لم تعد الحرب في الشرق الأوسط تهدّد الممرات البحرية والطاقة فقط، بل باتت تضع العمود الفقري للإنترنت العالمي في دائرة الخطر أيضًا، إذ يبرز تهديد وجودي لتدفّق البيانات عالميًا نتيجة مرور كابلات الألياف الضوئية الحيوية عبر البحر الأحمر.
ولا يتعلق الأمر هنا بانقطاع محدود أو اضطراب عابر، بل بإمكان تعطل شبكات حيوية تشغّل المدفوعات الرقمية، والخدمات السحابية، والبريد الإلكتروني، ومكالمات الفيديو، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وغيرها من الوظائف الأساسية في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ومن هنا، فإن استهداف هذه الكابلات، أو حتى تعطّل صيانتها في زمن الحرب، قد يحوّل الشرق الأوسط إلى نقطة اختناق خطرة في بنية الإنترنت الدولية.
حادثة البحر الأحمر أعادت الخطر إلى الواجهة
في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، تسببت سفينة تجارية في إتلاف كابلات اتصالات بحرية في البحر الأحمر بعدما جرّت مرساتها على قاع البحر، ما أدى إلى قطع عدد من الكابلات الحيوية. وتسبب الحادث في اضطرابات لخدمة الإنترنت في عدة دول، لا سيما في غرب آسيا وجنوبها.
وقد طال الضرر أربعة كابلات بحرية رئيسية، هي: كابل جنوب شرق آسيا - الشرق الأوسط - أوروبا الغربية 4، وكابل الهند - الشرق الأوسط - أوروبا الغربية، وكابل فالكون جي سي إكس، وبوابة أوروبا - الهند، وفقًا للجنة الدولية لحماية الكابلات (ICPC).
هل يمكن أن تتجه إيران إلى استهداف الكابلات؟
مع أن إيران لم تُهدد بقطع كابلات البحر الأحمر حتى الآن، إلا أن خبراء يحذّرون من أن هذا السيناريو قد يصبح مطروحًا إذا استمر التصعيد، خصوصًا في حال تعرّضت البنية التحتية الحيوية الإيرانية لضربات مباشرة، أو إذا اتسع النزاع إلى مواجهة أوسع.
وتزداد هذه المخاوف مع حضور الحوثيين، المدعومين من إيران، في معادلة البحر الأحمر، نظرًا إلى نفوذهم في هذه المنطقة الحساسة، وسبق أن صدرت عنهم تهديدات تتعلق بالكابلات البحرية. لذلك، لا تبدو المخاوف مرتبطة بإيران وحدها، بل بمجمل القوى القادرة على التأثير في هذا الممر البحري الحرج.
وتُعد كابلات الاتصالات البحرية مسؤولة عن مجموعة واسعة من الخدمات المرتبطة بالإنترنت، بما في ذلك المدفوعات الرقمية، والخدمات السحابية، ومكالمات الفيديو، والبريد الإلكتروني، ومعالجة أحمال شبكات الذكاء الاصطناعي.
اختبار غير مسبوق لشبكة الإنترنت العالمية
يضع الإغلاق المتزامن للبحر الأحمر ومضيق هرمز شبكة الإنترنت العالمية أمام اختبار غير مسبوق. فالمشكلة لم تعد في تعرّض مسار واحد للخطر، بل في احتمال تعطل مسارين رئيسيين معًا، ما يهدد الاتصال بين الشرق والغرب، ويرفع مستوى المخاطر من الاضطراب المحتمل إلى الشلل الجزئي أو الممتد.
وبحسب "صابتيل فوروم"، بدأت الهند الاستعداد لاحتمال وقوع اضطرابات في بنيتها التحتية للإنترنت، في ظل تصاعد التوترات التي تهدّد الكابلات البحرية المارة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، وهما من أهم الممرات الرقمية في العالم.
