارات لا يملكها خصمه.
لكنها تظل حرية في استخدام القوة، وليست تعريفًا لما يجب أن تفعله تلك القوة كي تحقق الغاية السياسية من الحرب.
تدمير الهدف أسهل من تغيير القرار
يمكن العثور على رادار وتدميره. ويمكن تحديد موقع مستودع ذخيرة أو جسر أو مقر قيادة، ثم حساب الذخيرة والطائرة والوقت المناسب لضربه.
لكن الهدف الحقيقي للحروب غالبًا ليس المبنى نفسه.
المطلوب قد يكون دفع حكومة إلى الانسحاب من أرض، أو إقناع قيادة بوقف هجوم، أو إجبار خصم على التفاوض، أو منعه من تحقيق مشروع سياسي. وهنا لا يعود السؤال حول القدرة على إصابة الهدف، وإنما: هل ستؤدي إصابته إلى القرار الذي نريده؟
وتلك مسألة أكثر تعقيدًا.
بمعنى آخر، قد تنجح الضربة عسكريًا تمامًا وتفشل سياسيًا تمامًا.
فإذا دُمّر جسر ولم يؤثر ذلك في قرار القيادة، أو قُصف مركز قيادة لكن الخصم استطاع العمل بصورة لامركزية، أو ارتفعت الخسائر فيما بقي الطرف الآخر مقتنعًا بأن كلفة التراجع أكبر من كلفة الاستمرار، فإن النجاح التكتيكي لا يصبح بالضرورة إكراهًا سياسيًا.
وهنا تظهر مشكلة لا تستطيع أجهزة الاستشعار حلها بسهولة:
إرادة الخصم لا تظهر على شاشة الرادار.
السماء لا تمسك بالأرض
هناك أيضًا حد مادي مباشر لما تستطيع الطائرة فعله.
يمكنها ضرب قوة تحتشد في منطقة ما، لكنها لا تستطيع وحدها البقاء عند التقاطع بعد انتهاء الغارة. ويمكنها تدمير موقع عسكري، لكنها لا تستطيع تفتيش المنازل المحيطة به، أو حماية مؤسسة حكومية يومًا بعد آخر، أو جمع السلاح المنتشر، أو تشغيل إدارة محلية.
ولهذا تشكل السيطرة الجوية في كثير من الحروب عامل تمكين للقوة الموجودة على الأرض.
وتزداد المشكلة وضوحًا عندما يكون الخصم قوة غير نظامية. فالجيوش التقليدية تملك قواعد ومطارات ومستودعات وتشكيلات كبيرة يسهل نسبيًا اكتشافها، بينما تستطيع الجماعات المسلحة الانتشار في مجموعات أصغر، والتمويه، والتحرك بين المناطق المبنية، واستخدام الأنفاق أو البنى المدنية، وتقليل البصمة التي يمكن استهدافها من الجو.
قد يجعل التفوق الجوي عمل هذه القوى أكثر صعوبة وكلفة، لكنه لا يمحو تلقائيًا شبكاتها المحلية أو مصادر تجنيدها أو أهدافها السياسية.
وهنا يصبح السؤال الذي يلي النجاح في الضربة أكثر أهمية من الضربة نفسها:
من يملأ المكان بعدها؟
كوسوفو.. نجاح جوي بشروط سياسية واضحة
بدأت عملية "القوة المتحالفة" في 24 مارس/آذار واستمرت 78 يومًا، نفذت خلالها قوات الناتو أكثر من 38 ألف طلعة، بينها 10,484 طلعة هجومية. وفي 10 يونيو/حزيران، قبلت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية سحب قواتها العسكرية والشرطية وشبه العسكرية من كوسوفو، وإدخال وجود أمني ومدني دولي.
لكن النظر إلى نهاية الحملة يوضح لماذا لا تكفي عبارة "انتصر الطيران" لوصف ما جرى.
كانت للحملة مطالب سياسية محددة، وترافقت مع مسار دبلوماسي وضغط دولي. وبعد قبول الانسحاب، لم تُترك كوسوفو لما أنتجته الضربات، بل انتشرت فيها قوة دولية بقيادة الناتو "KFOR"، ولا يزال وجودها مستمرًا حتى اليوم.
وبذلك كانت القوة الجوية عنصرًا رئيسيًا في تغيير حسابات بلغراد، لكنها عملت داخل معادلة أوسع: مطالب قابلة للتحديد، ضغط عسكري، تسوية، ثم قوة على الأرض تطبق الترتيب الجديد.
وهذه نقطة مهمة؛ فنجاح كوسوفو لا يثبت أن الطيران قادر دائمًا على فرض النتائج، بقدر ما يوضح الظروف التي يصبح فيها الإكراه الجوي أكثر قابلية للنجاح.
ليبيا.. عندما تتغير موازين القوة أسرع من بناء النظام
في ليبيا عام 2011، كان الإطار مختلفًا.
