الخميس 14 مايو / مايو 2026
Close

الحب في زمن الحرب الأهلية بلبنان.. كيف تدخلت الجبهات في الزواج والعلاقات؟

الحب في زمن الحرب الأهلية بلبنان.. كيف تدخلت الجبهات في الزواج والعلاقات؟ محدث 18 أبريل 2026

شارك القصة

الحب خلال الحرب الأهلية اللبنانية لم يكن معزولًا عن الجغرافيا ولا عن السياسة - غيتي
زفاف في زمن الحرب الأهلية اللبنانية.. لحظة فرح تعبر وسط مناخ أمني مشحون في بيروت - غيتي
زفاف في زمن الحرب الأهلية اللبنانية.. لحظة فرح تعبر وسط مناخ أمني مشحون في بيروت - غيتي
الخط
كيف أثّرت الحرب الأهلية في لبنان في الحب والزواج والعلاقات؟ قراءة في الحواجز والانتظار والزيجات التي وُلدت تحت القصف أو تعطلت بسببه.
بين الحواجز وخطوط التماس والنزوح، تبدلت شروط الحب والزواج في لبنان خلال الحرب الأهلية، وبقي أثر تلك السنوات حاضرًا في العلاقات لاحقًا.

استمرت الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 نحو 15 عامًا، وكانت خلالها الجبهات مشتعلة وأعداد الضحايا في ارتفاع. ومع ذلك، ظل الناس يقعون في الحب، ويُقبلون على الزواج، ويُفكرون في الإنجاب، كأنهم يتمسكون بالحياة وسط مشهد يتداعى من حولهم.

لم يكن ذلك سهلًا، لكنه حصل. ففي بعض المناطق سمحت الظروف بإقامة حفلات زفاف متواضعة، فيما منعت مناطق أخرى أي مظهر من مظاهر الفرح. ودخلت نساء كثيرات مرحلة المخاض في أماكن خطرة، حتى بدت نجاة الأم وجنينها في أحيان كثيرة أشبه بمعجزة.

صمدت رغبة الناس في بناء مستقبل، رغم الواقع القاسي. كان كل شيء من حولهم ينهار، ومع ذلك ظل هناك من يختار الحب، ويحاول أن يفتح للحياة نافذة وسط المتاريس وخطوط التماس.

غير أن الأمر لم يكن ورديًا على نحو كامل. فالحرب لم تكن حدثًا عامًا يدور خارج البيوت فقط، إذ دخلت إلى العلاقات نفسها، وأثرت في شكل الاختيار، وإمكانية الانتظار، وفرص اللقاء، وقرارات الزواج، وحدود المقبول داخل العائلة والبيئة.

كما أنّ الحب لم يكن معزولًا عن الجغرافيا ولا عن السياسة، والطريق إلى الحبيب كان يمر كثيرًا عبر الحواجز العسكرية. فهناك، حيث يمكن أن يصبح الاسم عبئًا بسبب الفرز الطائفي والسياسي، قد تتحول المنطقة إلى مانع، وإلى سبب للتباعد بين الأحبة. وكثيرًا ما كان القرار الشخصي يتحول إلى اختبار يتجاوز العاطفة نفسها، ليصل إلى سؤال الهوية والانتماء والمصير.


التعارف خارج عن المألوف


إذا كان المألوف أن تبدأ قصص الحب في الحي أو الجامعة أو العمل، فإن شرارتها الأولى في زمن الحرب قد تنطلق خلال النزوح، أو عند عبور أحد الحواجز، أو داخل ملجأ من الملاجئ.

ولأن الحروب تغيّر ظروف لقاء الناس، وتترك مساحة واسعة للمصادفة، فإنها تؤثر أيضًا في شكل العلاقات التي تنشأ بينهم. ومع اشتداد المعارك، يتحول اللقاء بين الحبيبين إلى خليط من الخوف والنجاة، ومن التعلق المفاجئ والإحساس الدائم بأن كل شيء قابل للانقطاع.

وربما لأن العاطفة تتشكل هنا تحت ضغط لا يشبه الظروف الطبيعية، فإنها تكشف الهشاشة البشرية بسرعة، وتقرّب الناس من بعضهم في لحظات قاسية لا متسع فيها لكثير من التردد أو الأقنعة.

في زمن الحرب، لم يكن الطريق إلى الحبيب يمر عبر الشوارع فقط، فقد كان يمر عبر الحواجز والخوف وسؤال الهوية
زوجان يوم زفافهما قرب منزلهما في بيروت الشرقية عام 1989 بين السواتر والبراميل

زوجان يوم زفافهما قرب منزلهما في بيروت الشرقية عام 1989 بين السواتر والبراميل - غيتي

الحب والحواجز العسكرية 


في الحرب الأهلية اللبنانية، لم تكن الحواجز مجرد نقاط أمنية، إذ كانت أيضًا تعبيرًا عن فرز نفسي واجتماعي وطائفي.

وقد عقد وجودها العلاقات العاطفية والاجتماعية، لا سيما تلك العابرة للمناطق والطوائف والأحياء المتخاصمة. فالطريق إلى اللقاء لم يكن مضمونًا، وقد تتحول الهوية نفسها إلى عبء ثقيل.

