الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

الذكاء الاصطناعي والحياة الرقمية بعد الوفاة.. ما الذي يبقى منا؟

الذكاء الاصطناعي والحياة الرقمية بعد الوفاة.. ما الذي يبقى منا؟

شارك القصة

هل تحفظ النسخ الرقمية ذاكرة الموتى، أم تؤلف شخصيات جديدة تتحدث بأسمائهم؟
هل تحفظ النسخ الرقمية ذاكرة الموتى، أم تؤلف شخصيات جديدة تتحدث بأسمائهم؟
هل تحفظ النسخ الرقمية ذاكرة الموتى، أم تؤلف شخصيات جديدة تتحدث بأسمائهم؟
الخط
تفتح تقنيات الذكاء الاصطناعي بابًا جديدًا للحياة الرقمية بعد الوفاة، إذ بات ممكنًا بناء نسخ تفاعلية تحاكي أصوات الموتى وطرائق كلامهم. لكن هذه الأدوات تطرح أسئلة نفسية وأخلاقية وقانونية حول الحداد والموافقة وملكية البيانات والكلمات التي تُنسب إلى من رحلوا.

حين عرف الألماني مايكل بومر أن سرطان القولون لم يترك له وقتًا طويلًا، لم يكن أكثر ما خشيت زوجته أنيت فقدانه صوته أو صوره فحسب. قالت له إنها ستفتقد القدرة على طرح الأسئلة عليه، إذ كان واسع الاطلاع، يحتفظ في ذاكرته بتاريخ العائلة، ويملك دائمًا قصة أو نصيحة.

من هنا بدأت محاولة بناء نسخة رقمية منه تستطيع الإجابة بعد وفاته.[1]

خلال أسابيع، سجّل بومر عبارات وقصصًا وإجابات عن مراحل مختلفة من حياته، وعملت شركة أميركية ناشئة على تحويل هذه المواد إلى شخصية تفاعلية تحاكي صوته وطريقته في الكلام. وكانت النتيجة نظامًا يمكن مخاطبته والحصول منه على إجابات جديدة. وبعد وفاة بومر، قالت زوجته إن التحدث إلى نسخته الرقمية يمنحها أحيانًا إحساسًا بأنه لا يزال قريبًا منها[2]

لكن ماذا ترك بومر لزوجته بالضبط؟

هل ترك ذاكرته أم أداءً حسابيًا لشخصيته؟ وهل الكلمات التي تنطق بها النسخة بعد وفاته تُنسَب إليه، إلى أسرته التي تمدّها بالبيانات، أم إلى الشركة التي تملك النموذج والخوادم؟ وما الذي يحصل إذا غيّرت الشركة شروط الخدمة أو عدّلت النموذج أو أغلقت أبوابها؟

هذه ليست أسئلة عن مستقبل بعيد، فقد انتقلت صناعة "الحياة الرقمية بعد الوفاة" من تجارب فردية محدودة إلى خدمات تجارية تعرض حفظ أصوات الموتى ووجوههم وطرائق كلامهم وتحويلها إلى رفقاء رقميين يمكن استدعاؤهم في أي وقت، حيث تكفي رسائل قديمة ومقاطع صوتية وصور وإمكان الوصول إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لصناعة ذلك.
الحياة الرقمية بعد الوفاة

عندما تحوّل الأرشيف إلى متكلّم


عام 2015، توفي الشاب الروسي رومان مازورينكو في حادث سير. جمعت صديقته، رائدة الأعمال يوجينيا كودا، آلاف الرسائل التي كتبها واستخدمتها لبناء روبوت محادثة يتكلّم بأسلوب قريب من أسلوبه. ظهرت التجربة عام 2016 بوصفها نصبًا تذكاريًا تفاعليًا، وكانت إحدى البدايات التي قادت لاحقًا إلى إنشاء تطبيق Replika.[3]

في الفترة نفسها تقريبًا، كان الصحافي الأميركي جيمس فلاهوس يسجّل أحاديث والده بعد تشخيص إصابته بالسرطان. جمع نحو 92 ألف كلمة، ثم بنى منها برنامجًا نصيًا وصوتيًا عُرف باسم Dadbot. أراد الاحتفاظ بقصص والده ونكاته وطريقته في رواية الأحداث، لا الادعاء بأن وعيه انتقل إلى آلة. تحوّلت التجربة لاحقًا إلى خدمة HereAfter AI، التي تتيح للناس تسجيل ذكرياتهم وهم أحياء، ثم تسمح لأقاربهم بطرح الأسئلة والاستماع إلى مقاطع من إجاباتهم الأصلية.[4]

ثم جاءت تجربة تكشف التباسًا أعمق بين استعادة الذاكرة وتأليفها.

