لم تكن زيارة بلا مغزى، بل جاءت محمّلة بالرسائل ومحتشدة بالرموز.
تنشغل وسائل الإعلام بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الهجمات المحتملة على إيران، فيظهر المرشد الإيراني، علي خامنئي على العلن، بعد غياب قيل فيه الكثير، ومنه أن الرجل الذي يقود المواجهة التي لم تعد صامتة مع الولايات المتحدة يتحصّن في مكان سري، تحسبًا لضربة أميركية مفترضة قد تستهدفه شخصيًا.
غير أن خامنئي، الذي يوصف بالعنيد والقادر على النجاة من الأزمات الكبرى، قرّر أن يقطع الطريق على هذه التأويلات، فظهر على الملأ السبت الماضي، ليوجّه رسائله إلى أكثر من جهة في العالم والمنطقة، في زيارة محمّلة بالإشارات الرمزية لضريح سلفه روح الله الخميني.
وجاءت الزيارة، وفق وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا"، في مناسبة "عشرة الفجر"، الممتدّة بين الأول من فبراير/ شباط، ذكرى عودة الخميني من منفاه في باريس عام 1979، والحادي عشر من الشهر نفسه، تاريخ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي. وهي مناسبة تحيي خلالها إيران ذكرى انتصار الثورة الإسلامية وتثبيت أسس نظامها السياسي.
خامنئي أمام ضريح الخميني
وتكتسب الزيارة دلالة إضافية لكونها سبقت بيوم واحد موعدًا مفترضًا للهجوم الأميركي، وفق ما أوردته وسيلة إعلام أميركية. فقد نقل موقع "دروب سايت" عن مصادر وصفها بالمتعددة أن مسؤولين عسكريين أميركيين كبارًا أبلغوا أحد أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط أن ترمب قد يجيز شنّ هجوم على إيران خلال "عطلة نهاية الأسبوع"، مع احتمال بدء الضربات في وقت مبكر من يوم الأحد، وهو اليوم الذي استبقه خامنئي بزيارة ضريح الخميني. وبحسب الموقع، فإن الهجمات، في حال وقوعها، بل قد تهدف إلى "تغيير النظام"، وهي لن تقتصر على الأهداف العسكرية، بل ستطال الحكومة الإيرانية وقيادة الحرس الثوري الإيراني وقدراته العسكرية والأمنية.
الحرس الثوري في عين العاصفة
يبدو الحرس الثوري في عين العاصفة بعد ما وصفت بهزيمته الاستخباراتية في حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025.
ومع تصاعد التهديدات الأميركية، يقف الحرس أمام مفترق طرق وجودي، بحكم دوره المركزي في حماية الثورة والنظام، ما يجعله في الصفوف الأولى لأي مواجهة محتملة.
وزاد من الضغوط إعلان الاتحاد الأوروبي، في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي، إدراج الحرس الثوري على قائمته لـ"المنظمات الإرهابية". وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، في تعليق على القرار:
مصطلح إرهابي هو بالفعل المصطلح الصحيح لوصف نظام يقمع تظاهرات شعبه بسفك الدماء.
وبموجب القرار، وافق التكتل الأوروبي، الذي يضمّ 27 دولة، على فرض حظر تأشيرات وتجميد أصول بحق 21 مسؤولًا وجهة حكومية إيرانية، على خلفية قمع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من بينهم وزير الداخلية الإيراني.
ولا يتمتع القرار الأوروبي بأهمية فعلية بل رمزية، خاصة أنه سبق للاتحاد الأوروبي أن فرض عقوبات على الحرس الثوري ككل، وعلى العديد من قياداته.
غير أنّه يندرج في سياق ما توصف بالتحضيرات لحرب محتملة على إيران، وهو ما دفع وزير خارجيتها، عباس عراقجي، إلى اعتباره "خطأ استراتيجيًا كبيرًا"، محذرًا من أن أوروبا "تنشغل بتأجيج الصراع" في وقت تسعى فيه دول عدة إلى تفادي حرب شاملة في المنطقة.
من جهتها، وصفت القوات المسلحة الإيرانية القرار بأنه "غير منطقي وغير مسؤول"، معتبرة أنّه "اتُّخذ لإرضاء" الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، فإن القرار يضع الحرس في الخانة ذاتها لتنظيمات مثل "القاعدة" و"الدولة"، معتبرة أنه "عندما يتصرف طرف كإرهابي، فعليه أن يتوقع أن يُعامل كإرهابي".
وكانت الولايات المتحدة قد صنّفت الحرس الثوري "منظمة إرهابية أجنبية" في أبريل/ نيسان 2019، خلال الولاية الأولى لترمب، ثم لحقت بها كندا عام 2024 وأستراليا عام 2025.
الحرس.. حماية الثورة والنظام
-
تأسس الحرس الثوري، واسمه الرسمي "قوات حرس الثورة الإسلامية"، بعيد انتصار الثورة عام 1979، بموجب قرار أصدره الخميني في مايو/ أيار من العام نفسه.
-
بسبب مخاوف الخميني من اختراق الجيش من قبل أنصار الشاه، أبقى على المؤسسة العسكرية التقليدية، لكنه منح الحرس أولوية خاصة واستقلالية كاملة، ما أوجد فعليًا جسمين عسكريين كبيرين في إيران: الجيش والحرس الثوري.