توقّف مشاريع البنية التحتية الرقمية في المنطقة يعكس حجم التأثير الذي تخلّفه الحرب على مسارات البيانات العالمية - غيتي
وفي اجتماع عُقد مؤخرًا، طلب مسؤولون في وزارة الاتصالات من شركات الاتصالات ومشغلي الكابلات البحرية إعداد خطط طوارئ لمواجهة سيناريوهات تشمل تأخير مشاريع جديدة، وتعطّل أعمال الصيانة، وتهديد الربط بين الهند وأوروبا. كما طُلب من المشغلين تقييم المخاطر والجداول الزمنية التي قد تتأثر بأي تصعيد إضافي.
ونقل "صابتيل فوروم" عن مسؤولين تنفيذيين، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، أن الشركات سعت إلى دعم حكومي للتواصل مع إيران بهدف حماية البنية التحتية للكابلات البحرية.
تداعيات مباشرة على صناعة الكابلات البحرية
تتجاوز آثار الأزمة حدود القلق الأمني، لتصيب صناعة الكابلات البحرية نفسها في صلبها. فشركات الحوسبة السحابية الكبرى، مثل "ميتا" و"غوغل" و"أمازون"، باتت مضطرة إلى إعادة تقييم استثماراتها في المنطقة في ضوء المخاطر المتزايدة.
كما تتراجع جاذبية الخليج العربي والبحر الأحمر بوصفهما مسارين سريعين ومستقرين لنقل البيانات، ما يدفع المخططين إلى التفكير في طرق أطول وأكثر كلفة. وفي هذا السياق، يبرز توجه "ميتا" نحو إنشاء كابل ضخم بطول 50 ألف كيلومتر يربط أميركا والهند وأفريقيا والبرازيل، في محاولة واضحة لتجاوز الشرق الأوسط بوصفه معبرًا تقنيًا محفوفًا بالمخاطر.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في البحث عن بدائل، بل في الوقت الطويل الذي تحتاجه هذه المشاريع قبل أن تصبح قابلة للتشغيل، ما يعني بقاء الاتصال الدولي في حالة هشاشة لسنوات.
شلل الصيانة أخطر من تأخير المشاريع
قد لا يكون أخطر ما تفرضه الحرب هو تأجيل مشاريع جديدة، بل تعطيل أعمال الصيانة الجارية أصلًا. فمع تحوّل البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى منطقتين بالغتي الخطورة، أصبحت سفن إصلاح الكابلات التجارية عاجزة عمليًا عن العمل فيهما.
وقد اضطرت سفن إصلاح كانت قد نُشرت لمعالجة أعطال سابقة إلى تعليق عملياتها إلى أجل غير مسمى. ويحذر خبراء الصناعة من أن إرسال هذه السفن إلى منطقة حرب نشطة ينطوي على مجازفة كبيرة، ما يعني أن أي ضرر جديد قد يبقى من دون إصلاح لفترات طويلة.
وتتضاعف خطورة هذا الواقع إذا نجم الضرر عن صواريخ أو ألغام بحرية أو حتى عن حوادث سفن في بيئة مضطربة. فعندها لا يعود التهديد محصورًا في احتمال الانقطاع، بل يمتد إلى استحالة المعالجة السريعة. ويكفي التذكير بأن إصلاح الكابلات الأربعة التي قُطعت في البحر الأحمر في فبراير/ شباط 2024 استغرق نحو نصف عام.
حقبة جديدة من "حرب البنية التحتية البحرية"
تكشف هذه التطورات أن العالم يدخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"حرب البنية التحتية البحرية"، حيث تحوّلت الكابلات البحرية إلى أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن خطوط الطاقة والممرات التجارية.
وقد أسقطت الحرب افتراضًا طويلًا مفاده أن البنية المادية للإنترنت العالمي تتمتع بمرونة كافية لتجاوز الصدمات.
ومع تحول هاتين النقطتين البحريتين الحيويتين إلى مناطق حرب نشطة، يجد المجتمع الدولي نفسه مضطرًا إلى تسريع تطوير طرق رقمية بديلة تتجاوز الشرق الأوسط تمامًا.
كما وجّه تصاعد الصراع بين إيران والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضربة قاصمة للبنية التحتية الرقمية العالمية، ما أجبر شركة "ميتا" وشركاءها على تعليق العمل في مشروع "لآلئ إفريقيا 2" في الخليج العربي، وهو امتداد لنظام كابلات "إفريقيا 2" البحرية الأوسع نطاقًا.
