مع انتصاف ليل 31 أغسطس/ آب، انتهى الصيف وبدأ الخريف. هذا على الأقل ما يقوله علماء الأرصاد الجوية. أمّا الفلكيون، فلا يزالون يعدّون الأيام من الصيف، ولن يعلنوا وصول الفصل الجديد قبل مرور ثلاثة أسابيع أخرى.
لا يعني ذلك أن أحد الفريقين أخطأ في التقويم، ولا أن للأرض أكثر من موعد لتبديل فصولها. فالخلاف كله يعود إلى السؤال الذي يحاول كل فريق الإجابة عنه:
أم وفق طريقة تتيح جمع بيانات الطقس ومقارنة فصل بآخر؟
في الحالة الأولى يبدأ الخريف عند وقوع الاعتدال في لحظة فلكية دقيقة. وفي الثانية، يبدأ دائمًا في الأول من سبتمبر/ أيلول، لأن الأشهر الكاملة أكثر ملاءمة لحساب درجات الحرارة والأمطار ورصد تحولات المناخ.
فمتى يبدأ فصل الخريف فعلًا؟ ولماذا يمنح خبراء الأرصاد سبتمبر كاملًا للفصل الجديد، فيما ينتظر الفلكيون حتى يومه الثالث والعشرين؟
الأول من سبتمبر.. خريف على دفاتر الأرصاد
بدأ الخريف المناخي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية اليوم، الأول من سبتمبر، وسيستمر حتى 30 نوفمبر/ تشرين الثاني. وهذه المواعيد لا تتغير من سنة إلى أخرى، مهما اختلف توقيت الاعتدال الخريفي.
يقسم خبراء الأرصاد السنة إلى أربعة فصول، يضم كل منها ثلاثة أشهر كاملة: الربيع من مارس/ آذار إلى مايو/ أيار، والصيف من يونيو/ حزيران إلى أغسطس، والخريف من سبتمبر إلى نوفمبر، والشتاء من ديسمبر/ كانون الأول إلى فبراير/ شباط.
لم يُعتمد هذا التقسيم لأنه يطابق لحظة محددة في حركة الأرض، وإنما لأنه يجعل رصد الطقس ومقارنة البيانات المناخية أكثر انتظامًا. فعندما يريد الباحثون حساب متوسط حرارة الصيف أو كمية أمطار الخريف، يكون التعامل مع ثلاثة أشهر كاملة أسهل من التعامل مع فصل يبدأ في ساعة مختلفة كل عام.
كما يسمح هذا التقسيم بمقارنة الفصول بصورة متسقة: خريف 2026 يعني الفترة نفسها تمامًا التي قصدها الباحثون عند الحديث عن خريف 2025 أو خريف 1990. فلا يضطرون إلى نقل ساعات أو أجزاء من الأيام بين فصلين تبعًا لموعد حدث فلكي متغير.
الفلكيون ينتظرون موقعًا لا تاريخًا
يتعامل الفلكيون مع بداية الخريف بطريقة مختلفة. فمرجعهم ليس أول الشهر، وإنما موقع الأرض في رحلتها السنوية حول الشمس، وميل محورها بنحو 23.5 درجة.
هذا الميل هو السبب الأساسي في تعاقب الفصول، وليس اقتراب الأرض من الشمس أو ابتعادها عنها كما يُعتقد أحيانًا. فعندما يميل النصف الشمالي نحو الشمس، تصل إليه الأشعة بزاوية أكثر مباشرة، ترتفع الشمس في السماء وتطول ساعات النهار، فيحل الصيف. وفي الوقت نفسه، يكون النصف الجنوبي مائلًا بعيدًا عنها ويعيش الشتاء.
ومع تقدم الأرض في مدارها، تصل إلى موقع لا يميل فيه أحد نصفيها نحو الشمس أكثر من الآخر. عندها تعبر الشمس ظاهريًا خط الاستواء السماوي من الشمال إلى الجنوب، ويقع ما يعرف بـالاعتدال الخريفي.
في عام 2026، تقع هذه اللحظة عند الساعة 00:05 بالتوقيت العالمي يوم 23 سبتمبر، أي الساعة 03:05 فجرًا بتوقيت بيروت. عندها فقط يبدأ الخريف الفلكي في النصف الشمالي، بينما يبدأ الربيع الفلكي في النصف الجنوبي.
لماذا يتغير موعد الاعتدال؟
تكمل الأرض دورتها حول الشمس في نحو 365 يومًا وربع اليوم، فيما تضم السنة التقويمية العادية 365 يومًا فقط. ولهذا نضيف يومًا إلى فبراير كل أربع سنوات تقريبًا، حتى لا تنزلق تواريخ الفصول تدريجيًا عبر التقويم.
