الجمعة 3 فبراير / فبراير 2023

الدولار الجمركي والفراغ الرئاسي.. إلى أين تتّجه الأزمة في لبنان؟

الدولار الجمركي والفراغ الرئاسي.. إلى أين تتّجه الأزمة في لبنان؟

Changed

ناقش "للخبر بقية" تداعيات الفراغ الرئاسي على الوضع الاقتصادي في لبنان (الصورة: غيتي)
ما هي تداعيات إخفاق البرلمان اللبناني للمرة الثامنة في انتخاب رئيس للجمهورية، في ظل استمرار الانقسامات السياسية واستفحال الأزمات الاقتصادية؟

رغم مرور أكثر من شهر على الفراغ الرئاسي، يترقّب المواطن اللبناني أن تلفظ مؤسسات بلاده أنفاسها الأخيرة، وهو يتابع بحسرة ما بات يُوصف في الإعلام اللبناني بـ"مسرحيات انتخابية تعطيلية لا أكثر".

وكان آخر فصول هذه "المسرحية" إقدام 52 نائبًا على تعبئة صندوق الاقتراع الأشهر في بيروت بأوراق بيضاء، حيث يعتبر بعضهم أنه من الضروري التوافق قبل الاختيار.

قرارات مهمة وحاسمة

ولم يرق السيناريو المكرّر والمملّ للكثير من النواب، ما دفع بعضهم إلى وصف ما يحصل بأنه يضع دور البرلمان خارج إطاره الصحيح، مطالبين رئاسة المجلس المغلوب على أمرها بدعوة رؤساء الكتل النيابية إلى الاجتماع وتذكيرهم بواجباتهم، واحترام المهل الدستورية التي نادرًا ما يُتوافق عليها في لبنان.

وعادة ما يتمّ تأخير القرارات المهمة والحاسمة في الدولة كتشكيل الحكومة، وانتخاب الرئيس، وذلك بفعل الصراعات والتسويات والمحاصصة المرتكزة على القاعدة السياسية والطائفية.

ويؤشر الفشل المتواصل في البرلمان إلى أن انتخاب الرئيس سيطول، بمعنى أن الفراغ الرئاسي مستمرّ بوجود حكومة تصريف أعمال، يبدو أنها غير قادرة على اتخاذ قرارات ضرورية ومستحقة، بينما تعيش مؤسسات الدولة في غرف الإنعاش منذ عام 2019، مصابة بداء أفضى إلى انهيارها.

وما يزيد الطين بلّة، أن هذه الحكومة قرّرت تطبيق رسوم جمركية، ما يعني ارتفاع ما يُسمّى بالدولار الجمركي عشرة أضعاف من 1500 ليرة إلى 15 ألفًا، ستطال آثارها جزءًا كبيرًا من المواد الغذائية والمستوردة، والمتضرّر الأوحد هو الشعب.

"حرب اجتماعية"

وأوضح نزار غانم، الباحث الاقتصادي ومؤسس رابطة المودعين في لبنان، أن الدولار الجمركي هو سعر الصرف الخامس في لبنان، وهو جزء من خطة حكومية غير قانونية لتعدّد أسعار الصرف التي ذوّبت أكثر من 60 مليار دولار من أموال المودعين.

وقال غانم، في حديث إلى "العربي" من بيروت، إن الدولار الجمركي سيرفع مستوى التضخّم، ولن يقدّم حلًا للأزمة المالية التي تعاني منها البلاد، مضيفًا أن الحكومة تبحث عن إيرادات نظرًا إلى إفلاسها الكامل، أي تبحث عن البقايا بدلًا من إقرار سياسة حكومية تثبيتية، وخطة مع صندوق النقد تُعيد الانتظام للاقتصاد اللبناني، وبناء النمو.

وعن تعدّد سعر الصرف، شرح أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أعلن عام 2019 أن لبنان يعيش وضعًا استثنائيًا، ولم يقرّ بوجود أزمة مالية، وأبقى على سعر الصرف الأساسي الذي يقرّه قانون النقد والتسليف والبالغ 1500 ليرة لبنانية، وبدأ بسلسلة سياسات غير قانونية شرّعت لأسعار صرف متعدّدة، وتمكّن من قطع جزء كبير من ودائع اللبنانيين.

واعتبر غانم أن الدولار الجمركي هو محاولة للهروب إلى الأمام لا أكثر، مضيفًا أنه لا تبرير منطقيًا اقتصاديًا لذلك، حيث إن سعر الدولار في السوق السوداء يوازي 40 ألف ليرة لبنانية، واصفًا ما يحصل بأنها "سياسة ترقيع".