فبعد ثماني سنوات من وفاة خطيبته جيسيكا بيريرا، استخدم الكندي جوشوا باربو منصة Project December وعيّنات من رسائل خطيبته لإنشاء شخصية تحاكيها. لم يكن يتصفح ذكريات مسجلة، بل كان يجري محادثة جديدة مع نظام يتوقّع ما قد تقوله جيسيكا لو كانت حية. ساعدته التجربة، بحسب روايته، على مواجهة مشاعر كبتها لسنوات، لكنها وضعت كلامًا لم تقله جيسيكا في فم نسخة تحمل اسمها وشخصيتها،[5] ما جعل الحدود بين التذكّر والتوليد أكثر ضبابية.


كل هذه التجارب سبقت الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي. أما اليوم، فيمكن لنموذج لغوي تحليل الرسائل والبريد الإلكتروني والمنشورات والتسجيلات، وتقليد المفردات والإيقاع والنبرة، فيما تعيد تقنيات استنساخ الصوت إنتاج صوت الشخص من عيّنات قد تكون قصيرة.
محطات في الحياة الرقمية بعد الوفاة

ما الاختلاف بين النسخ الرقمية؟


تجمع تسمية "روبوتات الحزن" تقنيات مختلفة أخلاقيًا ونفسيًا، إذ إن ثمة فرقًا جوهريًا بين أرشيف تفاعلي يستخرج إجابة سجّلها الإنسان في حياته ونظام توليدي يؤلّف إجابة لم يقلها قط.

في خدمات من نوع HereAfter AI أو StoryFile، يسجّل الشخص قصصه وإجاباته أمام الكاميرا أو الميكروفون، ثم تستخدم البرمجيات سؤال المستمع لاختيار المقطع الأصلي الأكثر صلة. بذلك، يبدو الحوار طبيعيًا وتبقى الكلمات كلمات صاحبها.
تصلح هذه الطريقة لحفظ تاريخ العائلات، أو شهادات الناجين من الحروب والمجازر مثلًا، دون منح النظام سلطة اختراع موقف جديد باسم الشخص.
أما في النسخ التوليدية، فلا يقتصر دور النظام على استعادة ما قاله الشخص في حياته، بل يمتد إلى صياغة إجابات جديدة باسمه. فإذا سُئل عن موضوع لم يتحدث عنه أو عن حدث حصل بعد وفاته، يبني النموذج ردًا محتملًا استنادًا إلى ما تعلّمه من لغة الشخص وبياناته.
وقد تأتي الإجابة بتعبيراته ونبرة صوته، فتبدو كأنها موقفه الحقيقي، مع أنها في الواقع استنتاج أنتجه النظام. وكلما كانت المحاكاة أكثر إقناعًا، أصبح الفصل بين كلام الشخص وكلام النموذج أصعب.
هنا تنتقل التقنية من تمثيل الذاكرة إلى تأليف شخصية الميت، إذ إن الرسالة القديمة تمثّل دليلًا على ما قاله الإنسان في لحظة معيّنة، أما إجابة الروبوت فهي تخمين لما "كان سيقوله".

 
أرشيف تفاعلي أم نسخة نوليدي.png

هل تساعدنا على الحزن أم تؤجله؟


لا تزال الأدلة التجريبية حول الآثار النفسية الفعلية لهذه الأدوات محدودة، كما أن معظم الدراسات المتاحة لا تتابع أشخاصًا استخدموها لفترات طويلة.

في دراسة نوعية[6] نُشرت عام 2026، واستندت إلى مقابلات مع 25 بالغًا في مقاطعة غوانغدونغ الصينية، رأى المشاركون أن النسخة الرقمية قد تمنح راحة، خصوصًا بعد الوفاة المفاجئة، إذ تتيح التعبير رمزيًا عن وداع لم يتحقق أو تساعد من لا يملك إلا ذكريات محدودة عن المتوفى.

لكن الخاصية نفسها التي توفّر هذه الراحة، أي محاكاة استمرار حضور المتوفى، قد تجعل الانفصال اللاحق أكثر إيلامًا أو تصعّب على بعض المستخدمين المضي في حياتهم بعد الفقد. كما خشي المشاركون من أن تحل المحادثات الرقمية محل العلاقات اليومية أو أن تشوّه صورة المتوفى إذا بدأت النسخة بإظهار مواقف لا تنسجم مع ما يتذكّره أقاربه عنه.