-
تُناط بالجيش مهمة حماية حدود البلاد وسيادتها، فيما يتولى الحرس حماية "الثورة الإسلامية والنظام السياسي"، إضافة إلى حماية النظام داخليًا، وبناء شبكات نفوذ إقليمية عبر دعم قوى وأنظمة سياسية حليفة، وتنفيذ عمليات خارجية من خلال "فيلق القدس".
-
قاد فيلق القدس، وهو وحدة نخبة تابعة للحرس الثوري، إستراتيجية إيران في المنطقة خاصة في لبنان والعراق واليمن، واغتالت الولايات المتحدة قائده قاسم سليماني في غارة جوية بالعراق عام 2020.
-
يتلقى الحرس أوامره مباشرة من مرشد الجمهورية، ويقدّم تقاريره إليه، ويتمتع بقدرات تسليحية واستخباراتية ورواتب تفوق تلك التي يحصل عليها الجيش النظامي. كما يمتلك جهاز استخبارات يُعد الأقوى في البلاد.
-
لا توجد أرقام دقيقة حول عدد عناصر الحرس، إذ تقدّرهم بعض التقارير بما بين 120 ألفًا و200 ألف جندي، فيما ترفع تقديرات أخرى العدد إلى نحو 350 ألفًا، وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. وإلى جانبهم، تتبع للحرس قوات "الباسيج"، وهي قوات تعبئة شبه عسكرية تضم بين 600 ألف و900 ألف عنصر.
إمبراطورية داخل إمبراطورية
يعتبر الحرس الثوري "إمبراطورية داخل إمبراطورية"، وتجاوز دوره الجانبَ العسكري إلى السياسة والاقتصاد وقطاعات أخرى، وتقدّر موازنته السنوية بما بين ستة وتسعة مليارات دولار، أي نحو 40% من الميزانية العسكرية لإيران.
وبحسب تقارير إعلامية، ينشط الحرس الثوري في مشاريع اقتصادية عملاقة في مجالات النفط والغاز والإنشاءات والاتصالات والصناعات البتروكيميائية، ويرتبط بأكثر من مئة شركة كبرى، أبرزها مؤسسة "خاتم الأنبياء"، مع عائدات سنوية تُقدَّر بنحو 12 مليار دولار.
كما يقف الحرس خلف صناعات عسكرية تشكل العمود الفقري للقدرات الدفاعية الإيرانية.
ورغم قوته وإمكانياته العسكرية الكبيرة، إلا أن الحرس تلّقى واحدة من أسوأ خسائره في يونيو/حزيران 2025، حين قُتِل قائده حسين سلامي في الهجوم الإسرائيلي المباغت الذي استهدف مواقع عسكرية ونووية داخل إيران، وتخللته عمليات اغتيال طالت علماء نوويين وقادة عسكريين وأمنيين بارزين.
وقُتل في الهجوم أيضًا رئيس هيئة الأركان المشتركة محمد باقري، وقائد القوة الصاروخية العميد أمير علي حاجي زاده.
وفي يوم مقتل سلامي، عيّن خامنئي محمد باكبور قائدًا جديدًا للحرس الثوري.
وتوعّد باكبور، بعيد تعيينه، بـ"فتح أبواب الجحيم" ردًا على الهجمات الإسرائيلية، كما حذر الشهر الماضي، الولايات المتحدة وإسرائيل من مغبّة "الحسابات الخاطئة"، مشدّدًا على أن "الإصبع على الزناد".
وخلال إحياء "يوم الحرس" في 22 يناير/ كانون الثاني الماضي، دعا تل أبيب وواشنطن إلى استخلاص العبر من حرب الـ12 يومًا، لتفادي "مصير أكثر إيلامًا".
وأثارت الطبيعة الدقيقة للضربات الإسرائيلية التي استهدفت العام الماضي قادة بارزين في الحرس الثوري، وقيادات في "حزب الله" عام 2024، تساؤلات حول مدى اختراق المخابرات الغربية للمستويات العليا للحرس الثوري.
تساؤلات عن الاختراقات الاستخباراتية
ترمب والنموذج الفنزويلي
بينما تتجه الأنظار إلى خامنئي، الذي زار أخيرًا ضريح الخميني، تذهب تقديرات مراكز أبحاث ومحللين إلى احتمال استهداف المرشد شخصيًا هذه المرة، مع تداول سيناريو "النموذج الفنزويلي" في الحالة الإيرانية.
ورغم عدم وضوح ما إذا كان ترمب سيعتمد هذا السيناريو، في ظل تعقيد بنية السلطة في إيران وتشابك أجهزتها الأمنية، فإن أي خرق أمني واسع داخل القوات المسلحة، وعلى رأسها الحرس الثوري، قد يغري واشنطن بالمضي في هذا الخيار.
وفي هذه الحالة، يوفّر "النموذج الفنزويلي" فرصة لتحقيق أهداف أميركية عبر ضربات سريعة وصاعقة، من دون التورّط في حرب برية طويلة الأمد، أو الدخول في مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها وتداعياتها.