بعد استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم في سوريا، خاض البعثيون صراعات داخلية بلغت حدّ تنفيذ انقلابات عسكرية على بعضهم البعض، وفي الوقت نفسه حوّلوا الجيش السوري إلى "جيش عقائدي"، يتبنّى أيديولوجيا البعث ويحمي سلطته.
استطاع حافظ الأسد حسم الصراع على السلطة لصالحه، بعد إحكامه السيطرة على الجيش، فجعل ولاء الضباط والجنود له (ثم لولده بشار من بعده)، وعمل على توظيف الجيش في الداخل والخارج لخدمة نظامه. واعتمد بشكل كبير على المخابرات للتحكّم بالمؤسسة العسكرية، التي أصبحت أداة قمعية بيد النظام في مواجهة الشعب.
وبلغ البطش ذروته بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتدريجيًا، أدت الانشقاقات والهزائم العسكرية والتدخلات الخارجية إلى تفسّخ الجيش، وارتهانه لروسيا وإيران، وصولًا إلى الانهيار الكامل في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
صراعات البعثيين و"الجيش العقائدي"
بعد نجاح حزب البعث وضباطه في التخلص من خصومهم وحلفائهم والانفراد بالسلطة سنة 1963، بدأت التناقضات العسكرية والمدنية تظهر وتتعمّق في صفوفه. برز تيار وُصف بأنه "يمين الحزب" على رأسه القيادة التاريخية، ممثلة بميشيل عفلق وصلاح البيطار والقيادة القومية للحزب، يساندهم الضابط محمد عمران، أحد أركان "اللجنة العسكرية" البعثية التي قادت انقلاب مارس/ آذار 1963، مقابل تيار يساري يمثّله الجيل الأحدث من قادة الحزب، مثل نور الدين الأتاسي وصلاح جديد والقيادة القطرية، وعدد من الضباط. وانتهى ذلك الصراع بانقلاب 23 فبراير/ شباط 1966 بقيادة صلاح جديد ومشاركة حافظ الأسد.
شرعت السلطة في حملة تطهير في صفوف القوات المسلحة استمرّت حتى ربيع 1967. فاعتُقل عدد من الضبّاط، وسٌرِّح المئات للتأكد من أن الجيش بات خاليًا تمامًا من المجموعات والحركات المناهضة للسلطة. وكانت التسريحات والاعتقالات سلاحًا ذا حدّين، إذ إنّ تسريح مئات الضباط – انضمّوا إلى مئات غيرهم جرى تسريحهم منذ سنوات الوحدة وبعدها – كان يعني أن سوريا دخلت العام 1967 بعدد ضئيل من الضباط برتب رفيعة[1]، وهذا قلل من قدرة الجيش السوري على الصمود، وساهم في تهيئة الظروف لهزيمة يونيو/ حزيران 1967.
أدت الهزيمة إلى شرخ عميق في قيادة النظام العسكريّة والمدنيّة، فشهدت سوريا بين عامي 1967 و 1970 أزمة حكم بين القيادة الحزبية المدنية وعلى رأسها صلاح جديد، والقيادة العسكرية التي يمثلها حافظ الأسد، حول السياسات الداخلية والخارجية. وبينما فرض الأسد سيطرته على معظم القوات المسلحة، تركّز نفوذ جديد في أجهزة الحزب المدنية.
في 25 فبراير/ شباط 1969 أمر الأسد الدبابات باحتلال نقاط إستراتيجية داخل العاصمة، وعزل رجال جديد من مسؤولية الصحف الرسمية والحزبية (البعث والثورة) وعيّن فيها أشخاصًا محسوبين عليه. واحتل مباني إذاعتي دمشق وحلب، وطرد رجال صلاح جديد من مكاتب الحزب والدولة في اللاذقية وطرطوس. وقام شقيق الأسد، رفعت، باعتقال رجال عبد الكريم الجندي، رئيس أمن الدولة الموالي لجديد. لكن عملية الأسد انتهت من دون استلام الحكم، لأن القيادة السياسية ردت على انقلاب الأسد ببيان ندّد "بعصيان الجيش على الحزب" ودعا الأسد للعودة عن إجراءاته ما سيمهّد لانعقاد مؤتمر قطري طارئ ينظر في المعضلة الحزبية. ولقي موقف القيادة السياسية دعم الشارع، إذ إنّ المنظمات الشعبية ومعظم كادرات الحزب هرعت لدعم موقفها ضد الانقلابيين[2].
