تُكافح عشرات الصناعات لاستيعاب التأثير العميق للذكاء الاصطناعي على الابتكار والاقتصاد. ورغم أن الذكاء الاصطناعي المُولِّد يُغيّر طريقة العمل ويُطلق العنان للكفاءات في مختلف القطاعات، إلا أن هناك ثورة أخرى تكتسب زخمًا تدريجيًا وهي الحوسبة الكمومية "Quantum Computing".
وبتسخيرها لمبادئ ميكانيكا الكم، تُعدّ الحوسبة الكمومية على أهبة الاستعداد لإحداث ثورة في جميع القطاعات، من التكنولوجيا إلى الرعاية الصحية ووصولًا إلى التمويل.
وبحسب مجلة "تايم"، يُعتبر الفيزيائي الأميركي البارز ريتشارد فاينمان أول من تحدث عن مفهوم الحوسبة الكمومية في عام 1981.
وقد جاء حديثه عن هذا المفهوم في ورقة بحثية بعنوان "Simulating Physics with Computers" (محاكاة الفيزياء باستخدام أجهزة الكمبيوتر). وفيها، اقترح فاينمان أن محاكاة أنظمة الكم المعقدة قد تتطلب أجهزة كمبيوتر تستغل ظواهر ميكانيكا الكم نفسها، مما يمهد الطريق لفكرة الحوسبة الكمومية.
ما هي الحوسبة الكمومية؟
وبحسب موقع "أي بي أم"، فالحوسبة الكمومية مجال ناشئ في علوم وهندسة الحاسوب، يُسخّر الخصائص الفريدة لميكانيكا الكم لحل مشكلات تتجاوز حتى قدرة أقوى الحواسيب الكلاسيكية.
ويشمل مجال الحوسبة الكمومية مجموعة من التخصصات، بما في ذلك الأجهزة الكمية وخوارزميات الكم. وبينما لا تزال تقنية الكم قيد التطوير، ستتمكن قريبًا من حل مشكلات معقدة لا تستطيع الحواسيب العملاقة الكلاسيكية حلها، أو لا تستطيع حلها بالسرعة الكافية.
وباستخدام فيزياء الكم، ستتمكن الحواسيب الكمية واسعة النطاق من معالجة بعض المشكلات المعقدة بسرعة أكبر بكثير من الحواسيب الكلاسيكية الحديثة. باستخدام الحاسوب الكمومي، قد تُحل بعض المشكلات التي قد يستغرق حلها حاسوب كلاسيكي آلاف السنين في دقائق أو ساعات.
وعلى عكس الحواسيب التقليدية التي تعالج البيانات على شكل بتات ثنائية (0 أو 1)، يمكن للبتات الكمومية (الكيوبتات) أن توجد في حالات متعددة في وقت واحد. وتمكّنها هذه القوة الحسابية الإضافية من حل المشكلات المعقدة في جزء بسيط من الوقت الذي تستغرقه الحواسيب التقليدية.
الاستثمار في تقنية الكم
ونتيجة لذلك، بدأ بالفعل السباق العالمي نحو التفوق الكمومي. وتستثمر دولٌ مثل المملكة المتحدة بكثافة في حاضنات الكم، مُرسّخةً مكانتها كقادة عالميين في هذا المجال. في القطاعات الخاضعة لرقابة شديدة، مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية، يُحرز بعض الرواد تقدمًا ملحوظًا في تطوير الأجهزة والتطبيقات للحماية من الهجمات الإلكترونية، واستيفاء معايير الامتثال، وضمان حماية البيانات السرية.
ووفق موقع "سي أن بي سي"، تُنفق بعض أقوى المؤسسات في العالم، بما في ذلك "غوغل" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"آي بي إم" والحكومة الأميركية، ملايين الدولارات في سباقٍ لتطوير وبناء أول حاسوب كمي عملي.
ووفقًا لتقرير صادر عن شركة "ماكينزي"، استقطبت الشركات الناشئة المُركّزة على تكنولوجيا الكم حوالي ملياري دولار العام الماضي، مع توافد المستثمرين على قطاعٍ قد يحقق إيراداتٍ تُقارب 100 مليار دولار خلال عقدٍ من الزمن. وحققت شركات الحوسبة الكمومية إيراداتٍ تقل عن 750 مليون دولار في عام 2024، وفقًا للتقرير نفسه.
وفي السنوات الأخيرة، أحرزت الحواسيب الكمومية تقدمًا ملحوظًا، مع اعتمادها المبكر من قبل الحكومات والأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي، مما مهد الطريق لتطبيقات أوسع.
ويقول موقع "سينس ديلي" إن الحواسيب الكمومية قد تتمكن يومًا ما من معالجة مشكلات تتجاوز بكثير قدرة أقوى الحواسيب العملاقة الحالية. فقوتها الحاسوبية الثورية قادرة على إحداث نقلة نوعية في مجالات كالطب والطاقة والتشفير والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية.