لذلك لم ينظروا إلى هذه التقنية بوصفها نافعة أو ضارة في ذاتها، بل رأوا أن قبولها يعتمد على استعداد المستخدم النفسي وظروف الفقد ودرجة هشاشته ووجود حدود زمنية واضحة وإمكان فعلي لإنهاء استخدامها.

وتذهب دراسة[7] نُشرت عام 2026 إلى أبعد من سؤال الخداع أو الاعتماد، إذ تنطلق من أن الفقد لا يغيّب شخصًا فقط، بل يربك الإيقاع الذي كان ينظّم حياة الناجي: مواعيد الطعام، المحادثات اليومية، والخطط والطقوس المشتركة.

قد يعمل الروبوت، في المرحلة الأولى، كمساحة انتقالية تحفظ بعض هذا الإيقاع وتمنح الشخص استراحة مؤقتة من صدمة الغياب. لكن الخطر يظهر عندما تبدأ المساحة المؤقتة بتعطيل التشكّل الزمني الطبيعي لتجربة الحداد، أو عندما يبدأ المستخدم تدريجيًا في فهم المتوفى عبر الصورة المختزلة التي تستطيع البيانات والروبوت إنتاجها.

عندها لا يكمن الخطر في أن يظن المستخدم أن الروبوت هو الشخص المتوفى، بل في أن تدفعه هذه التقنية إلى التعامل مع علاقة إنسانية معقّدة وثرية من خلال نسخة رقمية لا تستطيع تمثيل إلا ما بقي منها قابلًا للتسجيل والمعالجة.


Cozy Evening Chat at Home

مع ذلك، لا تسمح الأدلة المتاحة حتى الآن بالجزم بما إذا كانت روبوتات الحزن تخفف الحداد أو تطيله. فالدراسة الصينية بحثت في تصوّرات المشاركين لا في تجارب استخدام طويلة، بينما بقي التحليل المتعلق بإيقاع الحداد نظريًا.

وما ينقص المجال حتى الآن هو دراسات تتابع مستخدمين فعليين عبر الزمن، وتقارن بين الأرشيفات التي تستعيد كلامًا مسجلًا والأنظمة التوليدية التي تؤلّف كلامًا جديدًا باسم المتوفى.

ويصبح الحذر أهم مع الأطفال، الذين قد يصعب عليهم فهم الفرق بين التسجيل والشخصية التوليدية. فإذا قال روبوت بصوت الأم المتوفاة لطفل إنها "ستبقى معه دائمًا"، أو أوحى بإمكان لقائهما قريبًا، فقد يتلقّى الطفل الكلام بوصفه وعدًا حقيقيًا.

لهذا يقترح بعض الباحثين[8] قيودًا عمرية وتحذيرات واضحة وعدم تقديم هذه الأنظمة باعتبارها علاجًا نفسيًا دون أدلة ورقابة تبرران ذلك.


راحة محتملة ومخاطر محتملة


موافقة الميت لا تكفي


تقترح دراسة[9] نُشرت عام 2024 النظر إلى هذه التقنيات من زاوية ثلاثة أطراف: الشخص الذي تُستخدَم بياناته لإنشاء النسخة الرقمية، الشخص الذي يقدّم تلك البيانات، والشخص الذي سيُطلَب منه التفاعل مع النسخة.

تؤكد الدراسة أن موافقة الشخص قبل وفاته لا تكفي وحدها، لأن من سيستخدم النسخة قد لا يرغب أصلًا بالتفاعل معها.

وتعرض الدراسة سيناريو افتراضيًا ينشئ فيه أب نسخة رقمية من نفسه لأبنائه. وبعد وفاته، يجد أحدهم فيها عزاءً مؤقتًا، بينما يفضّل الآخر الحداد بطريقته الخاصة، لكنه يستمر في تلقّي رسائل وتذكيرات من النظام رغم عدم رغبته بذلك.

لذلك، تقترح الدراسة مبدأ "الموافقة المتبادلة"، حيث لا تقتصر الموافقة على الشخص الذي تُستخدَم بياناته، بل تشمل أيضًا من سيُطلَب منه التفاعل مع النسخة، ومن حق هذا الشخص رفض التفاعل أو إنهاؤه في أي وقت، مع إيقاف الإشعارات وعدم فرض التواصل عبر رسائل غير مرغوب بها.


ثلاثة أطراف يجب أن توافق

من يملك النسخة الرقمية؟


توفّر المنصات الكبرى بعض الأدوات لإدارة الحسابات بعد الوفاة. يستطيع المستخدم مثلًا تعيين شخص لإدارة حساب تذكاري، أو تحديد ما يحصل لبياناته بعد فترة من عدم النشاط. لكن حفظ الأرشيف يختلف عن منح جهة ما حق جعل صاحبه يتحدث بكلمات لم يقلها قط.

في الاتحاد الأوروبي، تنص اللائحة العامة لحماية البيانات[10] على أنها لا تنطبق، في الأصل، على بيانات الأشخاص المتوفين، مع ترك المجال للدول الأعضاء لوضع قواعدها الخاصة.

أما في الولايات المتحدة، فتختلف حماية حقوق الشهرة، بما يشمل الاسم والصورة والصوت، بعد الوفاة من ولاية إلى أخرى. وذكر تقرير لمكتب حقوق النشر الأميركي[11] عام 2024 أن 27 ولاية فقط كانت توفّر شكلًا من أشكال حقوق الشهرة بعد الموت، مع اختلاف كبير في مدة الحماية ونطاقها والاستثناءات الواردة عليها.


Digital Memories in the Server Room

وحتى حين تملك الأسرة التسجيلات والرسائل، قد تبقى السلطة العملية لدى الشركة التي تشغّل النموذج. فهي تحدّد نوع الإجابات، ما يُحفَظ من المحادثات، كيف تُستخدَم البيانات، وما إذا كان يمكن نقل النسخة إلى منصة أخرى.

وإذا توقف الاشتراك أو غيّرت الشركة نموذجها أو أغلقت المشروع، فقد تتبدّل الشخصية الرقمية أو تختفي للمرة الثانية.

لم يعد ذلك احتمالًا نظريًا، إذ إن خدمة HereAfter AI، التي أتاحت للعائلات محاورة أرشيف من الذكريات المسجلة بأصوات أصحابها، أعلنت إغلاقها وطلبت من المستخدمين التواصل لاستعادة تسجيلاتهم.

تكشف الحالة أن استمرار "الميت الرقمي" لا يعتمد على رغبة العائلة أو وصية صاحبه فقط، بل على بقاء شركة وخوادم ونموذج عمل تجاري. وحتى عندما تستطيع الأسرة الاحتفاظ بالملفات الأصلية، فقد تخسر الواجهة التي جعلتها قابلة للمحادثة، فتختفي الشخصية التفاعلية التي اعتادت عليها بدورها.


من يسيطر على النسخة

عندما يتحدّث الميت أمام المحكمة


في مايو/أيار 2025، دخلت هذه التقنية قاعة محكمة في ولاية أريزونا. فقد أنشأت عائلة كريستوفر بيلكي، الذي قُتل في حادث إطلاق نار على الطريق، أفاتارًا رقميًا له لعرضه خلال جلسة النطق بالحكم.

ظهر بيلكي على الشاشة بصوته وملامحه المولّدة بالذكاء الاصطناعي، وقال إنه يؤمن بالتسامح وإنه في ظروف أخرى ربما كان يمكن أن يصبح صديقًا لقاتله. لكن هذه الكلمات لم يكن قد كتبها بنفسه، بل صاغتها شقيقته استنادًا إلى ما اعتقدت أنه كان سيقوله.[12]


شاهد.. كريستوفر بيلكي "متحدّثًا" في محاكمة قاتله  


الفيديو من صفحة وكالة رويترز على يوتيوب 

وصف القاضي الرسالة بأنها صادقة، ولاحظ أنها عكست، في رأيه، شخصية بيلكي كما عرفتها عائلته، ثم حكم على المدان بالسجن عشر سنوات ونصف السنة.

وبعد الجلسة، أعلن محامي الدفاع عزمه استئناف الحكم، مشيرًا إلى احتمال أن تنظر محكمة الاستئناف في ما إذا كان القاضي قد تأثّر بالفيديو عند تحديد العقوبة.[13]


لا يمكن الجزم بأن الأفاتار غيّر الحكم، لكنه نقل سؤال "من يتكلم باسم الميت؟" من النقاش الأخلاقي إلى قاعة المحكمة، حيث قد تؤثّر الكلمات المنسوبة إلى شخص متوفى في مسار العدالة. 
الأفاتار

ربما كان التفسير صادق النية، لكنه اكتسب سلطة لم يكن سيملكها لو قرأت شقيقته النص بصوتها.