رغم الخلافات الداخلية، لم تتوقف جهود سلطة البعث لتثبيت أركان نظامها، إذ أعدّت القيادة القطرية للحزب "الدستور المؤقّت"، الذي صدر في 1 مايو/ أيار 1969، وأضفت المادة 7 منه الطابع الرسمي على حكم البعث لأول مرة، فنصّت على أنّ "الحزب القائد في الدولة والمجتمع هو حزب البعث العربي الاشتراكي"، وحدّدت المادة 10 مهمتين للقوات المسلحة، هما سلامة أرض الوطن ضد أي هجوم خارجي، و"حماية أهداف الثورة الوحدوية الاشتراكية"، أي حماية حكم البعث من أعدائه داخل الحدود، وهي سابقة لم تحصل رغم الانقلابات الكثيرة السابقة، وبذلك تبنّى دستور 1969 مبدأ "الجيش العقائدي" الموالي للبعث وأضفى عليه الطابع الدستوري[3].
انقلاب حافظ الأسد "الحركة التصحيحية"
استمرّت الأزمة الحزبية في خريف 1970، وبات الأسد صاحب النفوذ الأقوى، فيما احتفظ صلاح جديد ببعض مراكز القوى خصوصًا داخل الحزب، وكادت الاتصالات أن تصبح معدومة بين الطرفين. واستدعى الأمر عقد مؤتمر قومي عاشر للحزب مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 1970. وعشية المؤتمر أجرى الأسد تنقلات طالت ضباطًا محسوبين على القيادة السياسية، التي ألحّت عليه في المؤتمر أن يلغي هذه التنقلات، فرفض. وعندها شنّت القيادة السياسية سلسلة اتهامات ضد الأسد وزملائه: أنّه خلق "ثنائية سلطة" في سوريا وخرق نظام الحزب واعترض تنفيذ قراراته واعتقل بعض أعضائه، وأنّه يروّج "لخط انهزامي ورجعي في الصراع مع إسرائيل"، ما شكّل جريمة لا تغتفر في قاموس البعث. وإذ انفضّ المؤتمر مساء 12 نوفمبر/ تشرين الثاني دون التوصّل إلى اتّفاق، أمر الأسد وحدات من الجيش فجر اليوم التالي باحتلال مكاتب الحزب والمنظمات الشعبية واعتقال عدد من الضباط وكبار القادة السياسيين[4].
سارع حافظ الأسد إلى تشكيل "قيادة قطرية مؤقتة"، وفي 16 نوفمبر/ تشرين الثاني صدر عنها بيان يعلن حل القيادتين القومية والقطرية، وهو التاريخ الذي اعتمده النظام رسميًا لذكرى الانقلاب، والذي أصبح اسمه "الحركة التصحيحية". عيّنت القيادة القطرية المؤقتة الأسدَ أمينًا قُطريًا للحزب قبل ساعات من بث بيان الانقلاب، وبعد أيام اختارت رئيسًا مؤقتًا للدولة من بين أعضائها، هو أحمد الخطيب نقيب المعلمين السابق، وشكّل الأسد الوزارة محتفظًا لنفسه بوزارة الدفاع وبمنصب رئيس مجلس الوزراء. وفي فبراير/ شباط اعتمدت القيادة القطرية نسخة معدّلة من دستور البعث لعام 1969[5]. شمل التعديل استحداث منصب رئيس الجمهورية بدلاً من رئيس الدولة، ولم يعد الرئيس ينتخب من قبل مجلس الشعب بل عن طريق استفتاء شعبي بعد أن تقترح القيادة القطرية اسم مرشح ويوافق عليه مجلس الشعب، وأصبح مجلس الوزراء مسؤولاً أمام رئيس الجمهورية الذي تعززت صلاحياته في الأحكام المتعلقة باختصاص التشريع في مدة عدم انعقاد مجلس الشعب[6].
