يُعد الخط المبسوط الجزائري أحد أبرز تجليات فن الخط العربي، إذ يجمع بين وضوح القراءة وجمالية الشكل في أسلوب متوازن ومتماسك.
ويتميز هذا الخط بقدرته على تقديم نصوص واضحة وسلسة، دون أن يفقد طابعه الفني الأصيل.
وفي هذا الخط، تمتد الحروف أفقيًا على السطر بانسيابية، مع منحنيات لينة ونهايات ممدودة، ما يمنح الكلمات إيقاعًا بصريًا هادئًا ومريحًا للعين.كما يتسم ببناء واضح للحروف، وتباعد مدروس بين الكلمات، ما يسهل متابعة النص ويعزز تجربة القراءة.
الخط المبسوط الجزائري
ويعتمد المبسوط الجزائري على بساطة منظمة بعيدًا عن الزخرفة الثقيلة، مع سُمك شبه موحد للحروف، الأمر الذي يضفي استقرارًا بصريًا على السطر ويمنحه طابعًا متماسكًا.
برز هذا الخط في أعمال الخطاطين الجزائريين الذين منحوه بصمتهم الخاصة، سواء في المخطوطات أو الزخارف أو الواجهات المعمارية.
ويُعد دخوله عالم الطباعة محطة مفصلية في تاريخه، حيث يُعتبر "المصحف الرودوسي" المطبوع عام 1922 من أوائل الأعمال التي اعتمدت هذا الأسلوب.
ولم يقتصر استخدامه على كتابة المصحف الشريف، بل امتد إلى الحروفيات والنصوص الفنية والمخطوطات الرسمية، وحتى المسكوكات.
من الأندلس إلى الجزائر
وفي لقاء له مع برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي 2"، تحدث الخطاط محمد بن عزوز عن بداياته مع فن الخط العربي قائلاً: "انطلقت رحلتي مع الخط سنة 2001، حين كنت في السادسة عشرة من عمري، وكان شغفي كبيرًا بمختلف أنواع الخطوط العربية".
وأضاف: "في عام 2017 اكتشفت وجود خط جزائري يُعرف بالمبسوط الجزائري، وذلك من خلال الاطلاع على المصحف التاريخي الجزائري، مصحف الرودوسي، الذي يُعد أحد أبرز ملامح الهوية الفنية في الجزائر. فالخط العربي بطبيعته فن يحتاج إلى تعليم وصبر وممارسة طويلة".
وتابع: "من هنا جاءت فكرة نقل هذا الفن إلى الأجيال القادمة عبر تنظيم ورشات متخصصة في هذا الخط، لنغوص معًا في تفاصيله ونكتشف جماليات المبسوط الجزائري".
وأردف الخطاط محمد بن عزوز قائلاً: "حين نتحدث عن الخط المبسوط الجزائري، نستحضر مباشرة المصحف التاريخي، أول مصحف طُبع في الجزائر، وهو مصحف الرودوسي الذي خطه محمد الشرادي".
وقال: "طُبع هذا المصحف لأول مرة سنة 1922، ثم أُعيدت طباعته بعد المراجعة والتنقيح سنة 1931، وكانت هذه النسخة الأوسع انتشارًا في شمال إفريقيا. هذا المصحف هو الذي أبرز لنا الخط المبسوط الجزائري وأخرجه إلى الواجهة".
وأشار بن عزوز إلى أن "هذا الخط في أصله يعود إلى الخط الأندلسي الذي ظهر في القرن الحادي عشر والثاني عشر. وقد اعتمدت على مخطوط مصحف إشبيلية المكتوب في القرن الثالث عشر، حيث وجدت أن تفاصيل حروفه تتشابه مع المبسوط الجزائري بنسبة تقارب 80%، وهو تشابه كبير".
إحياء الخط المبسوط الجزائري
وأوضح: "هذا يبين أن المبسوط الجزائري هو امتداد للخط الأندلسي مع بعض التغييرات والإضافات التي جعلته يحمل هوية خاصة. فمثلًا، حرف الفاء الوسطي يختلف عن الأندلسي القديم، وكذلك بعض تفاصيل الراء والطاء والكاف".
واستطرد: "وعند مقارنته بخطوط مثل الثلث أو الديواني الجلي، نجد أنه مختلف عنها لأنه ينتمي إلى عائلة أخرى. وإذا تحدثنا بمنطق العائلات، فإن المبسوط الجزائري تطور عن الكوفي، إذا صح التعبير".
وقال الخطاط محمد بن عزوز: "يمكن أن نحرر الخط المبسوط الجزائري من وظيفته التقليدية المرتبطة بالمصاحف والكتابات، لنوظفه في مجالات فنية أخرى، مثل اللوحات المعاصرة أو الأعمال الحروفية التي تُبرز الهوية والذوق الجزائري بشكل أوضح".
وأضاف: "في عام 2024 حظيت بفرصة مميزة لكتابة المصحف الشريف بالخط المبسوط الجزائري، وخلال هذه التجربة أجريت بحثًا معمقًا حول تاريخ مصحف الرودوسي وأصول هذا الخط وتفاصيله، لكن المشروع لم يُكتب له النجاح".
وتابع: "رغم ذلك، فإن المساعي ما زالت قائمة، وربما يكون هناك مشروع مستقبلي لإحياء الخط المبسوط الجزائري وتجديده وتقديمه للأجيال القادمة بصورة أفضل".