من بغداد والموصل إلى ليبيا وأفغانستان، تكشف الحروب أن الاستيلاء على الأرض قد يكون الجزء الأسهل من المهمة.
في اللحظة التي يُرفع فيها العلم فوق مبنى حكومي محرَّر، أو يُعلن فيها قائد عسكري نهاية معركة استمرت أشهرًا أو سنوات، يبدو المشهد كأنه خاتمة الحرب. لكن ما يبدو نهايةً على الخريطة قد يكون بداية المهمة الأصعب على الأرض.
لا يشكّل النصر العسكري سوى الفصل الأول من رواية أطول وأكثر تعقيدًا، عنوانها إدارة ما بعد السيطرة، وهي المرحلة التي تتكسّر عندها كثير من الانتصارات الميدانية أمام واقع المدن المدمَّرة والمجتمعات المنقسمة والمؤسسات الغائبة.
فعندما تنتهي المعركة، لا تختفي المدينة. يبقى فيها سكان يحتاجون إلى الماء والكهرباء والمستشفيات، وطرق يجب تأمينها، وشرطة ومحاكم وإدارات ينبغي أن تعمل، وخصم مهزوم قد يبدّل شكله.
عندها، يتحوّل ما كان هدفًا عسكريًا واضحًا قبل ساعات إلى شبكة من المهمات التي لا تنتهي عند إسكات المدافع.
وهنا يظهر واحد من أوضح "حدود القوة": يمكن للتفوق العسكري أن يحسم سؤال من يدخل المدينة، من دون أن يحسم سؤالًا أصعب بكثير: من يستطيع أن يديرها؟
النصر لحظة.. والاستقرار مسار طويل
أثناء الهجوم، يستطيع الجيش أن يحشد قوته باتجاه هدف عسكري محدد، وأن يركز جهده الناري والبشري على نقطة واحدة حتى يحسم السيطرة عليها.
بعد السيطرة، تنقلب المعادلة. يصبح على الجيش توزيع قواته على مساحة أوسع لحماية ما استولى عليه وضمان استمرار عمل المرافق الأساسية، في وقت يستطيع فيه الخصم المهزوم أن يعيد تنظيم نفسه في شكل أكثر مرونة، مستفيدًا من الهجمات المحدودة والعمل السري بدل المواجهة المباشرة.
ولا تتوقف صعوبة السيطرة عند الجانب الأمني، إذ إن الاستيلاء على منشأة أو فتح طريق لا يعني بالضرورة عودة الحياة الطبيعية إليه. فالمدينة تعمل بوصفها شبكة مترابطة، وما يصيب خدمة أساسية فيها سرعان ما ينعكس على خدمات أخرى، وهذا ما خلصت إليه دراسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول الخدمات الحضرية أثناء النزاعات.
بغداد.. 20 يومًا لإسقاط العاصمة وسنوات لإدارة ما بعدها
بدأ الغزو الأميركي للعراق في 20 مارس/ آذار 2003. وفي 9 أبريل، بعد نحو 20 يومًا فقط، كانت القوات الأميركية في قلب بغداد، وسقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، في المشهد الذي أصبح الصورة الأشهر لنهاية النظام.
كان الفارق العسكري ساحقًا. انهارت تشكيلات الجيش والحرس الجمهوري، وتعطلت منظومة القيادة، ولم تحتج الولايات المتحدة إلى حرب طويلة للوصول إلى العاصمة.
لكن السرعة نفسها لم تنتقل إلى اليوم التالي.
خلال الأيام التالية، انتشرت أعمال النهب، واحترقت وزارات ومؤسسات، وتراجع حضور الشرطة، ثم اتخذت سلطة الائتلاف قرارات بإعادة تشكيل أجهزة الدولة وحل الجيش السابق واجتثاث حزب البعث. وفي أشهر قليلة، صار على القوة التي حسمت الحرب النظامية أن تواجه تمردًا مسلحًا وتعيد في الوقت نفسه تشغيل دولة كاملة.
هنا تغير مقياس النجاح.
لم يعد الدخول إلى المدينة هو المعيار. تقدّم عليه تأمين المدينة، وحماية العاملين في الدولة، وإعادة الكهرباء والخدمات ومنع الجماعات المسلحة من استثمار الفراغ.
بحلول يونيو/ حزيران 2003، كانت البيئة الأمنية تتدهور بالفعل.
وفي أبريل/ نيسان 2004، وصف مسؤول سلطة الائتلاف انعدام الأمن بأنه العقبة الرئيسية أمام تحقيق أهداف إعادة الإعمار.
وأظهرت مراجعة مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي أن الهجمات والتهديدات عطلت المشروعات ورفعت كلفتها، بينما بقيت خدمات أساسية، بينها الكهرباء، دون التحسن المتوقع.
استغرق الوصول إلى بغداد أسابيع، فيما استمرت معركة الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة سنوات - غيتي
الموصل.. تسعة أشهر من القتال وثماني سنوات من إعادة البناء
إذا كانت بغداد مثالًا على إسقاط نظام، فإن الموصل تقدم صورة أكثر مباشرة لما يحدث لمدينة بعد استعادتها عسكريًا.