إنجازات في تقنية الكم
ومن بين الابتكارات الحديثة التي أحدثت ضجة، شريحة "غوغل" الكمومية الجديدة "ويلو"، التي تفوقت في أدائها حتى على أفضل حاسوب عملاق في العالم في اختبار متقدم، وفق ما ذكرت مجلة "فوربس".
وبينما يعتقد الكثيرون أننا على بُعد عقدين من الزمن من التبني الواسع النطاق لتقنية الكم، فإن هذا النوع من التقدم يشير إلى أننا قد نشهد المزيد من الإنجازات المهمة خلال السنوات الثلاث المقبلة، بفضل قوة معالجة الحواسيب الكمومية. كما تشير ابتكارات مثل "ويلو" إلى أننا في بداية مرحلة جديدة في الحوسبة المتطورة.
وكانت شركة "غوغل" هي أول من أعلن تفوقها الكمي في عام 2019، ووصفت إنجاز حاسوبها الكمي بأنه "معيار". وتقول "غوغل" إن باحثين أعطوا حاسوبًا تعليمات عشوائية لجعل مسألة ما معقدة قدر الإمكان في ظل ميكانيكا الكم، ثم تمكن باحثوها من إثبات أن الحاسوب الكمي أسرع في فك رموز المسألة الكمية.
كما حقّق باحثون من جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في السويد، بالتعاون مع فرق من جامعات ميلانو وغرناطة وطوكيو، إنجازًا كبيرًا. ولأول مرة، طوّروا طريقةً لمحاكاة نوع خاص من الحوسبة الكمومية المُصحّحة للأخطاء بدقة، وهي طريقة كانت نمذجتها شبه مستحيلة سابقًا، وفق "سينس ديلي".
أسس الاتصال الكمي
وكما هو الحال مع الذكاء الاصطناعي، تعتمد تقنية الكم على شبكة قوية وقابلة للتوسع لإطلاق كامل إمكاناتها. فبدون بنية تحتية رقمية أساسية، لا يمكن للذكاء الاصطناعي ولا الكم أن يرتقيا من الإمكانات النظرية إلى التطبيق العملي.
ووفق "فوربس"، يُعلّمنا التاريخ مرارًا وتكرارًا أن البناء بتقنيات مثل الكم بسرعة كبيرة يمكن أن يكون له تداعيات كبيرة على المجتمع دون تطبيق أخلاقيات الابتكار. وعلى الرغم من الفوائد التي ستجلبها تقنية الكم، لا يمكن المبالغة في أهمية مواجهة تحديات الأمن السيبراني.
فحتى أكثر أنظمة التشفير تقدمًا معرضة لخطر الاختراق من قِبل الحواسيب الكمومية إذا ما وقعت في أيدٍ خاطئة. من خلال بناء الدفاعات المناسبة ودمج تقنيات التشفير ما بعد الكم (PQC) وتوزيع المفاتيح الكمومية (QKD)، يُمكن للشركات تطوير شبكات مرنة وفعّالة محمية من التهديدات الجديدة التي تُحارب الكم بالكم.
المخاوف من "يوم Q"
ووفق "سي أن بي سي"، يخشى باحثو الأمن مما يُطلقون عليه "يوم Q"، أو اليوم الذي يُصنع فيه حاسوب كمي فعّال، إذ يتوقعون فوضى عارمة عندما تبدأ كلمات المرور والتشفير بالفشل بشكل غامض.
وقد صرّح البيت الأبيض في عهد بايدن عام 2022 في مذكرة للأمن القومي: "إنه إلى جانب فوائدها المحتملة، تُشكّل الحوسبة الكمية أيضًا مخاطر كبيرة على الأمن الاقتصادي والقومي للولايات المتحدة". وجاء في المذكرة أن حاسوبًا كميًا ذا أهمية تشفيرية "قد يُعرّض الاتصالات المدنية والعسكرية للخطر، ويُقوّض أنظمة الإشراف والرقابة على البنية التحتية الحيوية، ويُعطّل بروتوكولات الأمن لمعظم المعاملات المالية عبر الإنترنت".
وترى "فوربس" أن نجاح تقنية الكم في التغلب على تحدياتها يعتمد حتمًا على الشراكات، سواء في البحث والتطوير أو الهندسة أو التبني أو التوزيع.
وأبرزت المناقشات المبكرة حول الكم أهمية بناء فهمٍ مشترك لتحديات هذه التقنية وفرصها في مختلف القطاعات والمناطق الجغرافية. وفي الوقت الحالي، لا تزال المناقشات القائمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة رفيعة المستوى، فيما يفتقر التعاون الدولي الأوسع لمعالجة المخاوف الأمنية.
وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولية، فإن الحوسبة الكمومية تحمل إمكانيات هائلة لإحداث ثورة في مجالات متنوعة، من اكتشاف الأدوية وتصميم المواد الجديدة إلى تعزيز الذكاء الاصطناعي وتشفير البيانات، مما يفتح آفاقًا غير مسبوقة للابتكار العلمي والتكنولوجي.