أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن شروع الجيش الأميركي في فرض سيطرته على حركة السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية والمغادرة منها، الجدل حول معنى "الحصار البحري" وحدوده القانونية.
تأتي هذه التطورات في ظل توتر متصاعد بعد تعثر محادثات إنهاء الحرب، ومع تهديدات إيرانية باستهداف موانئ في الخليج إذا تعرضت موانئها لهجوم.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح المصطلح القانوني جزءًا من المعركة السياسية نفسها، لأن توصيف ما يجري بأنه "حصار بحري" يفتح بابًا واسعًا على أسئلة الشرعية والحياد وحماية المدنيين.
ما هو الحصار البحري؟
يُعد الحصار البحري من أبرز الأدوات العسكرية التي تلجأ إليها الدول خلال النزاعات المسلحة، ويقوم على منع دخول السفن إلى موانئ الخصم أو خروجه منها.
ويهدف هذا الإجراء إلى قطع الإمدادات العسكرية والاقتصادية واللوجستية، بما يشمل الأسلحة والوقود والغذاء والمواد الخام، بهدف إضعاف القدرة القتالية للخصم.
ورغم طابعه العسكري الصارم، يخضع الحصار البحري لقواعد قانونية دولية دقيقة توازن بين الأهداف العسكرية وحماية المدنيين والدول المحايدة.
فلكي يُوصَف الإجراء بأنه حصار، لا بد أن يكون معلنًا، ومحدد النطاق، وقابلًا للتنفيذ عمليًا، وألا يتحول إلى أداة لتجويع المدنيين أو إلحاق ضرر مفرط بهم.
سلاح قديم بصيغ حديثة
هذا ما يجعل الحصار البحري الحديث أقل صخبًا في شكله، لكنه لا يقل أثرًا في نتائجه.
متى يكون الحصار البحري قانونيًا؟
تطوّر الإطار القانوني المنظّم للحصار البحري عبر قرون من النزاعات البحرية، مستندًا إلى مجموعة من الصكوك الدولية التي أرست قواعده الأساسية.
وقد ساهمت ثلاث وثائق رئيسية في تشكيل هذا الإطار، واضعةً الأسس التي لا يزال القانون الدولي يستند إليها حتى اليوم، وفق موقع "قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر".
وفي هذا السياق، كرّس إعلان باريس عام 1856 قاعدة أساسية مفادها أن الحصار لا يكون ملزمًا إلا إذا كان فعّالًا، أي قائمًا على قوة قادرة فعلًا على منع الوصول إلى سواحل الخصم. وقد أنهى هذا الإعلان ما كان يُعرف بـ"الحصار الورقي"، حيث كانت بعض الدول تعلن إغلاق سواحل خصومها دون وجود قوة بحرية كافية لتنفيذ ذلك فعليًا.
لاحقًا، جاء إعلان لندن 1909 ليضيف إطارًا إجرائيًا أكثر تفصيلًا. إذ اشترط تحديد تاريخ بدء الحصار، وتوضيح حدوده الجغرافية بدقة، إضافة إلى منح السفن المحايدة مهلة زمنية لمغادرة المنطقة المحاصرة. ورغم أن هذه الوثيقة لم تحظَ بتصديق رسمي شامل، فإنها تركت تأثيرًا عميقًا في تطور القانون الدولي العرفي.
أما المرجع الأحدث والأكثر شمولًا، فهو دليل سان ريمو 1994، الذي يُعدّ حجر الأساس في تنظيم قواعد الحصار البحري المعاصرة. ويغطي الدليل جوانب متعددة، تشمل شروط الإعلان عن الحصار، وضرورة فعاليته، واحترام مبدأ الحياد، والالتزامات الإنسانية، إضافة إلى آليات التنفيذ.
شروط الحصار البحري "القانوني"
من الناحية العملية، يقوم الحصار القانوني على أربعة شروط رئيسية:
أولًا: الإعلان والإخطار
يجب أن يُعلن الحصار رسميًا، مع تحديد تاريخ بدء سريانه، ومدته، ونطاقه الجغرافي، والمهلة الممنوحة للسفن المحايدة الموجودة داخل المنطقة كي تغادرها. كما يجب الإخطار بأي تعديل لاحق، سواء تعلق بتعليق الحصار أو تمديده أو إنهائه.
ثانيًا: الفعالية
لا يكفي إعلان الحصار على الورق. فالقانون الدولي لا يعتد بما يُعرف بـ"الحصار الورقي"، بل يشترط وجود قدرة فعلية على تنفيذه. وهذا هو المبدأ الذي ثبّته إعلان باريس، ثم أعادت قواعد سان ريمو تأكيده بصياغات أكثر حداثة.
ثالثًا: الحياد وعدم الانتقائية
يجب أن يُطبّق الحصار على سفن جميع الدول على قدم المساواة، من دون تمييز أو استثناءات انتقائية. كما لا يجوز أن يمنع الوصول إلى موانئ الدول المحايدة أو سواحلها.
رابعًا: التناسب وحماية المدنيين
يُحظر إعلان الحصار أو تنفيذه إذا كان هدفه تجويع السكان المدنيين أو حرمانهم من مقومات البقاء، كما يُحظر إذا كان الضرر المتوقع على المدنيين مفرطًا قياسًا إلى المكسب العسكري المباشر والملموس. وهذا من أكثر القيود حساسية في القانون الإنساني الدولي.
ماذا عن المساعدات الإنسانية؟
حتى عندما يكون الحصار مستوفيًا لشروطه القانونية، فإن الدولة التي تفرضه لا تملك حرية مطلقة في منع كل شيء.
وفقًا لأحكام دليل سان ريمو 1994، يتعين السماح بوصول المساعدات الإنسانية إذا كان السكان المدنيون داخل المنطقة المحاصرة يعانون من نقص في الغذاء أو الإمدادات الأساسية.
ويلزم القانون الدولي الدولة التي تفرض الحصار بالسماح بمرور المواد الإغاثية الأساسية، لكن ضمن شرطين رئيسيين:
- الترتيبات الفنية: يحق للدولة المحاصِرة تنظيم عملية المرور، بما في ذلك التفتيش للتأكد من طبيعة الشحنات.
- الإشراف المحايد: يجب أن يتم توزيع المساعدات تحت إشراف جهة محايدة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لضمان وصولها إلى المدنيين دون استغلالها عسكريًا.
وتحظى الإمدادات الطبية بمستوى أعلى من الحماية، حيث يتوجب السماح بمرورها سواء كانت موجهة للمدنيين أو للمقاتلين الجرحى والمرضى، مع احتفاظ الدولة بحق التفتيش.
كيف تُعامل السفن أثناء الحصار؟
تُمنح السفن التجارية المحايدة الموجودة داخل المنطقة المحاصرة عند بدء الحصار مهلة لمغادرتها.
أما السفن التي يُشتبه على نحو معقول في محاولتها خرق الحصار، فيجوز اعتراضها والاستيلاء عليها، وإذا قاومت بصورة واضحة بعد إنذار مسبق، فقد تُعامل بوصفها هدفًا مشروعًا ضمن الحدود التي يفرضها القانون.
وفي المقابل، تتمتع بعض السفن بحماية خاصة، مثل السفن الإنسانية وسفن المستشفيات وسفن الركاب المدنيين.
هل يفرضه مجلس الأمن فقط؟
ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على الحصار كأحد التدابير التنفيذية التي يمكن لمجلس الأمن الدولي اللجوء إليها للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.
ووفقًا للمادة 42، يملك المجلس صلاحية دعوة الدول الأعضاء للمشاركة في حصار جماعي ضمن إطار عمل دولي منسق، وهو ما يميّزه عن الحصار الأحادي الذي تفرضه دولة بمفردها خلال النزاعات المسلحة.
ورغم أن الحصار المفوّض من مجلس الأمن يحظى بشرعية سياسية دولية، فإن هذه الشرعية لا تعني إطلاق اليد بالكامل، إذ يظل الحصار خاضعًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حظر تجويع المدنيين، وضرورة السماح بمرور المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وبذلك، فإن جوهر السألة لا يتعلق فقط بمن يفرض الحصار، بل بكيفية فرضه، وحدوده، وآثاره على المدنيين، ومدى التزامه بشروط الإعلان والفعالية والحياد والتناسب. ومن هنا، فإن أي حديث عن حصار بحري يبدأ من البحر، لكنه لا يُفهم حقًا إلا من خلال القانون والسياسة والنتائج الإنسانية معًا.
في المقابل، لا يُعد الحصار المفروض دون تفويض من مجلس الأمن غير قانوني تلقائيًا. فالقانون الدولي العرفي يعترف بحق الأطراف المتحاربة في فرض الحصار خلال النزاعات المسلحة. غير أن ما يضيفه ميثاق الأمم المتحدة هو إتاحة فرض حصارات جماعية حتى خارج الإطار التقليدي للحروب، ضمن آلية دولية منظمة.