بدأت عملية استعادة الموصل من تنظيم "الدولة" في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وانتهت في يوليو/ تموز 2017 بعد نحو تسعة أشهر من القتال الحضري العنيف.
كانت النتيجة العسكرية حاسمة. خسر التنظيم أكبر مدينة كان يسيطر عليها في العراق والمركز الذي أعلن منه "الخلافة".
قوات عراقية في مدينة الموصل المدمرة بعد استعادة مناطقها من تنظيم الدولة - غيتي
لكن المدينة نفسها خرجت من المعركة محملة بمهمة مختلفة تمامًا.
نزح أكثر من مليون شخص من الموصل خلال المعارك، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وخلّفت العمليات دمارًا واسعًا، ولا سيما في الجزء الغربي من المدينة، حتى إن الأمم المتحدة وصفته بأنه أحد أعقد تحديات تثبيت الاستقرار التي واجهتها. وقدّرت لاحقًا حجم الأنقاض بنحو 10 ملايين طن، إلى جانب عشرات الآلاف من مخلفات الحرب والمتفجرات التي كان لا بد من إزالتها قبل عودة السكان بأمان.
المهمة لم تعد ملاحقة مقاتلي التنظيم فقط. كان ينبغي إصلاح الجسور وشبكات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات، إزالة الأنقاض، إعادة الأسواق، وتمكين السكان من العودة إلى أحيائهم.
احتاج التعافي إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجه بوضوح. ففي 2025، أعيد افتتاح مجمع جامع النوري ومنارة الحدباء ودير الساعة وكنيسة الطاهرة بعد أعمال ترميم طويلة. وتقول اليونسكو إن برنامج "إحياء روح الموصل" حشد 115 مليون دولار، ورمم 124 منزلًا تراثيًا و404 صفوف دراسية، ووفر أكثر من 7700 فرصة عمل محلية.
هذه ليست قصة فشل في إعادة البناء بقدر ما هي مقياس للفارق في الزمن: تسعة أشهر تقريبًا لاستعادة المدينة، ونحو ثماني سنوات حتى عادت أبرز معالمها المدمرة إلى الحياة.
ليبيا.. سقط النظام لكن من يملأ مكانه؟
في ليبيا، أخذت المشكلة شكلًا آخر.
لم يكن المطلوب بعد 2011 إعادة تشغيل مدينة مدمرة فقط، إنما إنشاء نظام سياسي وأمني جديد بعد انهيار نظام حكم استمر أكثر من أربعة عقود.
في أغسطس/ آب 2011، دخلت قوات المعارضة طرابلس وسيطرت على مجمع باب العزيزية. وفي 20 أكتوبر/ تشرين الأول قُتل معمر القذافي، وبعد ثلاثة أيام أعلن المجلس الوطني الانتقالي "تحرير" ليبيا.
عسكريًا، تحقق الهدف الذي قامت عليه الحرب: انتهى نظام القذافي.
لكن إسقاط النظام لم ينتج تلقائيًا القوة التي ستأخذ مكانه.
احتفظت مجموعات مسلحة كثيرة بأسلحتها وهياكلها المحلية، وعجزت السلطات الانتقالية عن دمجها سريعًا في جيش وشرطة موحدين. وبحلول 2014، كانت الأزمة قد تحولت إلى انقسام بين مراكز سلطة متنافسة في الشرق والغرب، لكل منها مؤسسات وقوى مسلحة تدعمها.
ويلخص البنك الدولي المعضلة بوضوح، إذ يشير في دراسة عن السلام والاستقرار في ليبيا، إلى أن الحكومات الانتقالية المتعاقبة لم تتمكن من بناء توافق وطني أو احتكار الدولة للقوة، فيما تحولت مجموعات محلية مسلحة إلى فاعلين قادرين على التأثير في المؤسسات والموارد والاقتصاد.
واللافت أن ليبيا ما زالت، بعد 15 عامًا تقريبًا من إعلان "التحرير"، تعمل على إنهاء المرحلة الانتقالية نفسها. ففي 30 أغسطس/ آب 2026، وقعت أطراف ليبية، برعاية الأمم المتحدة، اتفاقًا لمعالجة ملفات في الإطار الانتخابي والعمل نحو انتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا. الخطوة مهمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه طول المسافة بين سقوط النظام وبناء ترتيب سياسي موحد.
هنا لا تكون حدود القوة في أن الطائرات والمقاتلين لم يستطيعوا إسقاط النظام؛ لقد فعلوا ذلك. الحدود ظهرت في السؤال الذي أعقب النجاح مباشرة: من يملك القوة الشرعية في اليوم التالي؟
أفغانستان.. عشرون عامًا بين سقوط كابل وعودة طالبان
ربما لا توجد تجربة تختصر الفجوة بين الانتصار العسكري وبناء نتيجة قابلة للبقاء مثل أفغانستان.
بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، بدأت الولايات المتحدة الحرب في أكتوبر. وخلال أسابيع، انسحبت طالبان من كابل وسقطت حكومتها، وبدا أن المرحلة العسكرية الأساسية حققت هدفها بسرعة.
لكن المهمة اتسعت لاحقًا من مطاردة تنظيم القاعدة وإسقاط طالبان إلى بناء جيش وشرطة ومؤسسات وإدارة واقتصاد قادر على الاستمرار.
أنفقت الولايات المتحدة بين 2002 ومنتصف 2021 نحو 144.7 مليار دولار على إعادة إعمار أفغانستان، وفق التقرير النهائي للمفتش الأميركي لإعادة إعمار أفغانستان. ذهب جزء هائل منها إلى بناء قوات الأمن الأفغانية والمؤسسات والبنية الأساسية.
لكن المؤسسات التي احتاج بناؤها إلى عقدين انهارت بسرعة مذهلة عندما انسحبت القوات الأميركية والدعم المرتبط بها.
في 15 أغسطس/ آب 2021، دخلت طالبان كابل مجددًا من دون معركة كبيرة، وغادر الرئيس أشرف غني البلاد. وبعد عشرين عامًا من إسقاطها، عادت الحركة التي بدأت الحرب لإبعادها إلى العاصمة.
ليست الخلاصة أن عقدين كاملين لم يغيّرا شيئًا في أفغانستان؛ فقد حدثت تحولات اجتماعية واقتصادية وتعليمية كبيرة. لكن النهاية أظهرت مشكلة مختلفة: كثير مما بُني لم يكن قادرًا على الاستمرار بالطريقة نفسها بعد اختفاء القوة الخارجية التي كانت تسنده. وهذه تحديدًا إحدى النتائج التي خلصت إليها مراجعات SIGAR لتجربة العشرين عامًا.
بعد عشرين عامًا من إسقاط حكمها، عادت طالبان إلى كابل مع انسحاب القوات الأميركية - غيتي
لماذا يتكرر النمط؟
لا تتشابه بغداد والموصل وليبيا وأفغانستان تمامًا. ففي بغداد دخل جيش أجنبي دولة واحتلها، وفي الموصل استعادت حكومة مدينتها من تنظيم مسلح، وفي ليبيا انهار نظام خلال حرب أهلية مدعومة بتدخل خارجي، بينما استمرت المهمة في أفغانستان عقدين.
لكن الفارق في السياقات لا يلغي ثلاثة أسئلة ظهرت بعد الانتصار في الحالات الأربع.
الأول: من يحتكر القوة بعد انتهاء المعركة؟
يمكن هزيمة جيش أو تنظيم من دون أن تختفي الأسلحة والمقاتلون والشبكات التي كانت تدعمه. وإذا لم توجد مؤسسة أمنية بديلة قادرة على ملء الفراغ، يتحول الخصم المهزوم أو القوى المسلحة الأخرى إلى جزء من النظام الجديد بدل أن تختفي منه.
الثاني: من يدير الحياة اليومية؟
كلما خرجت المستشفيات والمدارس والكهرباء والإدارة المحلية من الخدمة، أصبحت السيطرة العسكرية مطالبة بأداء وظائف لا تستطيع القوة النارية حلها. وفي هذه المرحلة تصبح قدرة الدولة على تشغيل المؤسسات أهم من قدرتها على أخذ مبنى حكومي.
الثالث: متى تصبح السلطة قادرة على الاستمرار من دون القوة التي صنعت النصر؟
هنا يوجد الاختبار الأصعب. فالوجود العسكري يستطيع حماية ترتيب سياسي فترة طويلة، والتمويل الخارجي يستطيع تشغيل خدمات ومؤسسات، لكن النتيجة تصبح مستقرة فقط عندما تستطيع تلك المؤسسات الاستمرار من دون اعتماد دائم على الجيش أو المانح الخارجي.
السؤال الذي لا تجيب عنه الخرائط
تخبرنا الخرائط العسكرية أين توجد الدبابات ومن يحتفظ بالجسر ومن انسحب من المدينة.
لكنها لا تستطيع أن تخبرنا هل سيعود السكان، وهل تعمل المدرسة في الصباح، ومن سيلاحق الجريمة، أو إن كان الموظف يستطيع الذهاب إلى عمله من دون حراسة عسكرية.
ولهذا تبدو صورة رفع العلم أو إسقاط التمثال أكثر حسمًا مما هي عليه في الواقع.
بغداد سقطت خلال أسابيع، والموصل استُعيدت بعد تسعة أشهر، ونظام القذافي انهار في عام 2011، وحكم طالبان سقط خلال أسابيع في العام نفسه الذي بدأت فيه الحرب الأميركية.
أما بناء ما يأتي بعد تلك اللحظات فاحتاج إلى سنوات، وفي بعض الحالات لم يصل أصلًا إلى النتيجة التي توقعها المنتصر.
وهنا تبلغ القوة العسكرية حدها الأكثر وضوحًا: يمكنها أن تحدد من يسيطر على الأرض في نهاية المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد شكل الحياة فوقها في اليوم التالي.
اقرأ أيضًا | من ملف "حدود القوة"