لم يسبق لأي دستور سوري منح هذا القدر من السلطة لرئيس الجمهورية، إذ استندت الدساتير البعثية السابقة إلى قيادة جماعية ومنحت الحزب دورًا أكبر، بينما أعطى دستور 1971 أولوية للرئيس على حساب الحزب ومجلس الشعب، واحتوى بذور شخصنة السلطة التي تأكّدت لاحقًا. اجتمع مجلس الشعب الجديد (عيّنته القيادة القطرية التي شكّلها الأسد) في 22 فبراير/شباط 1971، ووافق على مقترح ترشيح حافظ الأسد لرئاسة الجمهورية، وفي 12 مارس/ آذار 1971، انتُخب رئيسًا بنسبة 99,2 بالمئة من الأصوات[7].
صاغ مجلس الشعب المعيّن دستورَ عام 1973، بتعديل دستور 1971 المؤقّت، وبعد إقراره في المجلس عُرض للاستفتاء الشعبي في 12 مارس/ آذار 1973، وفي اليوم التالي صدرت نتائج الاستفتاء بالموافقة، وبات حافظ الأسد حاكمًا بصلاحيات دستورية مطلقة، لتطوى عمليًا صفحة "دولة البعث" وتبدأ مرحلة "سوريا الأسد".
تحديث الجيش وضبطه بالمخابرات
أدّت الانقلابات العسكرية المتكررة منذ سنوات الاستقلال الأولى، إلى ضعف التنظيم والانضباط وعدم استقرار القيادة في الجيش السوري، فضلاً عن خسارة كثير من الضباط الأكفاء المؤهلين بعد حملات "التطهير" المتكررة، فتأثّر الجيش بمشكلات الحكم والتجاذبات السياسية، وأصبح الضباط منشغلين بالسياسة والصراعات الحزبية أكثر من اهتمامهم بالتدريب والإعداد العسكري. ومن جهة ثانية، ابتلي الجيش بلعنة الترفيعات الاستثنائية بعد كل انقلاب، فيصبح ضباط من رتب متوسطة قادة للجيش بين ليلة وضحاها، من دون مؤهلات عسكرية حقيقية، تتناسب مع شروط شغل الرتبة والمنصب، وفق ما تقتضيه الأعراف والأصول العسكرية، من دورات في الأكاديميات العسكرية، ومرور عدد معلوم من السنوات في كل رتبة.
انعكس عدم الاستقرار السياسي وتبدّل أنطمة الحكم بتوجهاتها وأيديولوجياتها المختلفة على تسليح الجيش أيضًا، فكان مزيجًا غير متجانس من أسلحة دول أوروبا الغربية والشرقية، وهذا سبّب صعوبات في التشغيل والصيانة والكفاءة القتالية، ظهرت نتائجها الكارثية في الميدان، خصوصًا في هزيمة يونيو 1967[8].
أدرك حافظ الأسد أن بقاء نظامه يعتمد على سيطرته التامّة على الجيش، فعمد إلى تحديثه وزيادة عديده وعتاده، كما أعاد تنظيمه بطريقة تخدم سلطته، معتمدًا على الدعم الذي تلقاه من الاتحاد السوفيتي السابق، بعد زيارته موسكو في يوليو/ تموز 1972، فقد وجد السوفييت فيه حليفًا أساسيًا في الشرق الأوسط، إحدى ساحات الحرب الباردة آنذاك. وتدفّقت على سوريا كميات ضخمة من الأسلحة الروسية شملت مختلف الصنوف، وغطت جزءًا كبيرًا من احتياجات القوات البرية والبحرية والقوى الجوية وأنظمة الدفاع الجوي، وتوافد آلاف الضباط السوريين لاتباع دورات تدريبية في الأكاديميات العسكرية السوفييتية، وجرت هيكلة الجيش السوري على النمط السوفييتي، بالتوازي مع الإستعدادات السورية المصرية لخوض حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973.