لهذا، فإن ما كان مألوفًا في الزواج المختلط مناطقيًا أو طائفيًا في وقت سابق، صار في زمن الحرب يواجه ضغوطًا إضافية. ومن بين العوائق التي استجدت أو تعاظم تأثيرها: اعتراض العائلات، والخوف من الانتقال، والقلق المرتبط بالانتماء، والخشية من نظرة البيئة المحيطة.


كيف غيّرت الحرب العلاقات؟

  • جعلت التعارف أكثر ارتباطًا بالمصادفة والنزوح والملجأ
  • صعّبت اللقاء بسبب الحواجز وخطر التنقل
  • رفعت حساسية الاختلاف المناطقي والطائفي
  • عجّلت بعض الزيجات وعطّلت أخرى
  • أبقت أثرها في الحياة الزوجية حتى بعد توقف القتال

زيجات تحت القصف


في زمن الحرب الأهلية اللبنانية أيضًا، لم تتوقف الزيجات. فقد تزوج كثيرون، وبعضهم عجّل قراره لأن الحياة بدت أقصر من أن تُؤجل.

كما أقام بعضهم أعراسًا متواضعة في بيت، أو ملجأ، أو كنيسة، أو مسجد، أو قاعة أصغر مما حلموا به. وكان الزواج في تلك الظروف أكثر من مناسبة اجتماعية؛ كان إعلانًا واضحًا عن التمسك بالاستمرار، وعن رغبة عنيدة في انتزاع لحظة حياة من قلب الخراب.

تحوّل الزواج في سنوات الحرب، لدى كثيرين، إلى إعلان عن التمسك بالحياة وسط الخراب.

وفي المقابل، فُرضت أحيانًا علاقات بدافع الحماية، أو قرب المسافة، أو الخوف من المستقبل، أو الرغبة في تثبيت الانتماء داخل البيئة القريبة.

وفي حالات أخرى، أُجهضت علاقات لأن الحرب جعلت الاختلاف أكثر حساسية، أو لأن التنقل صار خطرًا يوميًا، أو لأن الزواج من خارج الدائرة الضيقة بدا مغامرة تفوق ما تستطيع العائلات احتماله.

لم تؤثر الحرب في اللقاء والحب فقط، وإنما أعادت رسم حدود المسموح والمرفوض والمقبول تحت الضغط. وفي كثير من الحالات، لم تكن القرارات المتعلقة بالارتباط تُتخذ بدافع الحب وحده، إذ حضرت معها حسابات الأمان والخوف والتكيف مع شروط لم يكن العاشقان يملكان تغييرها.

الانتظار


وجوه الانتظار في زمن الحرب
  • انتظار الحبيب عند الحاجز
  • انتظار رسالة لا تصل
  • انتظار خطيب نزح إلى منطقة أخرى
  • انتظار خبر قد يبدل مصير علاقة كاملة

من مفارقات الحرب أن الحب لا يصبح أكثر كثافة فقط، فهو يصبح أكثر هشاشة أيضًا.

فالعلاقات أخذت وجهًا آخر هو الانتظار: انتظار الحبيب الذي لم يصل، والزوج الذي تأخر عند الحاجز، والخطيب الذي نزح إلى منطقة أخرى، والحبيب الذي انقطعت أخباره مع اشتداد القصف، أو العلاقة التي صارت تعيش على رسائل متقطعة وزيارات نادرة.

لذلك تحمل قصص الحب في زمن الحرب حكايات من الصبر والقلق والشكوك والخوف من فقدان مفاجئ. ولم يكن الامتحان الأصعب دائمًا في لحظة اللقاء، ففي أحيان كثيرة كان في القدرة على الاحتمال، وعلى إبقاء العلاقة حيّة رغم الغياب والمسافات والتهديد المستمر.


كيف بقي أثر الحرب في الزواج بعد انتهائها؟


لم تقسّم الجبهات المدن فقط، فقد دخلت أيضًا إلى البيوت، وإلى قرارات الزواج، وخرائط القلب نفسها.

وما فعلته بالعلاقات لم ينتهِ مع وقف إطلاق النار. فالزواج الذي تأسس في الحرب، أو تحت ضغطها، أو بسبب خرائطها، حمل أثرها معه إلى السنوات اللاحقة. بعض العائلات تشكلت داخل تلك الظروف، وبعض الاختيارات بقيت مشروطة بها، وبعض المخاوف استمرت حتى بعد زوال الجبهات.

وفي أحيان كثيرة، انتقلت الحرب إلى الحياة الزوجية نفسها في هيئة قلق، أو تشدد، أو حساسية من الاختلاف، أو خوف مزمن من الانفصال والنزوح وفقدان الأمان.


لا يمكن قراءة الحب والزواج في زمن الحرب على أنهما تفصيل جانبي في مشهد الصراع. فهما يكشفان كيف أعادت الحرب تشكيل المجتمع من الداخل، وكيف دخلت إلى أكثر المساحات خصوصية في حياة الناس. وفي نهاية الأمر، تقول قصص الحب في زمن الحرب شيئًا أساسيًا عن تلك السنوات: إن الحياة لم تتوقف، لكنها أيضًا لم تبقَ كما كانت.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي