الدراما السورية بعد سقوط الأسد.. استعادة صيدنايا ومحاولات العودة إلى مجد مضى
يمكن اعتبار موسم رمضان الحالي بدايةَ عودة الدراما السورية إلى نفسها، بعد نحو أربعة عشر عامًا من الاحتضار المُعلَن، قاومه الفنانون وصنّاع الدراما بالتحايل حينًا، أو بالهجرة والعمل ضمن إنتاجات عربية - سورية مشتركة حينًا آخر.
وخلال تلك السنوات، تفاوتت الأعمال بين ما يمكن تسميته بـ"التتريك" وبين دراما "الفقاعة الطبقية"، فيما اختفت، أو كادت، الملامح الكبرى لدراما سورية كانت قد تسيّدت المشهد العربي إلى حدٍّ بعيد في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي.
يومها، تجلّى اهتمامٌ واضح بالقضايا الاجتماعية ورصد تحوّلات المجتمع الشامي، بذكاءٍ في المقاربات الفنية، دفع الدراما السورية إلى مستوى رفيع لم تبلغه نظيراتها في المنطقة إلا قليلًا.
دراما الواقع تحت حكم الأسد
إنها دراما شاسعة، متعدّدة العناصر، بآلاف الأبطال "الصغار" المنسيين؛ تتكوّن من قصص لا تُحصى عن تمزّق العائلات، والاغتصاب، والموت غرقًا في البحر المتوسط، والتيه في دول اللجوء القريبة مثل تركيا والأردن ولبنان، والبعيدة الباردة على الجانب الأوروبي من المتوسط، وصولًا إلى الثقب الأسود للقمع في الداخل، ممثّلًا بسجن صيدنايا.
هناك، دُفن أو ذاب أو اختفى قسرًا آلاف المعارضين، وكثيرٌ منهم لا علاقة له بالسياسة أصلًا. وهكذا انفتح المشهد السوري على فضاءٍ واسع من الدراما المكثّفة والعميقة والمتداخلة، لآلاف البشر الذين استيقظوا فجر الثامن من ديسمبر 2024 على خبر فرار الأسد.
يبقى السؤال:
قد يكون من المبكر تقديم إجاباتٍ قاطعة عن أسئلة كهذه، لكن اللافت أن الدراما السورية، في أول عودة حقيقية لها بعد سقوط الأسد، استطاعت أن تنهض ولو جزئيًا، وأن تبدأ قطيعةً تدريجية مع سنوات الدراما التجارية، و"النساء الجميلات اللواتي يعانين السأم"، والقبضايات، وأوكار المخدرات.
وهي تحدّق للمرة الأولى، بهذه الحِدّة، في الوعي السوري الجريح والمُهان والمنكسر خلال سنوات القمع المديدة، وما خلّفته من تشوّهات نفسية جماعية وتمزّقات اجتماعية.
"السوريون الأعداء" في مسلسل لم يُعرض
ربما كان مسلسل "السوريون الأعداء"، الذي خرج من سباق الموسم الدرامي الحالي، خيرَ ما يعبّر عن الانتقال العسير للدراما السورية بعد سقوط نظام الأسد، في محمولاتها وموضوعاتها.
المسلسل مأخوذ عن نصٍّ روائي لفواز حدّاد، بما يعني أنه قارب موضوعه بعينٍ متأمّلة ومتمهّلة، ولم يخضع بالكامل لمعايير المنافسة الآنية التي تُغري بالتسرّع في بناء القصة. غير أن مشكلات إنتاجية حالت دون إكماله في الوقت المناسب للعرض.
أخرج العمل الليث حجو عن رواية بالاسم نفسه للروائي السوري فواز حدّاد، وهو من بطولة بسّام كوسا، وسلوم حدّاد، ووسام رضا، وفادي صبيح، ويارا صبري، وآخرين.
ويتكوّن من ثلاث وحدات درامية تتناول تحوّلات المجتمع السوري من أواخر ستينيات القرن الماضي وصولًا إلى عام 2011 (عام انطلاق الثورة السورية الشعبية ضد النظام)، مرورًا بمجزرة حماة عام 1982.
وأثار البدء بتصوير المسلسل لغطًا واسعًا حول أبطاله، وتساؤلات عن مدى قدرتهم على تقديم أعمال درامية تمثّل مراجعاتٍ قاسية لحقبة نظام الأسد (الأب والابن)، فيما كان بعضهم، بحسب منتقدي المسلسل، جزءًا من ذلك النظام أو متواطئًا معه على نحوٍ ما.