واظبت الدعاية الرسمية لنظام الأسد على تصوير حرب أكتوبر بوصفها نصرًا عسكريًا عظيمًا، لكن الواقع أنّ بدايتها الناجحة في مباغتة الإسرائيليين والتوغّل داخل الجولان المحتل لم تستمرّ طويلاً، خصوصًا بعد توقف القتال على الجبهة المصرية في اليوم الثالث للحرب. فقد نجح الهجوم الإسرائيلي المضاد، وأجبر الجيش السوري على التراجع من دون تحقيق إنجاز استراتيجي حاسم. وبدا أن تحسّن القدرات العسكرية السورية في بعض الجوانب، رافقه افتقار إلى المرونة في القيادة والتنسيق بين الوحدات، فضلاً عن الاعتماد الكبير على الدعم السوفيتي، حتى في الخطط العملياتية.
لكن أولوية الأسد لم تكن بناء جيش وطني محترف، فبقي الولاء أهم عنده من الكفاءة المهنية. وأنشأ وحدات عسكرية خاصة موازية للجيش النظامي، وتتفوّق عليه في تجهيزها وتسليحها والمميزات التي يتمتع بها منتسبوها، مثل "سرايا الدفاع" بقيادة شقيقه رفعت، و"الحرس الجمهوري" الذي تولى قيادته عدنان مخلوف، ابن عم زوجة الأسد، وهي وحدات نخبة تختص بأمن العاصمة وحماية النظام في مواجهة التحديات والأخطار الداخلية. في الوقت نفسه، توسعت الأجهزة الأمنية في نظام حافظ الأسد، وزاد من اعتماده عليها بفروعها المختلفة، وأهمها المخابرات العسكرية (الأمن العسكري)، إدارة المخابرات الجوية، إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة).
أصبح الضباط كافّة تحت مراقبة أمنية مباشرة، وتُكتب تقارير دورية عن آرائهم وميولهم السياسية وسلوكهم، ففي كل وحدة عسكرية يُعيَّن ضابط أمن لها مرتبط بالأمن العسكري أو المخابرات الجوية. ولم تعد الكفاءة والأقدمية في الرتبة كافية للترفيع وتولّي المناصب، إذ لا بدّ من موافقة أجهزة المخابرات، فهي التي توصي بترقية أو نقل أي ضابط، من دون إغفال الانتماءات الدينية والمذهبية للضباط، وفق حسابات طائفية لا تمتّ للمهنية العسكرية بصلة. حتى ضباط الأمن أنفسهم، كانوا تحت أعين بعضهم البعض، فالأسد شجّع التجسس الداخلي المتبادل بين أجهزة مخابراته، لتنتهي تقاريرها جميعًا في القصر الجمهوري.
لم يكن حافظ الأسد مجرد دكتاتور يعتمد على أجهزة الأمن لفرض سلطته فحسب، بل حوّل سوريا برمّتها إلى دولة أمنية، وأصبحت المخابرات هي مركز السلطة الفعلية، تراقب كل شيء وتضبط مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحوّل حزب البعث الحاكم ومؤسسات الدولة المدنية إلى واجهة شكلية لدولة المخابرات العميقة، التي ترتبط بمكتب الرئيس مباشرة.
الجيش السوري في حرب لبنان
بعد حرب 1973 حصلت سوريا على مساعدات سخية من الدول العربية النفطية، بوصفها "دولة مواجهة"، فشهدت طفرة اقتصادية عامي 1974 و1975، لكن الصعوبات الاقتصادية عادت مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، والانخفاض الكبير للمساعدات العربية وقرار العراق وقف ضخ النفط عبر سوريا ولبنان، ما سبب خسائر سنوية تقدّر بمئات ملايين الدولارات. وإذ تضخّمت المؤسسة العسكرية – خصوصًا البيروقراطية – تضخمًا كبيرًا جعلها تتولى إدارة قطاعات واسعة من الحياة الإقتصادية والإجتماعية في البلاد، ونظرًا إلى انعدام فعل المواجهة، باتت الحاجة ملحّة إلى تبرير هذه السطوة العسكرية، ليس بالمعنى الذي يحتم على الجيش ممارستها، إنما عبر تكليفه تأدية وظيفة ما لتشكيل قوة إقليمية[9].
