تتسع رقعة المواجهات في اليمن، وسط تصاعد المخاوف من انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، في وقت لم تهدأ فيه خطوط التماس بين الأطراف المتحاربة خلال الأسابيع الماضية.
وبينما تواصل جماعة أنصار الله الحوثيين تعزيز نفوذها في مناطق إستراتيجية، تحاول القوات الحكومية استعادة زمام المبادرة في عدد من المحافظات، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات ميدانية وسياسية معقدة.
وأفرزت التطورات العسكرية واقعًا جديدًا على الأرض، مع سيطرة الحوثيين على أحد أبرز شرايين التجارة البحرية العالمية، بالتزامن مع تقدم القوات الحكومية في محافظات الجوف ومأرب والبيضاء.
ولا تقتصر تداعيات القتال على الأراضي اليمنية، إذ طالت شظايا المواجهات الأراضي السعودية، فيما يصعب فصل ما يجري في اليمن عن التطورات المتسارعة المرتبطة بالحرب الأميركية على إيران. ويزيد هذا الترابط من تعقيد المشهد، خصوصًا مع تداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية.
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات بشأن قدرة جماعة أنصار الله الحوثيين على توسيع نفوذها والسيطرة على كامل الساحل الغربي اليمني، إلى جانب مناطق أخرى في البلاد. أم لا تزال الحكومة اليمنية تمتلك أوراقًا عسكرية وسياسية قد تتيح لها إعادة ترتيب صفوفها ومواجهة التمدد الحوثي؟
"انهيار مفاجئ في الساحل الغربي"
وفي هذا السياق، قال الصحفي اليمني صدام الكمالي في موقع "العربي الجديد" إن جماعة الحوثيين تمكنت، عقب انسحاب القوات الحكومية من مدينة المخا الإستراتيجية قرب باب المندب، من السيطرة على مواقع واسعة تمتد من غرب تعز وصولًا إلى المخا، ثم التمدد لمسافة تتجاوز 75 كيلومترًا باتجاه جزيرتي حنيش الصغرى والكبرى وصولًا إلى جزيرة ميون في باب المندب.
وأوضح في حديث للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أن هذا الانسحاب المفاجئ أحدث صدمة في الشارع اليمني، خصوصًا بعد أن روّجت القوات الحكومية لانتصارات كبيرة في الساحل الغربي، قبل أن يتفاجأ اليمنيون صباح الخميس بتراجع أكبر تشكيل حكومي مناهض للحوثيين، والذي يضم أكثر من خمسين ألف مقاتل، كان يُعوَّل عليه في مشروع استعادة الدولة والتقدم نحو صنعاء.
وأشار الكمالي إلى أن مصادر العربي الجديد أكدت صدور أوامر للمقاتلين بالمغادرة مساء الأربعاء، ما أدى إلى انهيار الجبهة بشكل كبير لصالح الحوثيين. ومع ذلك، لفت إلى أن القوات الحكومية أحرزت تقدمًا في جبهات أخرى مثل مأرب والجوف وتعز.
كما ذكر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح أعلن عن إعادة تشكيل ما يُعرف بالقوات التهامية بقيادة العميد زايد ناصر، في خطوة تهدف إلى إعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لمعركة جديدة لاستعادة ما فُقد في الساحل الغربي.
وأضاف أن الأحزاب والمكونات السياسية اليمنية جدّدت دعمها للحكومة المعترف بها دوليًا في مشروع استعادة مؤسسات الدولة.
الحوثيون: المشكلة مع السعودية وليست مع اليمنيين
من جهته، قال عبد الله النعمي، عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثيين، إن جوهر المشكلة يكمن في التدخل السعودي في اليمن، مشيرًا إلى أن بعض القوى المحلية جندت نفسها لتنفيذ أجندة الرياض عبر الاعتداء على القوات المسلحة والمناطق الخاضعة لحكومة صنعاء، ما يفرض على الأخيرة الدخول في مواجهات مباشرة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من صنعاء، أوضح النعمي أن جماعة الحوثي لا تملك نوايا للهجوم على مأرب، لكن حزب الإصلاح ينفذ اعتداءات بتوجيه سعودي، وهو ما يهدد بجر المدينة إلى صراع عسكري. وأضاف أن جزءًا من مدينة تعز يخضع لقوات موالية للسعودية، مؤكدًا أن الحوثيين لا يسعون لدخولها، إلا أن استمرار الخروقات سيجبرهم على الرد.