أصدر مجلس الأمن القرار 1973 الذي أجاز اتخاذ "كل التدابير الضرورية" لحماية المدنيين والمناطق المأهولة المهددة بالهجوم، وفرض منطقة حظر جوي، مع استبعاد وجود قوة احتلال أجنبية على الأراضي الليبية.
تولت قوات الناتو لاحقًا قيادة العملية. وعلى مدى أشهر، نفذت قوات الحلف وشركاؤه أكثر من 26 ألف طلعة، كان نحو 42% منها طلعات هجومية، وأصابت أو دمرت وفق بيانات الحلف قرابة ستة آلاف هدف عسكري.
أضعفت الضربات قدرة قوات معمر القذافي بدرجة كبيرة وغيّرت ميزان المعركة لصالح معارضيه. لكن الحلف لم يرسل قوة برية، وبحسب روايته الرسمية كانت القوات الليبية المعارضة هي التي أسقطت النظام على الأرض.
وهنا يظهر الفارق بين مهمتين مختلفتين تمامًا.
الأولى هي إضعاف قدرة عسكرية ومنعها من استخدام القوة بالصورة السابقة، وهي مهمة تستطيع القوة الجوية التأثير فيها مباشرة.
أما الثانية فهي تحديد شكل السلطة بعد انهيار النظام، وتوحيد أجهزة الأمن، وضبط الجماعات المسلحة، وبناء مؤسسات جديدة، وإنتاج تسوية مقبولة بين قوى متنافسة. وهذه ليست أهدافًا يستطيع التفوق الجوي إنجازها.
لا يعني ذلك أن الضربات الجوية "سببت" وحدها ما عاشته ليبيا لاحقًا من انقسام، فالأزمة الليبية حملت إرثًا داخليًا عميقًا من ضعف المؤسسات وانتشار السلاح والصراعات السياسية. لكنه يعني أن النجاح في إزالة عقبة عسكرية لا يضمن وجود بنية سياسية قادرة على ملء الفراغ بعدها.
وبعد أكثر من عقد، ظل انتشار الجماعات المسلحة والانقسام المؤسسي من السمات الأساسية للأزمة الليبية، وهو ما وثقه التلفزيون العربي في ملفات عدة حول مرحلة ما بعد القذافي.
أفغانستان.. التفوق الذي لم يصبح قابلًا للاستمرار
تقدم أفغانستان اختبارًا مختلفًا، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يواجهوا خلال معظم الحرب قوة جوية منافسة تستطيع تحديهم في السماء.
منذ 2001، وفرت القوة الجوية الأميركية وحلفاؤها الاستطلاع، والنقل، والإسناد الناري، والإخلاء، وضرب تجمعات طالبان، وأعطت القوات الأفغانية ميزة كبيرة على خصمها.
لكن هذه الميزة نفسها تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من المشكلة.
خلص المفتش الأميركي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان "سيغار" إلى أن الولايات المتحدة أنفقت نحو 90 مليار دولار على بناء قوات الأمن والدفاع الأفغانية، لكنها لم تنجح في إنشاء قوة مستقلة وقادرة على الاستمرار بنفسها. وقد صُممت القوات الأفغانية إلى حد كبير على نموذج يعتمد على الدعم الجوي واللوجستي والتقني الأميركي.
ويقدم تقرير "سيغار" تفصيلًا لافتًا: كان سلاح الجو الأفغاني أحد أكبر أوجه تفوق القوات الحكومية على طالبان، لكنه لم يكن متوقعًا أن يصبح مكتفيًا ذاتيًا بالكامل قبل عام 2030، فيما أدى انسحاب متعاقدي الصيانة الأميركيين عام 2021 إلى تقليص جاهزية الطائرات في لحظة شديدة الحساسية.
كما تقلص الإسناد الجوي الأميركي بعد اتفاق الولايات المتحدة وطالبان عام 2020. وعندما اكتمل قرار الانسحاب، انهارت أجزاء كبيرة من المنظومة العسكرية التي بُنيت طوال عقدين، ودخلت طالبان كابل في أغسطس/آب 2021.
وهنا لم تكن المشكلة أن الولايات المتحدة "خسرت السماء". المشكلة أن المنظومة السياسية والعسكرية التي كان التفوق الجوي يسندها لم تستطع البقاء بالشروط نفسها بعد زوال ذلك الإسناد.
الوقت نفسه سلاح
هناك عامل آخر لا يطير في السماء لكنه قد يقرر نتيجة الحرب: الوقت.
فالقوة التي تمتلك التفوق العسكري قد تعمل تحت ضغط انتخابات أو رأي عام أو ميزانية أو تحالف دولي يحتاج إلى الحفاظ على تماسكه. وقد تكون خسارة عدد محدود من الجنود أو استمرار حرب لسنوات كافيًا لتغيير الحسابات السياسية في عاصمتها.