في لبنان، تقهقرت الميليشيات المسيحية وبدأت تخسر مواقعها أمام القوات المشتركة للحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فوجد قادة الفريق المسيحي أن التدخّل السوري المباشر من شأنه تعديل ميزان القوى على الأرض، خصوصًا وأنّ الأسد لم يكن على وفاق مع خصومهم. في الوقت نفسه، بدا أنّ الدبلوماسيين العرب والغربيين المنخرطين في الشأن اللبناني منفتحون على دور سوري أكبر في لبنان، يتجاوز الوساطة السياسية. هكذا، تضافرت العوامل السورية الداخلية، وتطورات الحرب اللبنانية، والمواقف العربية والدولية في شأنها، ليبدأ حافظ الأسد إرسال الجيش السوري إلى لبنان، معلنًا عن طموحه في جعل سوريا تحت حكمه قوة إقليمية.
دخلت القوات السورية رسميًا إلى لبنان ليلة 31 مايو/ أيار 1976. كان تقدّمها في البداية حذرًا ومتقطعًا، "حيث كانت الدبابات تتوغل ثم تتوقّف عن الزحف، لتكرر سوريا النداء إلى قوى التحالف (القوات المشتركة لليسار اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية) بوقف الحرب والانسحاب من خطوط المواجهة مع القوى المسيحية. وإذ رفض هؤلاء وقف القتال، أدخلت سوريا قطع مدفعية واستعملت طوّافات.. وتدريجيًا، خلال شهر يونيو/ حزيران، تمكن الجيش السوري من قطع خطوط إمدادات قوى التحالف، ورفع الحصار عن مناطق مسيحية، ومحاصرة المعاقل الكبرى للتحالف، حتى انقلب الوضع في لبنان"[10]. استعادت الميليشيات المسيحية المبادرة في ظل التدخّل السوري، فسيطرت على مناطق إضافية، وشدّدت الحصار على مخيّم تل الزعتر شرق بيروت، حيث حوصر داخل المخيم 30 ألف مدني جلّهم من الفلسطينيين وبعضهم من الشيعة اللبنانيين، ودُكَّ بمختلف أنواع الأسلحة حتى سقط في 12 أغسطس/ آب 1976 بعد 62 يومًا بأيدي الميليشيات المسيحية. وبلغ عدد القتلى ثلاثة آلاف، جزء منهم في مجزرة مروعة بعد سقوط دفاعات المخيم واندفاع المسلحين إلى داخله، مسجلاً أول مجزرة ارتكبها عرب بحق فلسطينيين قبل ست سنوات من مجزرة "صبرا وشاتيلا"[11].
لم تفلح محاولات القوات المشتركة في تخفيف الضغط عن مخيم تل الزعتر، لأن المبادرة صارت حكرًا على الميليشيات المسيحية، التي شنت هجومًا على عدة محاور جديدة، ومعها الجيش السوري، الذي "حرص على منع القوات المشتركة من فتح أي ثغرة تتسلل منها إلى تل الزعتر، بإقدامه عند الضرورة، على قصف التعزيزات التي كانت تحاول المرور[12]".
طغت أخبار تل الزعتر على سائر أحداث حرب لبنان في صيف 1976، ومع سقوطه "بلغ الحقد الفلسطيني على سوريا مداه، فكان يونيو/حزيران 1976 بداية أكثر من ثلاثين عامًا من وجع الرأس لسوريا في الملف اللبناني. تحوّل التدخّل العسكري الذي أرادته دمشق هادئًا ومنظّمًا إلى مآسٍ دامية لم يستسغها الرأي العام العربي، وبات التدخّل عملاً مذمومًا ضدّ المقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني المؤمن بالقومية العربية، لأجل نصرة موارنة لا يؤمنون بالعروبة، وفيهم من يتعامل مع إسرائيل عدوّة العرب"[13].
