الذهب يحقق قفزة قياسية.. كيف تحوّل الملاذ الآمن إلى أداة مضاربة؟
لم يعد الذهب مجرّد وسيلة تحوّط في الأزمات، بل بات هو نفسه الحدث الذي يهزّ الأسواق العالمية. فقد تجاوز سعر الأونصة الواحدة حاجز 4300 دولار أميركي في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 للمرة الأولى في التاريخ، مسجّلًا ارتفاعًا استثنائيًا فاق 50% منذ مطلع العام، فيما بلغت المكاسب الإجمالية قرابة 100% منذ بدء موجة الصعود الحالية في أوائل عام 2024، في أداء غير مسبوق فاق كل التوقّعات.
ففي يونيو/ حزيران الماضي، توقّع "جي بي مورغان" للأبحاث أن يبلغ متوسّط أسعار الذهب 3675 دولارًا للأوقية بحلول الربع الأخير من عام 2025، وأن يرتفع إلى نحو 4000 دولار بحلول الربع الثاني من عام 2026. كما توقّع بنك "إتش إس بي سي" أن تصل الأسعار إلى 5000 دولار أميركي في عام 2026، مرجعًا ذلك إلى استمرار المخاطر الجيوسياسية، وعدم اليقين في السياسة الاقتصادية العالمية، وارتفاع مستويات الدين العام.
لماذا ترتفع أسعار الذهب؟
تُطرح عدة تفسيرات للارتفاع القياسي الحالي في أسعار الذهب، من بينها تزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي نتيجة تفاقم الدين الحكومي والإغلاق الحكومي الأميركي، إلى جانب المخاوف المتصاعدة بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
فإذا أدى الضغط السياسي إلى خفض أسعار الفائدة الأميركية، سيعود التضخّم للواجهة، ما يرفع الطلب على الذهب باعتباره وسيلة تحوّط تقليدية ضد ارتفاع الأسعار.
غير أنّ هذه العوامل، رغم أهمّيتها، لا تبدو السبب الرئيسي وراء القفزة الصاروخية الأخيرة. فخلال الأعوام القليلة الماضية، ظلّ الذهب في مسار تصاعدي مستمرّ حتى قبل بروز هذه المستجدات.
صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب
بحسب موقع "ذي كونفرزيشن"، فإنّ التفسير الأكثر ترجيحًا للارتفاع الحالي يكمن في الطلب المتزايد من صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs)، وهي صناديق تتبع حركة الأصول كالذهب والأسهم والسندات، وتُتداول في البورصات المالية، ما يسهّل على المستثمرين الوصول إلى الأصول السلعية.
فقبل إطلاق أول صندوق استثمار متداول في الذهب عام 2003، كان الاستثمار في المعدن الأصفر يُعدّ مهمة معقّدة للمستثمرين الأفراد. وفي تسعينيات القرن الماضي، ومع تراجع الأسعار منذ ذروتها عام 1980، اتّجه المستثمرون إلى شراء أسهم شركات تعدين الذهب بدلًا من الذهب المادي، لما تمنحه من رافعة مالية على السعر، وتُتداول بمضاعفات مرتفعة للأرباح.
في المقابل، كانت سمعة الذهب المادي سيئة بسبب القيود الحكومية ومصادرات سابقة وضرائب المبيعات المفروضة عليه، إضافة إلى بيعه المكثّف من قبل البنوك المركزية، ما زاد من ضعف الأسعار في تلك المرحلة.
الذهب يتحوّل إلى أصل مالي
مع مطلع الألفية، تغيّرت الصورة تدريجيًا. فقد توقّف بيع البنوك المركزية، وانتهت عمليات التحوّط من قبل المنتجين، وأُلغيت ضريبة القيمة المضافة على مشتريات الذهب المادي، ما أعاد الثقة إلى السوق.
وفي فبراير/ شباط 2001، بدأ السعر في الارتفاع من أدنى مستوى له عند 250 دولارًا، لتبدأ مرحلة صعود طويلة الأمد.
