الخط الساخن بين واشنطن وموسكو.. كيف ساهم اتصال سري في تجنّب حرب نووية؟
فالنظام لم يكن هاتفًا، ولم يكن أحمر اللون، ولم يكن موجودًا في المكتب البيضاوي، بل كان عبارة عن خط اتصال كتابي يعتمد على أجهزة "التليتايب"، وتمركزت محطته الأميركية الرئيسية في البنتاغون.
أزمة كوبا تكشف الحاجة إلى اتصال أسرع
جاء إنشاء الخط بعد أشهر من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي كادت تدفع القوتين إلى مواجهة نووية، ففي أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، اكتشفت واشنطن نشر صواريخ سوفييتية نووية في كوبا، وفرض الرئيس جون كينيدي حصارًا بحريًا على الجزيرة، ورفعت القوتان جاهزيتهما العسكرية.
لم يكن كينيدي والزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف قادرين على التواصل المباشر، وكانت الرسائل تنتقل عبر السفارات ووزارات الخارجية والبرقيات المشفرة، ثم تحتاج إلى فكها وترجمتها قبل وصولها إلى صانع القرار.
وأظهرت الأزمة خطورة هذا التأخير، ففي 26 أكتوبر، أرسل خروتشوف رسالة عرض فيها تسوية تقوم على سحب الصواريخ السوفييتية مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا، وفي اليوم التالي وصلت رسالة أخرى أكثر تشددًا، ربطت التسوية أيضًا بالصواريخ الأميركية الموجودة في تركيا، وأُسقطت طائرة استطلاع أميركية فوق كوبا، ما زاد خطر التصعيد.
كيف وصل الخط إلى موسكو؟
في 20 يونيو/ حزيران 1963، وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في جنيف مذكرة لإنشاء "رابط الاتصالات المباشرة"، ولم يكن المقصود كابلًا واحدًا بين البيت الأبيض والكرملين، بل شبكة اتصالات كان مسارها الأساسي يمر من واشنطن إلى لندن وكوبنهاغن وستوكهولم وهلسنكي، ثم إلى موسكو.
وأُنشئ مسار لاسلكي احتياطي عبر طنجة، واعتمد النظام على أجهزة "التليتايب"، إذ كانت واشنطن ترسل رسائلها بالإنكليزية والأبجدية اللاتينية، بينما ترسل موسكو رسائلها بالروسية والأبجدية السيريلية، ويتولى الطرف المستقبل الترجمة، مع استخدام وسائل تشفير لحماية المراسلات.
وفي 30 أغسطس/ آب 1963 أصبح النظام جاهزًا للعمل، وخضع لاختبارات دورية للتأكد من جاهزيته.
كما تتيح الاحتفاظ بسجل دقيق لما قاله كل طرف، وتمنح القادة فرصة للتفكير قبل الرد.
الشرق الأوسط أول اختبار كبير
ظهر الدور العملي للخط خلال حرب يونيو/ حزيران 1967، عندما أرسل رئيس الوزراء السوفييتي أليكسي كوسيغين رسالة إلى الرئيس الأميركي ليندون جونسون في 5 يونيو، مع اندلاع الحرب بين إسرائيل والدول العربية.
وساعدت الاتصالات في توضيح المواقف والتحركات العسكرية، خصوصًا لمنع تفسير تحركات الأسطول الأميركي في البحر المتوسط كاستعداد لمواجهة الاتحاد السوفييتي، وعاد الخط إلى الواجهة خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، مع تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو.
ولم يبق الخط على صورته الأولى، ففي عام 1971 أضيفت قنوات تعتمد على الأقمار الاصطناعية لتعزيز موثوقية الاتصال، ثم أضيفت خدمة الفاكس عام 1986 لإرسال الخرائط والوثائق إلى جانب النصوص.
لاحقًا، تطورت أنظمة الاتصال الآمنة وظهرت قنوات للإخطارات العسكرية والنووية، أما الهاتف الآمن الذي ظهر لاحقًا فلم يكن النظام نفسه.
خط لمنع الحرب لا لصنع السلام
لم يكن الهدف من الخط الساخن بناء الثقة بين القوتين، بل تقليل احتمال اندلاع حرب بسبب سوء التقدير، ففي العصر النووي، قد تبدأ الكارثة بإنذار خاطئ، أو حركة عسكرية أسيء تفسيرها، أو رسالة وصلت متأخرة.
لهذا لم تكن أهمية الخط في أنه سمح للزعيمين بالحديث فحسب، بل في أنه منح كل طرف وسيلة لإبلاغ الآخر بنواياه قبل تحول الشكوك إلى قرارات عسكرية.