استطاع الأسد توظيف تدخّله في الحرب اللبنانية لتعزيز قوته في المنطقة، إذ فرض نفوذه على القرار اللبناني، وأصبح لاعبًا إقليميًا يصعب تجاوزه في ملفات الصراع العربي– الإسرائيلي، مستخدمًا لبنان ورقة تفاوض سياسية وأمنية – للمساومة في مختلف ملفات المنطقة ذات المصالح الدولية المتشابكة. لكن الانتصار السياسي والاستراتيجي لحافظ الأسد ونظامه، ترك انعكاسات سلبية عميقة الأثر في الجيش السوري على مستويات عدّة، فبعد كل المزاعم الأيديولوجية المرتبطة بالعروبة وقضية فلسطين والصراع ضد الإحتلال، وجد الجيش نفسه في مواجهة الفلسطينيين واللبنانيين العروبيين، ما أثّر سلبًا على صورته داخليًا وخارجيًا، ولم يغيّر من هذه النظرة السلبية قتال بعض وحداته لاحقًا ضدّ الجيش الإسرائيلي، في الجنوب والبقاع، بعد اجتياح عام 1982، وبعض الوحدات السورية التي حوصرت في بيروت، دافعت عن المدينة بجانب المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين، من دون إشراف أو دعم حقيقي من القيادة.
لقد نتج عن الانتشار في لبنان لثلاثة عقود استنزاف موارد بشرية وعسكرية كبيرة، من دون معارك حقيقية أو تدريبات نظامية، وهذا أضعف جهوزية الجيش وأدى إلى تدهور تدريجي في قدراته القتالية، فضلاً عن تورّط ضباط وجنود سوريين في شبكات اقتصاد الحرب والفساد والتهريب، حتى أصبح سلوكهم أشبه بعناصر الميليشيات، وليس ما يفترض أن تكون عليه قوة عسكرية نظامية.
الحرب الداخلية ضد المقاتلين الإسلاميين
لعلّ التحدّي الأخطر الذي واجهه حافظ الأسد طيلة عقود حكمه الثلاثة، كان التمرّد الإسلامي المسلّح أواخر السبعينات وحتى عام 1982، حين ظهرت معارضة إسلامية قاتلت لإسقاط النظام بالقوّة، عبّر عنها تنظيم "الطليعة المقاتلة"، ثم جماعة الإخوان المسلمين.
يمكن تقسيم سنوات المواجهة تلك إلى مراحل، بدأت الأولى صيف عام 1976 بعد وفاة الشيخ مروان حديد في السجن، وكان من أبرز دعاة وقادة التيار الجهادي في سوريا، "فكانت شرارة انطلاق حرب إسلامية ضد البعثيين ومكاتب الحزب ومراكز الشرطة والسيارات والثكنات العسكرية"[14]، فضلاً عن عمليات اغتيال طالت مسؤولين أمنيين وحزبيين. ثم جاءت عملية مدرسة المدفعية في حلب، مساء 16 يونيو/ حزيران 1979، حين أجهز عناصر تنظيم "الطليعة المقاتلة" على عشرات الطلاب الضباط، لتدشّن مرحلة جديدة من المواجهة، أوسع نطاقًا وأكثر شدّة ودموية. فتصاعدت وتيرة الهجمات في العام التالي، ولم يعد الجهد الأمني للسلطة مقتصرًا على أجهزة المخابرات، إذ بدأت وحدات من الجيش والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع، تشن حملات عسكرية وأمنية في أحياء المدن والبلدات التي يتحصّن فيها المقاتلون الإسلاميون، مثل جسر الشغور وحلب. وفي 26 يونيو/ حزيران 1980، نجا حافظ الأسد من محاولة اغتيال، فأرسل شقيقُه رفعت في فجر اليوم التالي مجموعةً من جنود وضباط سرايا الدفاع، نُقلت جوًا إلى سجن تدمر الصحراوي وسط البلاد، و"نفّذت إعدامًا بحق 500 سجين معظمهم متهم بالانتماء إلى الإخوان المسلمين بالأسلحة الرشاشة والقنابل اليديوية"[15].