وعند طرح أول صندوق مؤشرات متداولة للذهب في مارس/ آذار 2003، ارتفع السعر تدريجيًا من 250 إلى 350 دولارًا، ثمّ واصل صعوده ليصل إلى نحو 1900 دولار خلال السنوات الثماني التالية. وانضمّ المستثمرون والمؤسسات إلى موجة صناديق المؤشرات، ليتحوّل الذهب إلى أصل مالي متداول كغيره من الأسهم والسندات.
ويبدو أنّ هذا التحوّل غيّر النظرة التقليدية للذهب كملاذ آمن في الأزمات السياسية والمالية، ليصبح أيضًا أداة استثمارية في الأسواق الحديثة.
الذهب جزء من محفظة استثمارية
تاريخيًا، كان الذهب يتحرّك في الاتجاه المعاكس للأسهم، ما عزّز سمعته كأداة تحوّط فعّالة. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ الذهب والأسهم يسيران أحيانًا في الاتجاه نفسه، ما قلّل من "أثر الحماية" الذي كان يوفّره الذهب في فترات الاضطراب.
فقد ارتفع سعر الذهب تاريخيًا استجابةً لصدمات النفط في السبعينيات مع دخول الاقتصاد العالمي حالة ركود، ثم انخفض في أواخر التسعينيات خلال ازدهار الأسواق، قبل أن يعود للصعود مع تعافي الاقتصاد العالمي بعد عام 2009.
إلا أنه منذ ذلك الحين، بات يسلك مسارًا مشابهًا إلى حدّ كبير لمسار الأسهم، ليصبح أصلاً استثماريًا رئيسًا ضمن المحافظ المالية، إلى جانب الأسهم والسندات والسلع الأخرى، لا مجرد تحوّط ضد الأزمات.
ارتفاع طلب الأسواق الناشئة
بالتوازي مع الطلب الفردي، زادت البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة، ولا سيما في الصين وروسيا، من تحويل احتياطياتها من العملات الأجنبية إلى الذهب.
ووفقًا لصندوق النقد الدولي، ارتفعت حيازات هذه البنوك من الذهب بنسبة بنسبة 161% منذ عام 2006 لتبلغ نحو 10,300 طن.
ويشير موقع "ديسكوفيري أليرت" إلى أنّ أهمية الذهب تتعاظم في استراتيجيات تنويع الاستثمارات بعيدًا عن الدولار الأميركي، الذي لا تزال نسبته في احتياطيات النقد الأجنبي العالمي تبلغ 59% فقط بعد أن كانت تتجاوز 70% في أوائل الألفية.
هذا التوجّه تعزّز مع الديون العالمية القياسية، ومع ارتباط الذهب السلبي بالدولار خلال الأزمات المالية، ما جعله عنصر توازن أساسي في محافظ الاحتياطيات.
إلى جانب ذلك، يُضاف عامل آخر: ثبات إنتاج المناجم رغم ارتفاع الأسعار، بسبب ندرة الاكتشافات الجديدة وارتفاع كلفة التطوير، وهو ما أحدث ضغطًا على العرض يعزّز الأسعار أكثر.
"التخلي عن الدولرة"
على مدى نصف قرن حتى عام 2005، نمت حيازات الذهب في الأسواق الناشئة بنسبة 50% فقط، لكنّ التحوّل النوعي جاء وفق العديد من الأبحاث، بعد استخدام العقوبات المالية الغربية على نطاق واسع، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا.
فقد أصبحت روسيا مشتريًا صافيًا للذهب منذ عام 2006، ورفعت وتيرة مشترياتها بعد ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014، لتصبح من أكبر حائزي المعدن في العالم.