صيدنايا في مسلسلين
لكن أسئلة كهذه تبدو أكثر حضورًا وحدّة في حالة مسلسل "سجون الشيطان" الذي أخرجه صفوان مصطفى نعمو، وقام ببطولته غسّان مسعود، وسلّوم حدّاد، وفايز قزق، ويستند في قصته إلى شهادات معتقلين في سجون الأسد.
وبحسب ما أوضح المخرج، في حوارٍ صحافي، فإن مسلسله الذي كان يحمل اسم "قيصر.. لا زمان لا مكان" في البداية "ليس مجرد دراما تقليدية، بل شهادة تاريخية توثّق الأحداث كما عاشها أصحابها". وأشار إلى أنه صُوّر "في أماكن حقيقية، لأنها تحمل بين جدرانها قصصًا حقيقية، ولإضفاء أقصى درجات الواقعية على الأحداث".
وتركّزت الانتقادات على موقف بطل المسلسل غسان مسعود المؤيّد للنظام، إذ استعاد منتقدوه مقابلاتٍ صحافية أُجريت معه اعتبر فيها "الجيش العربي السوري ضمان السيادة الكبرى"، كما رفض ما كان يصفه بـ"شيطنة" الجنود السوريين "البواسل".
وكان مسعود شارك عام 2020 في المسلسل البوليسي "مقابلة مع السيد آدم"، الذي استُخدمت فيه صور لضحايا نظام الأسد في السجون، وهي صور سرّبها عام 2015 ضابطٌ منشق عُرف باسمٍ مستعار هو "قيصر". وحاول المسلسل آنذاك خلق انطباع بأن ضحايا التعذيب قضوا نتيجة جرائم جنائية، لا بسبب قمع النظام نفسه.
وردّ مسعود على الانتقادات المتعلقة بدوره في "سجون الشيطان" قائلًا إن مشاركته "تمثّل مسؤولية فنية وأخلاقية"، لأن العمل "ليس مجرد دراما، بل توثيق لمرحلة مفصلية في تاريخ سوريا". وأضاف: "الشخصيات التي نؤديها ليست من وحي الخيال، بل أصوات حقيقية عانت وواجهت مصيرها في تلك الفترة".
سلطان الغالب و"الخروج إلى البئر"
تدور أحداث مسلسلٍ آخر حول صيدنايا أيضًا، وتنطلق منه لمعاينة أساليب النظام في توظيف معتقليه في مهام سرّية وقذرة، مستغلًا نقاط ضعفهم الإنسانية.
ففي مسلسل "الخروج إلى البئر" نتابع قصة "سلطان الغالب" الذي يجد نفسه أمام عرضٍ قاسٍ وظالم يقدّمه له النظام مقابل الإفراج عنه من المعتقل: أن يذهب إلى العراق، حيث كان يقاتل الاحتلال الأميركي، لإقناع أحد رفاقه القدامى هناك بالتحالف سرًّا مع النظام، وإلا فسيظل في قبضته.
المسلسل من إخراج محمد لطفي وسيناريو سامر رضوان، وبطولة جمال سليمان، وكارمن لبس، وواحة الراهب، وعبد الحكيم قطيفان، وآخرين.
وكان سامر رضوان، الذي كتب مسلسل "ابتسم أيها الجنرال"، قد انتهى من كتابة "الخروج إلى البئر" قبل نحو ثلاثة أشهر من العمليات العسكرية التي شنّتها المعارضة للإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024. وكان من المقرّر تصويره في الأردن لا في سوريا.
كاريس بشار "بخمس أرواح"
إضافة إلى هذه الأعمال، يُعرض أيضًا مسلسل "عيلة الملك"، وتدور أحداثه حول التاجر "جبري الملك" الذي يتخلّى عن عائلته الفقيرة ويتزوّج امرأة نافذة تساعده على مراكمة الثروة، قبل أن تبدأ الجهات الأمنية بملاحقته، وتنقلب حياته رأسًا على عقب.
والمسلسل من إخراج محمد عبد العزيز، وبطولة سلّوم حدّاد وعبد الهادي الصبّاغ وسلمى المصري.
كما يعود قصي خولي في موسم الدراما الرمضانية الحالي في "بخمس أرواح" مع كاريس بشار، وتيم حسن في "مولانا" مع النجمة منى واصف.
وتعود سلافة معمار في "سعادة المجنون" مع عابد فهد وباسم ياخور، وسامر المصري في "النويلاتي" مع ديمة قندلفت ونادين تحسين بيك، وباسل خيّاط في "أنا وهي وهيا" مع تاج حيدر ورهام القصار ولجين إسماعيل.