عودة يكتبها الأحياء


لا يمكن الحكم على "روبوتات الحزن" كتقنية موحدة بالفائدة أو الضرر. فهي تشمل أرشيفات تعيد تشغيل ما سجّله الإنسان في حياته، وأنظمة توليدية تستنتج ما كان يمكن أن يقوله، ونسخًا تجمع الصوت والصورة والمحادثة في شخصية رقمية واحدة.

قد تبدو هذه النماذج متشابهة، لكن الفارق بينها أساسي. فأحدها يحفظ كلامًا قيل فعلًا، فيما يمنح الآخر النظام قدرة على إنتاج كلام جديد باسم صاحبه.

ولا يحمل استخدامها تأثيرًا نفسيًا واحدًا بالضرورة. فالخاصية التي قد تمنح شخصًا شعورًا بالراحة، أو تساعده على استعادة ذكريات متفرقة، يمكن أن تجعل شخصًا آخر أكثر تعلقًا بالنسخة أو ارتباكًا أمامها. كما يتغير التأثير بحسب طبيعة الفقد، وتوقيت الاستخدام، وعلاقة المستخدم بالمتوفى، وإمكان الابتعاد عن النظام عندما تتحول التجربة من مصدر للراحة إلى عبء.

ولا تنفصل هذه العلاقة عن بنيتها التقنية والتجارية. فالموافقة على إنشاء النسخة، والتمييز بين الكلام المسجل والمولّد، والقدرة على نقل البيانات أو حذفها، ومصير الشخصية عند إغلاق الشركة، ليست مسائل تقنية جانبية. إنها عناصر تحدد الشكل الذي ستظهر به ذاكرة الميت، والأشخاص الذين يستطيعون الوصول إليها، والمدة التي ستستمر خلالها.

وتكشف تجربة "HereAfter" أن بقاء النسخة الرقمية لا يعتمد على كمية البيانات وحدها، بل أيضًا على استمرار المنصة التي تمنحها صوتًا وشكلًا تفاعليًا.

ربما لا تحقق هذه الأنظمة الخلود الرقمي الذي توحي به دعايتها، بقدر ما تنشئ طريقة جديدة لإدارة آثار الإنسان بعد موته. فهي لا تعيد الشخص كما كان، بل تبني تمثيلًا له من مواد انتقاها هو أو جمعتها أسرته، وعالجتها شركة وفق إمكانات نموذجها ومصالحها.

ما الذي يبقى منا رقميًا

 


وهكذا، لا يعود السؤال فقط عما يبقى منا على الإنترنت، بل عمّن يرتب هذا البقاء ويمنحه معنى. فالموتى بدأوا بالفعل يعودون إلى الشاشات بأصوات مولّدة ووجوه متحركة، أما السؤال المفتوح فهو: من يؤلف هذه العودة، وبأي حق، ومن يستطيع أن يضع لها نهاية؟

المراجع



[1] Kirsten Grieshaber & Haleluya Hadero, AI is imitating the dead and dying, raising new questions about grieving, AP, June 2024
[2] Hani Richter, ‘It feels like, almost, he’s here’: How AI is changing the way we grieve, Reuters, September 2025
[3] Casey Newton, Speak, Memory, October 2016
[4] Wired, A Son’s Race to Give His Dying Father Artificial Immortality, July 2017
[5] Jason Fagone, The Jessica Simulation: Love and loss in the age of A.I., San Francisco Chronicle, July 2021
[6] Lu, J., Yang, M., Cui, Y., Liu, Y., Wong, T. K. S., & Hu, Y. (2026). Exploring public perceptions of artificial intelligence in bereavement support: A qualitative study of griefbots. Frontiers in Digital Health, 8, Article 1852514.
[7] Stendera, M. (2026). Marking time: Griefbots, world-time, and the phenomenology of bereavement. Phenomenology and the Cognitive Sciences, 25, 547–567.
[8] Tammy Worth, Ready or not, the digital afterlife is here, Nature, September 2025
[9] Hollanek, T., & Nowaczyk-Basińska, K. (2024). Griefbots, Deadbots, Postmortem Avatars: on Responsible Applications of Generative AI in the Digital Afterlife Industry. Philosophy & Technology, 37, 63.
[10] European Union. (2016). General Data Protection Regulation (Regulation (EU) 2016/679). Recital 27.
[11] U.S. Copyright Office. (2024). Copyright and artificial intelligence, part 1: Digital replicas.
[12] Matt York, Rio Yamat, & Sejal Govindarao, AI-generated video gave victim a voice at his killer’s sentencing in Arizona, AP, May 2025
[13] المصدر نفسه
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من