أما الصين، فقد بدأت بيع سندات الخزانة الأميركية وتحويل احتياطياتها نحو الذهب، في إطار ما يُعرف بـ"التخلّي عن الدولرة"، لتقليل اعتمادها على العملة الأميركية
وبعد استبعاد روسيا من نظام المدفوعات الدولي "سويفت"، وتصاعد الدعوات الغربية لمصادرة احتياطياتها لدعم أوكرانيا، سارعت دول أخرى إلى تعزيز احتياطياتها الذهبية، خشية مواجهة المصير نفسه.
ومن المرجّح أن تستمرّ هذه الموجة من "إزالة الدولرة"، مع سعي الاقتصادات الناشئة إلى تقليص مخاطر التعرض للعقوبات، وهو ما قد يجعل الذهب أكثر جذبًا وأقل عرضة للقيود السياسية.
توقعات بارتفاع أسعار الذهب
يُتوقّع أن يعزّز الطلب المستمرّ من روسيا والصين، إلى جانب تدفّقات صناديق الاستثمار المتداولة، اتجاه الذهب الصعودي خلال المرحلة المقبلة.
وفي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن مجلس الذهب العالمي عن تدفقات شهرية قياسية في سبتمبر/ أيلول 2025، تجاوزت 26 مليار دولار خلال الربع الأخير وحده، فيما بلغ الإجمالي نحو 64 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
في المقابل، يبقى طلب البنوك المركزية في الأسواق الناشئة أقل تأثرًا بالأسعار، وأكثر ارتباطًا بالعوامل الجيوسياسية، ما يضمن استمرار الطلب على المدى الطويل.
وبناءً على ذلك، رفع محللو "غولدمان ساكس" توقعاتهم لسعر الذهب إلى 4900 دولار أميركي للأونصة بحلول نهاية عام 2026.
لماذا يُنصح بالاستثمار في الذهب؟
وفق موقع "غولد سيلفر"، توجد ثمانية أسباب رئيسية تجعل الذهب خيارًا استثماريًا مفضّلًا:
-
حماية من التضخّم: ندرة الذهب وقيمته الجوهرية تجعله تحوّطًا موثوقًا ضد تآكل القوة الشرائية.
-
ملاذ آمن في الأزمات: خلال الاضطرابات السياسية والمالية، غالبًا ما يحتفظ الذهب بقيمته أو يرتفع، خلافًا للأسهم والسندات.
-
تنويع المحفظة الاستثمارية: أداء الذهب غالبًا ما يختلف عن أداء الأصول الأخرى، ما يحسّن العائد الإجمالي.
-
ثروة بلا مخاطر مؤسسية: الذهب أصل مادي لا يعتمد على مؤسسات مالية، ويحتفظ بقيمته في حالات الإفلاس أو الانهيار الاقتصادي.
-
قيمة خالدة: على مدى أكثر من 5000 عام، حافظ الذهب على مكانته كمخزن للثروة عبر الحضارات والأنظمة.
-
تزايد الطلب الصناعي والتكنولوجي: يُستخدم الذهب في تطبيقات متقدّمة مثل الصناعات الفضائية والطبية والطاقة.
-
مواجهة تراجع قيمة العملات: منذ عام 1913، فقد الدولار الأميركي نحو 97% من قوته الشرائية، فيما بقي الذهب مستقرًا نسبيًا.
-
سيولة واعتراف عالمي: يمكن تداوله وبيعه بسهولة في أي مكان بالعالم، بأسعار شفافة ومقبولة عالميًا.
الذهب بين الأمان والمضاربة
في المحصلة، ما زال الذهب يحتفظ بمكانته كملاذ آمن يحمي الأفراد والدول من التضخّم وضعف العملات والمخاطر السياسية.
وفي الوقت نفسه، تحوّل إلى أداة مضاربة عصرية تستفيد من سيولة الأسواق ومن ظاهرة "الخوف من تفويت الفرصة" لتحقيق مكاسب سريعة.
ولعلّ هذه الازدواجية الفريدة بين الأمان والمضاربة هي سرّ جاذبية المعدن الأصفر، وتفسّر لماذا يبقى في صدارة الأصول التي تستحوذ على اهتمام العالم، اليوم وفي المستقبل.