تمنع السنة الكبيسة هذا الانزلاق، لكنها لا تثبّت موعد الاعتدال عند الساعة نفسها من كل عام. لذلك يقع اعتدال سبتمبر غالبًا في 22 أو 23 من الشهر، وقد يأتي نادرًا في 21 أو 24 منه.
وتوضح مواعيد الاعتدالات والانقلابات أن الاعتدال الخريفي وقع في 22 سبتمبر عام 2025، لكنه يحل بعد منتصف الليل بالتوقيت العالمي في 23 سبتمبر هذا العام، قبل أن يعود إلى 23 سبتمبر أيضًا في 2027 بتوقيت عالمي مختلف.
هذه المرونة التي يقبلها الفلكيون لا تناسب الجداول المناخية كثيرًا. ومن هنا جاء الفارق بين تقويم يتبع حركة الأرض لحظة بلحظة، وتقويم يضع حدودًا ثابتة تساعد على القياس.
لا يعني بدء الخريف في التقويم تبدل الطقس فجأة، إذ تصل علاماته وفق ظروف كل منطقة - غيتي
هل يتساوى الليل والنهار في الاعتدال؟
يحمل اسم الاعتدال إيحاءً بأن الليل والنهار يتقاسمان الساعات بالتساوي، لكن ما يحدث على أرض الواقع أقل دقة بقليل.
في لحظة الاعتدال، يكون مركز الشمس فوق خط الاستواء، ويحصل نصفا الكرة الأرضية على مقدار متقارب من الضوء. لكن مدة النهار المرصودة تبقى أطول قليلًا من 12 ساعة في معظم الأماكن.
يعود ذلك جزئيًا إلى طريقة حساب الشروق والغروب. يبدأ النهار عند ظهور الحافة العليا للشمس، ولا ينتهي إلا بعد اختفاء حافتها العليا تحت الأفق. كما يكسر الغلاف الجوي أشعة الشمس، فتظهر لنا قبل أن ترتفع هندسيًا فوق الأفق وتظل مرئية قليلًا بعد هبوطها تحته.
لذلك يعني الاعتدال أن الليل والنهار متقاربان في المدة، لا متساويان تمامًا. وقد يقع اليوم الذي يقترب فيه التساوي الفعلي أكثر، المعروف أحيانًا باسم "يوم التساوي"، قبل الاعتدال أو بعده تبعًا لخط العرض.
لماذا لا نشعر بالخريف فورًا؟
قد يبدأ الخريف على الورق وتبقى الحرارة صيفية. ففي شرق المتوسط مثلًا، يستطيع سبتمبر الاحتفاظ بأيام حارة ورطبة، بينما قد تصل موجة باردة إلى منطقة أخرى قبل الاعتدال وتجعل الخريف محسوسًا في أغسطس نفسه.
لا تعمل الفصول كمفتاح يُطفئ الصيف ويشغّل الخريف في لحظة واحدة. تحتفظ اليابسة، وخصوصًا البحار، بجزء من الحرارة التي امتصتها خلال الأشهر السابقة، ثم تطلقها تدريجيًا. ولهذا غالبًا ما تأتي أشد أيام الصيف حرارة بعد الانقلاب الصيفي، مع أن ساعات النهار تكون قد بدأت أصلًا في التناقص.
يتحكم الطقس اليومي أيضًا في حركة الكتل الهوائية وأنظمة الضغط والرطوبة وحرارة سطح البحر والتضاريس. وقد يبدأ الخريف المناخي من دون انخفاض ملحوظ في الحرارة، أو يبدأ الخريف الفلكي وسط موجة حارة.
حتى الأشجار لا تنظر إلى التقويم. يتأثر تغير لون أوراقها بطول النهار والحرارة والمطر والرطوبة، فيما ترتبط هجرة الطيور واستعداد الحيوانات للشتاء بمزيج من الضوء والطقس وتوافر الغذاء.
لا تتغير مظاهر الطبيعة في يوم واحد، إذ تستجيب النباتات للضوء والحرارة والرطوبة - غيتي
للخريف موعد ثالث تصنعه الطبيعة
إلى جانب الخريف المناخي والفلكي، يتحدث الباحثون عن الفصول الظاهرية أو البيولوجية، التي تُرصد من خلال ما يحدث للنباتات والحيوانات: تفتح الأزهار، نضج الثمار، تغير لون الأوراق، الهجرة أو السبات.
لا يملك هذا الخريف تاريخًا موحدًا، وقد يختلف بين مدينتين في البلد نفسه، وبين عام وآخر في المكان ذاته. كما تستطيع موجات الحر والجفاف وتغير أنماط الأمطار تقديم بعض علاماته أو تأخيرها.