كما نفى وجود قوات إيرانية في صفوف الحوثيين، معتبرًا أن حزب الإصلاح يستخدم "شماعة إيران" لتبرير مواقفه.
وعن طبيعة المواجهة مع السعودية، قال النعمي إن الجماعة تستهدف ما وصفه بـ"العدو السعودي" عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب منشآته وعمقه.
وأكد أن رفع الرياض يدها عن الشأن اليمني كفيل بفتح الباب أمام حوار داخلي يجمع مختلف الفرقاء اليمنيين على طاولة واحدة.
الحكومة اليمنية: المعركة تتجاوز الحدود السعودية
من جانبه، قال عارف أبو حاتم، مستشار وزارة الإعلام في الحكومة اليمنية: إن "وجود آلاف الضباط والمقاتلين الإيرانيين وعناصر من حزب الله والحشد الشعبي في اليمن يثير تساؤلات جدية".
وأضاف: "إذا كانت مشكلة الحوثيين مع السعودية فلديهم حدود برية وبحرية معها تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، فما الذي يفعلونه في تعز والمخا والوازعية وحيس؟ هذه مناطق يمنية لا وجود للسعوديين فيها."
وكانت تقرير لشبكة "سي إن إن" أشار إلى أن الكتائب الحكومية في المخا كانت تعاني من استنزاف شديد، وأن سجلاتها العسكرية تضمنت أسماء وهمية تتقاضى رواتب دون وجود فعلي، ما جعل القوة الحقيقية لا تتجاوز 20% من الأرقام الرسمية.
وفي هذا الإطار، أوضح أبو حاتم أن لجنة تحقيق شكلتها رئاسة المجلس ووزارة الدفاع ورئاسة الأركان وجهاز المخابرات تعمل على التحقق من هذه المعلومات، معتبرًا أن وجود اختلالات أمر طبيعي في ظل انهيار مؤسسات الدولة وسيطرة الحوثيين على مقدراتها.
وعن وعود الحكومة السابقة بقرب تحرير صنعاء، قال أبو حاتم إن الرهان كان على عدالة القضية وصلابة الشعب اليمني المقاوم والمتمسك بهويته، مؤكدًا أن دخول صنعاء سيظل هدفًا مهما طال الزمن. وأضاف أن ثقل الحوثيين في الشارع لا يستند إلى حاضنة شعبية، بل إلى قوة السلاح والدبابة والمدفع والصاروخ.
وشدد على أن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام اعتداءات الحوثيين، مؤكدًا أن المملكة سترد دفاعًا عن أراضيها وشعبها وأمنها واستقرارها، وأن معركتها مع الحوثيين هي معركة وجود وكرامة.
الساحل الغربي وباب المندب.. نقطة تحول في الحرب
بدوره، قال مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إن استيلاء جماعة أنصار الله الحوثيين على الساحل الغربي ومضيق باب المندب يشكل نقطة تحول بارزة في الأزمة اليمنية، رغم غياب رواية دقيقة لما جرى هناك، موضحًا أن النتيجة كانت انهيارات سريعة في صفوف القوات الحكومية وسيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية بالغة الأهمية.
وأضاف أن الصراع في اليمن يعكس فشل القوى الوطنية في تسوية خلافاتها، ما حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، حيث استعان كل طرف بحلفاء خارجيين لتعزيز موقعه.
وأكد أن جوهر الأزمة يتمحور حول رفض تقاسم السلطة والثروة بين القوى السياسية، مشيرًا إلى أن مخرجات الحوار الوطني عام 2014 كانت فرصة ذهبية ضاعت بعد أن خرج الحوثيون عليها، لتدخل البلاد في دوامة ممتدة منذ أكثر من عقد.
ورأى قبلان أن أي طرف لن يقبل بالهزيمة، وأن الحرب ستستمر بدعم الأطراف الإقليمية والدولية "حتى آخر قطرة دم يمنية"، في ظل غياب الدور العربي الذي كان يفترض أن يحتضن الفرقاء ويحول دون تغلغل النفوذ غير العربي.
وشدد على ضرورة الانتقال من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى البحث عن قواسم مشتركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي يقود إلى شرذمة وتقسيم فعلي لليمن، على الأقل على أرض الواقع.
وختم بالقول إن الحل لن يكون عسكريًا، بل عبر إدراك جميع الأطراف أن الحسم العسكري مستحيل في هذا الصراع.