استمرت مواجهات الجيش والمخابرات والميليشيا البعثية ضد المعارضة الإسلامية المسلّحة، واستطاع النظام احتواء الموقف في معظم المناطق السورية، وصولاً إلى المرحلة الحاسمة في مدينة حماه، خلال شهر فبراير/ شباط 1982. "طوّقت السلطة حماه بـ 12 ألف جندي ومسلّح، وجرت عمليات إنزال بطائرات الهليكوبتر لتعزيز دفاعات الجيش داخل المدينة. وبعد أسبوع من القتال استطاعت السلطة إخضاع معظم ضواحي المدينة، فارتدّ المسلحون إلى الأحياء الداخلية، التي عمد الجيش إلى قصفها بالمدافع والدبابات. كان نمط المعارك في هذه الأحياء أن تقوم الدبابات باختراق الأزقة تتبعها وحدات كوماندوس الجيش وعناصر منظمات البعث فيداهمون الأبنية والمنازل ويمشطونها بالأسلحة الرشاشة والقنابل. فسقط الآلاف من المدنيين وسُوّيت أحياء تاريخية بالأرض"[16].
خرج الأسد من مواجهة الإسلاميين منتصرًا، بعدما عزّز الطائفية في الجيش السوري، وورّطه بدماء السوريين، دفاعًا عن نظامه.
الثورة السورية وانهيار الجيش (2011 - 2024)
مات حافظ الأسد وورثه ابنه بشار عام 2000. استفحل فساد الجيش في عهد بشار، وتحول إلى إقطاعيات عسكرية بلا انتماء وطني. ومع تخفف الخطاب الرسمي للنظام من أيديولوجيا البعث وأفكار العروبة، باتت عقيدة الجيش هي الولاء للأسد وحماية نظامه فحسب، وتجلى ذلك في النمو الكبير الذي طرأ، من حيث حجم القوة البشرية والتسليح والتدريب، على الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وريثة سرايا الدفاع[17].
بعد انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، عجزت الأجهزة الأمنية عن قمع الشارع المنتفض، فحذا بشار حذو والده، ودفع بوحدات من الجيش لمواجهة الشعب الثائر، خصوصًا من قوات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، فتصاعدت وتيرة الانتهاكات والمجازر في المناطق الثائرة، وتزايدت أعداد الضحايا المدنيين. في هذه الظروف، بدأ الضبّاط والجنود الذين رفضوا توجيه أسلحتهم إلى المدنيين العزّل الإنشقاق عن الجيش والانحياز إلى الثورة، عازمين على حماية المظاهرات من قوّات الأسد.
أعلن المقدم حسين هرموش تشكيل "لواء الضبّاط الأحرار" في يونيو/ حزيران 2011، ثم أسّس العقيد رياض الأسعد "الجيش السوري الحر" في يوليو/ تموز 2011، وتكاثرت فصائل المعارضة المسلحة وظهرت أخرى إسلامية. واتسعت ظاهرة الانشقاقات إلى درجة لم يعد معها النظام قادرًا على تعويض النقص البشري، خصوصًا وأنّ مقاتلي المعارضة استمروا في التقدم ميدانيًا، موقعين خسائر كبيرة في صفوف الجيش، رغم استخدامه مختلف صنوف الأسلحة التي بحوزته، بما فيها السلاح الكيماوي، ما دفع الأسد للاستعانة بحلفائه الإيرانيين، ثمّ الروس.
في إطار دعم إيران للنظام في قمع الثورة، درّب ضباط وخبراء إيرانيون أكثر من ثلاثين ألف شاب سوري، شكّلوا ميليشيا "جيش الدفاع الوطني". وابتداءً من صيف العام 2012، دفعت إيران بآلاف المقاتلين العراقيين الشيعة، وبآلاف آخرين من المقاتلين اللبنانيين من حزب الله (ومن متطوعين درّبهم الحزب) للقتال، وتزايدت أعداد هؤلاء عام 2013 كما تزايد انخراطهم في المعارك العسكرية الكبرى[18]. وعندما لم يعد الدعم الإيراني كافيًا لوقف تقدّم فصائل المعارضة المسلحة، بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر صيف عام 2015، وتكاتفت جهود موسكو وطهران للحيلولة دون سقوط الأسد ونظامه، رغم أنّ استراتيجية كل ّمنهما تقوم على أهداف ومشاريع وأدوات مختلفة في سوريا.