ورأى أن "المسرحية الكبرى التي يعيشها لبنان من خلافات سياسية وطائفية، ستنتهي بمجرد اتفاق الزعماء والأحزاب على أن ما حصل هو أزمة سياسية لا مالية، وبالتالي تعود المياه إلى مجاريها، وتعود المليارات المهربة إلى الخارج".

الضاهر: الدولار الجمركي "هرطقة اقتصادية"

من جهته، أشار سمير الضاهر، مستشار رئيس حكومة تصريف الأعمال للشؤون الاقتصادية، إلى أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سبق وأعلن أنه في حال وجود أمور حياتية تتعلّق بصحة المواطن اللبناني، فإنه سيعقد جلسة للحكومة، حيث يوافق عدد كبير من المشرّعين على هذا الموقف.

وقال الضاهر، في حديث إلى "العربي"، من بيروت، إن الحكومة، وإن كانت حكومة تصريف أعمال، فقد قامت بجميع الإجراءات الأساسية للشروع في تنفيذ خطة الحكومة اللبنانية التي تمّ الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن الصندوق ليس له إملاءات على الدولة.

وأوضح أن صندوق النقد أعطى إرشاداته للحكومة اللبنانية بحكم خبرته العالمية في البلدان التي عانت من تعثّرات اقتصادية ونقدية، وبما أن لبنان سيستخدم الأموال الممنوحة له من الصندوق، فإنه مجبر على التقيّد بالمعايير التي طلبها الصندوق.

وإذ أشار إلى أن الحكومة اللبنانية أنجزت ما هو مطلوب منها لبدء تنفيذ الاتفاق مع صندوق النقد، أوضح أن هناك تشريعين صدرا عن مجلس النواب في هذا الإطار، هما قانون الموازنة ورفع السرية المصرفية، بينما لا يزال هناك قانونان يتطلبان الإقرار وهما "الكابيتل كونترول" وإعادة هيكلة المصارف.

وأوضح أن الركيزة الأساسية في خطة التصحيح هي توحيد سعر الصرف، والتوصّل إلى استقرار في سعر الصرف، وهو قرار يتخذه المصرف المركزي بالاتفاق مع وزير المالية، مضيفًا أنه لو جرى توحيد سعر الصرف لما دخل البلد في هذه المتاهات وبنوع من الأخطاء الاقتصادية الفادحة على غرار الدولار الجمركي الذي وصفه بـ"الهرطقة الاقتصادية".

 عون: لعبة سياسية كلاسيكية دون جدوى

بدوره، أوضح آلان عون، النائب في البرلمان اللبناني عن "التيار الوطني الحر"، أنه بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، عقد مجلس النواب جلسة تمّ الاتفاق فيها على أن حكومة تصريف الأعمال "غير قائمة بكل مفاعيلها"، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام تشاور رئيس الحكومة مع كل الكتل النيابية من أجل عقد أي جلسة استثنائية للحكومة.  

وقال عون، في حديث إلى "العربي"، من بيروت: من منطلق شخصي أرى أنه يجب ألا يتمّ التعامل مع حكومة تصريف الأعمال على أنها واقع عادي ويمكنها التصرّف بشكل طبيعي، لأن هذا يعني أنه تمّ الاستغناء عن موقع رئيس الجمهورية، وأن البلد يسير من دونه بشكل طبيعي، وهو ما يُشكّل خللًا كبيرًا على صعيد توازن السلطات وعمل المؤسسات.

وأكد أن "التيار الوطني الحر" ليس على اتفاق مع حلفائه في موضوع الرئاسة، وكل طرف له موقفه الخاص في هذا الإطار، مضيفًا أن هناك عجزًا في انتخاب رئيس للجمهورية لعدم امتلاك أي طرف الأكثرية النيابية في ظل توازن سلبي في مجلس النواب، وهو ما لا يُمكن لأي طرف إنكاره.

وأكد أن المسؤولية مشتركة بين الجميع في محاولة التوصّل إلى توافق ما، وهو يتطلّب الليونة في المواقف لا التشبّث بمواقف ثابتة جامدة لا يُمكن أن تُحقّق أي خرق.

وأشار إلى أن "مسار انتخاب رئيس للجمهورية يجب أن يكون مسارًا مستمرًا، سياسيًا بامتياز، وحتى هذه اللحظة نرى مشهدية متكرّرة مملّة، لأن أي طرف لا يقوم بين الجلسة والأخرى بما هو كافٍ لتحقيق خرق ما على صعيد التوافق المطلوب".

وأوضح أن هناك لعبة "عضّ أصابع" و"شدّ حبال"، وأن كل فريق يريد أن يستسلم الفريق الآخر لشروطه، وكل فريق يراهن على تعب الفريق الآخر وتراجعه عن موقفه، رغم أن البلد لم يعد يحتمل، وأن الشعب يعيش انعكاسات سلبية جدًا للانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمالي.

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close