أما الطرف الأضعف فقد يبني استراتيجيته على فكرة مختلفة: لا حاجة إلى هزيمة الخصم عسكريًا، بل إلى البقاء حتى تتغير الظروف التي تسمح له بمواصلة الحرب.
في هذه الحالة لا يحتاج الطرف الأضعف إلى امتلاك مقاتلات أكثر، أو حتى إلى حرمان خصمه من التفوق الجوي. يكفي أحيانًا أن يمنعه من تحويل تفوقه إلى نهاية مستقرة، وأن يجعل استمرار الحرب أعلى كلفة بمرور الوقت.
لهذا تختلف حسابات الإرادة عن حسابات الذخيرة.
خسارة عشر طائرات قد تكون كارثة لدولة، لكنها قد تكون أقل أهمية من فقدان دعم الجمهور للحرب. وتدمير مئات المواقع قد يبدو إنجازًا هائلًا، لكنه لا يعني الكثير إذا استطاع الخصم إعادة بناء شبكته أو تغيير طريقة عمله أو الانتظار.
متى يصبح التفوق الجوي أقرب إلى النصر؟
لا تقود هذه الحالات إلى القول إن القوة الجوية لا تستطيع الحسم. بل تثبت العكس أحيانًا.
فالقوة الجوية تستطيع قلب ميزان حملة عسكرية، وحرمان الخصم من الحركة، وتدمير قدراته الحيوية، وحماية القوات البرية، ورفع كلفة الاستمرار إلى درجة تجعله يغير قراره. وتشير أبحاث "راند" إلى أن نجاح الإكراه يصبح أكثر احتمالًا عندما تستطيع القوة إحباط استراتيجية خصمها العسكرية وحرمانه من المكاسب التي يسعى إليها، لا عندما تكتفي بإيقاع الخسائر به.
لكن تحويل هذا التفوق إلى نصر سياسي يحتاج إلى عناصر أخرى تعمل معه:
-
هدف سياسي واضح ومحدود يمكن معرفة متى تحقق.
-
رابط مفهوم بين الضربات والهدف بدل افتراض أن المزيد من الدمار سيولد التنازل تلقائيًا.
-
قوة على الأرض تستطيع استثمار ما تخلقه الضربات من فرص.
-
ترتيب سياسي وأمني لليوم التالي حتى لا يتحول تدمير النظام السابق إلى فراغ.
-
قدرة على الاستمرار أطول من الخصم أو إجباره على الاعتقاد بأن الاستمرار لن يغير النتيجة.
فالفارق الجوهري يبقى بين سؤالين: هل يستطيع الخصم منعك من استخدام قوتك؟ وهل تستطيع أنت فرض النهاية التي تريدها؟
يجيب التفوق الجوي عن السؤال الأول بدرجة كبيرة. أما الثاني فيدخل فيه الجنود على الأرض، والمؤسسات، والتحالفات، والوقت، وإرادة المجتمعات، وشروط التسوية وما يحدث بعد آخر ضربة.
لهذا تستطيع الطائرات أن تدمر قيادة، لكنها لا تختار القيادة التي ستكتسب الشرعية بعدها. وتستطيع قطع طريق، لكنها لا تقرر من سيديره بعد الحرب. ويمكنها إسقاط شبكة دفاع جوي في أيام، بينما قد يستغرق بناء نظام سياسي مستقر سنوات.
السيطرة على السماء قد تفتح الطريق إلى النصر،
لكنها ليست النصر نفسه.
المصادر والمراجع المعتمدة
-
U.S. Air Force Doctrine – Air Superiority / Counterair Operations لتعريف التفوق الجوي، وعلاقته بحرية العمل والعمليات المشتركة.
-
RAND – Air Power للتمييز بين تدمير الأهداف والإكراه السياسي، وأهمية البدء بالهدف والآلية السياسية قبل اختيار أهداف القصف.
-
RAND – Air Power as a Coercive Instrument لشروط نجاح الإكراه، ولا سيما حرمان الخصم من استراتيجية قابلة للنجاح.
-
NATO – Kosovo Air Campaign مدة الحملة، عدد الطلعات، أهدافها السياسية، الانسحاب اليوغوسلافي وانتشار KFOR.
-
NATO – Libya / Operation Unified Protector عدد الطلعات، نسبة الطلعات الهجومية، الأهداف العسكرية، وطبيعة العملية.
-
مجلس الأمن – القرار 1973 بشأن ليبيا لتثبيت الأساس القانوني للعملية: حماية المدنيين، منطقة الحظر الجوي واستبعاد قوة احتلال أجنبية.
-
SIGAR – Why the Afghan Security Forces Collapsed لاعتماد القوات الأفغانية على الدعم الأميركي، ودور الإسناد الجوي وسلاح الجو الأفغاني والمتعاقدين في انهيار 2021.
-
SIGAR – What We Need to Learn للخلفية الأوسع بشأن غياب استراتيجية أميركية متماسكة ومستدامة في أفغانستان.