وهكذا، لم يعد مضيق هرمز ممرًا رقميًا واعدًا، بل تحوّل إلى بؤرة تهدد مشاريع قائمة وأخرى قيد التخطيط، وتفرض على الشركات البحث عن بدائل برية وبحرية أكثر أمنًا، لكنها أعلى كلفة وأبطأ تنفيذًا.
مشاريع كبرى دخلت دائرة التعليق
أدّت الحرب أيضًا إلى تعطيل مشاريع استراتيجية كان يُفترض أن تعزز الربط بين آسيا وأوروبا. ومن أبرز هذه المشاريع:
-
مشروع "SEA-ME-WE 6" (SMW6)، الذي يربط ثلاث قارات، وقد اعتمد بنية هجينة بحرية - برية عبر السعودية لتفادي مخاطر باب المندب. ويؤدي تأجيله إلى زيادة الضغط على الممرات البديلة بين سنغافورة وأوروبا.
-
مشروع الألياف في الخليج (FIG)، الهادف إلى ربط سبع دول خليجية بمسار بري عبر العراق وتركيا، بكلفة تبلغ 500 مليون دولار.
-
مشروع "وورلد لينك" (World Link) العراقي - الإماراتي، بكلفة تصل إلى 700 مليون دولار.
لا تعني هذه التأجيلات تعطّل مشاريع تقنية فحسب، بل تعني أيضًا إبطاء إعادة تشكيل الخريطة الرقمية للمنطقة في لحظة شديدة الحساسية.
كلفة اقتصادية تتجاوز قطاع الاتصالات
لا تقف التداعيات عند حدود الكابلات نفسها، بل تمتد إلى الاقتصاد الرقمي الأوسع. فقد أدّت الحرب إلى ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة، ما يؤثر مباشرة في جدوى تشغيل مراكز البيانات، التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.
وتواجه الهند، التي تطمح إلى التحول إلى مركز عالمي لمراكز البيانات بقيمة 270 مليار دولار، ضربة مزدوجة نتيجة الاضطرابات في البحر الأحمر والخليج العربي. فاستمرار الخطر في مضيق هرمز يهدد الممرات الرقمية الحيوية التي تربطها بأوروبا، ما يضع طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بين ضغط ارتفاع الطاقة وتراجع موثوقية الاتصال الدولي.
بدائل محتملة.. لكنها ليست سهلة
بحسب موقع "سابمايرين نتووركس"، تبرز ثلاثة مسارات محتملة لتخفيف الاعتماد على الشرق الأوسط:
1- الممر الشمالي:
يمر هذا الطريق عبر روسيا، ويربط آسيا (وخاصة الصين) بأوروبا عبر منغوليا وصولًا إلى روسيا.
إلا أن جدوى هذا المشروع تتعقد بسبب العقوبات التي فُرضت عليه عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، رغم أن التجارة الصينية الروسية لا تزال تُحفز التنمية.
2- الممر الأوسط:
يُعرف أيضًا بطريق النقل الدولي عبر بحر قزوين، ويمر عبر كازاخستان ثم بحر قزوين فالقوقاز وأذربيجان وجورجيا، قبل أن يصل إلى البحر الأسود ورومانيا وبلغاريا، أو يمر عبر تركيا كبديل.
يوفر هذا المسار بديلاً عن روسيا، لكنه يواجه تحديات لوجستية معقدة، من تعدد الحدود إلى صعوبة التضاريس والحاجة إلى النقل البحري في أكثر من نقطة.
3- القطب الشمالي:
كانت مشاريع كابلات القطب الشمالي، مثل "بولار كونكت"، تُعد سابقًا مرتفعة الكلفة وضعيفة الجدوى بسبب البيئة الجليدية القاسية ومخاطر الانقطاع.
لكن إغلاق الممرات التقليدية أعاد طرحها بوصفها خيارًا استراتيجيًا، لا لأن كلفتها انخفضت، بل لأن المخاطر في المسارات الأخرى ارتفعت إلى حد غير مسبوق.
لم يعد الإنترنت مجرد خدمة، بل صار شريانًا حيويًا يوازي في أهميته الطاقة والتجارة والممرات البحرية.