عززت إيران الطابع الميليشياوي والطائفي، بينما سعت روسيا إلى الحفاظ على هيكلية نظامية للجيش السوري تحت سيطرتها، وإدماج الميليشيات فيه، أو إعادة تشكيلها في فرق عسكرية. هكذا، تشظّى جيش الأسد على أيدي حلفائه الإيرانيين والروس، فكل منهم أراد الإمساك بمفاصل النظام العسكرية والأمنية، في منافسة صريحة، حتى غدا من الممكن تحديد أيّ من التشكيلات العسكرية أو الميليشياوية يتبع إيران أو روسيا، وكذلك أجهزة الأمن.
تداخلت المهام والعلمليات المشتركة في الميدان، وراحت الفروق تتضاءل في الشكل والمضمون بين الميليشيات بأنواعها، وما تبقّى من الجيش النظامي ووحدات النخبة (الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة). وأصبح ارتكاب المجازر وممارسة النهب "التعفيش" والأعمال غير المشروعة سمةً مشتركة بين عناصر الجيش والأمن والميليشيات، مع تفوق للفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد في تجارة المخدرات.
ونتيجة الصراعات البينية لفصائل المعارضة، والقصف الروسي الكثيف من الجو، وتقدّم حزب الله والميليشيات التابعة لإيران على الأرض رفقة ما تبقى من قوات الجيش، نجح النظام في استعادة السيطرة على مساحات من الأراضي كانت تحت سيطرة المعارضة. لكنّ هذا "النصر" كان ظاهريًا ولم يصمد في النهاية، لأن البنية العسكرية المشوّهة أفقدت الجيش السوري روح الانضباط والاحتراف، ووجد آلاف المجندين وجنود الاحتياط أنفسهم على خطوط الجبهات والحواجز، من دون تلقّي تدريبات عسكرية كافية.
مع الانكفاء التدريجي للروس في سوريا عسكريًا بسبب استنزافهم في أوكرانيا، وانشغال إيران بإحصاء خسائرها بعد استهداف حزب الله، بدأ توازن القوى يتغير. وفي أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2024، قادت هيئة تحرير الشام وبعض الفصائل الحليفة، بدعم تركي، هجومًا منسقًا ومباغتًا من الشمال الغربي، باسم "معركة ردع العدوان". فوجئ النظام وميليشياته بقوة الهجوم واتساع نطاقه، واستطاعت المعارضة اختراق خطوط الدفاع، فسقطت المدن الكبرى تباعًا، بدءًا من حلب ثم حماه فحمص خلال أيام ومن دون قتال حقيقي، ليس بسبب قوة الهجوم فقط، بل نتيجة انهيار قوات الجيش والميليشيات المدافعة، فضلاً عن إحجام الروس عن التدخل الجدّي لوقف التقدّم، بالتوازي مع أنباء عن اتصالات إقليمية ودولية تبحث مصير الأسد ونظامه.
فجر 8 ديسمبر/ كانون الأول، فرّ بشار الأسد من البلاد، ودخلت قوات المعارضة دمشق، وسط حالة من الانهيار والفوضى والذعر في صفوف جنوده، فقد رصدتهم الكاميرات هائمين على وجوههم في الشوارع، يلقون أسلحتهم وألبستهم العسكرية، في مشهد ختامي لمسار طويل من التآكل والتعفّن التدريجي الذي أصاب الجيش والدولة في العهد الأسدي.
فهل ستحظى سوريا الجديدة بجيش محترف يحمي الشعب لا للسلطة، تسوده معايير الكفاءة العسكرية لا أمراض الأيديولوجيا والولاءات الفئوية، أم ستتكرّر خطايا الماضي القريب؟