ضرب المصريون المحتجون على نظام حسني مبارك في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني عام 2011، موعدًا مع مظاهرات لم يعهدها النظام من قبل.
كانت مرحلتها الفاصلة يوم 28 من يناير، حين شهدت ميادين مصر خروجًا غير مسبوق للمتظاهرين ضد النظام الذي امتد حكمه لثلاثين عامًا.
فكيف تلقى نظام مبارك ما حدث خلال 18 يومًا من التظاهر، وماذا عن كواليس محاولات الاحتفاظ بالسلطة، وكيف تصرف كل من الرئيس والمشير واللواء؟
خروج الأمر عن السيطرة
أطلّ مبارك بعد خروج التظاهرات في ميدان التحرير بخطاب اعتبر خلاله أن "التظاهرات وما سبقها من وقفات احتجاجية ما كان لها أن تتم لولا المساحات العريضة لحرية الرأي والتعبير والصحافة" في البلاد.
وبحسب منسق ومؤسس حركة شباب 6 أبريل أحمد ماهر، فقد سعى مبارك من خلال ذلك الخطاب إلى "المماطلة والترويج بأن ما جرى مجرد مظاهرات خفيفة وعادية"، واعتبر أنّه "مثّل استجابة متأخرة من مبارك" لمطالب المتظاهرين.
وكان يوم 29 يناير من عام 2011 بمثابة نقطة تحول في قواعد اللعبة، حيث أدرك مبارك متأخرًا أن الأمر خارج السيطرة، فطلب من القوات المسلحة الأخذ بزمام الأمور لضبط الشارع. وعيّن اللواء عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية، في خطوة تجنبها مبارك طيلة ثلاثين عامًا.
حينها كان مدير جهاز المخابرات العامة اللواء عمر سليمان يتلقى اتصالات، معظمها من نظرائه في أجهزة مخابرات دول أخرى، بعضهم عرض عليه المساعدة، لكن ردّه كان دومًا أن "النظام قادر على أن يتولى الأمر وحده".
وفي هذا الصدد، قال رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي (2011-2016) تامر بردو: "كنت على اتصال بالنظير المصري عمر سليمان. أذكر أننا سألناهم هل يمكننا المساعدة؟ هل تريدني أن نفعل شيئًا من أجل مساعدتكم؟ كان الجواب: لا".
وفيما لفت إلى أن جواب سليمان كان دومًا "سنتعامل مع الأمر بأنفسنا"، رأى أن مدير جهاز المخابرات المصرية "قد فعل ذلك على الرغم من أن النتائج كانت صعبة للغاية، حيث كان يعلم أنه سيدفع الثمن".
أمّا وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة المصرية المشير حسين طنطاوي، فالتقط الإشارة مبكرًا وعرف أن تغييرًا كبيرًا في الطريق. فقد واجه سؤالًا مهمًا فُرض عليه لأول مرة حول دور الجيش في حماية النظام في مواجهة الجموع الثائرة.
هكذا تصدّر المشهد من جانب النظام المصري ثلاثة رجال (الرئيس والمشير واللواء). كانوا يدركون أنهم أمام نقطة تحول حقيقية وأن اللعبة قد بدأت.
لكن ما دار في كواليس يومي 28 و29 من يناير ستبقى تفاصيله محصورة في الشهود، وما تسرّب عنهم من داخل الغرف المغلقة، وما شهدته من اجتماعات سرّية في وزارة الدفاع، وفي مقر جهاز المخابرات العامة، وخلف أبواب القصر الجمهوري.
هل كان عمر سليمان خيار مبارك الأول؟
قرّر مبارك صباح 29 يناير أن يعيّن نائبًا لرئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي ظل شاغرًا لثلاثة عقود، فوقع اختياره الأول على قائد جيشه المشير طنطاوي.
وهذا الأخير كان حينها ينتظر وصول رئيس أركان الجيش سامي عنان العائد على عجل من زيارة إلى الولايات المتحدة.
وقد جاء في تصريح لعنان أنه في طريق العودة إلى القاهرة توصل إلى مجموعة من الترتيبات، ورأى أن الخروج من الأزمة يتطلب القيام بانقلاب ناعم سيحقق الاستقرار، لكن دون سفك دماء.
ولفت إلى أنه لدى لقائه المشير طنطاوي مباشرة عقب عودته إلى مصر في مركز القيادة، طرح عليه أفكاره، حيث سيكون الأمر بإيجاز مجلس رئاسي برئاسة المشير.
وفيما كشف أن طنطاوي أصغى إليه باهتمام، قال إنه سأله إن كان هناك أحد آخر يعلم بهذا الطرح، فنفى، فقال له "بلاش الكلام ده"، والتزم عنان بتوجيهاته، وفق تعبيره.
شهادة عنان هذه عن كواليس تنحي مبارك، تكفلت بنشرها صحيفة الوطن المصرية عام 2012، لكن بعد الحلقة الأولى حُظر نشر باقي الحلقات، الأمر الذي أبقى الكثير من التفاصيل طي الكتمان.
وفي سياق متصل، تحدث الرئيس السابق لحزب غد الثورة أيمن نور، عما سمعه عن رسالة وصلت إلى عنان تتصل بالمعونة العسكرية والعلاقات التي تربط بين واشنطن والجيش المصري، إن أخذ هذا الأخير موقفًا مساندًا للسلطة على حساب الشعب أو قام بقمع المظاهرات.
ولفت إلى أن "هذا التهديد خطير بالنسبة للجيش"، معربًا عن اعتقاده بأنه أدى إلى تحول حقيقي في موقف الجيش والمشير طنطاوي.
إلى ذلك، كانت شهادة الفريق عنان تؤكد أن الجنرالات في الجيش المصري علموا بأن على مبارك الرحيل لا محالة.
فبعد 48 ساعة من اجتماع قادة الجيش، أفادت رسالة سرية من القاهرة موجهة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بأن قادة الجيش المصري كانوا يعلمون أن المظاهرات التي اجتاحت البلاد ضد مبارك لا يحركها أحد، حتى إن الاخوان المسلمين لا يسيطرون عليها.
ثم أضافت الرسالة أن الجيش يعلم أن على مبارك الرحيل، ولكنهم لم يعلموا ما هو الوقت المناسب لذلك.
وبعد اجتماع طنطاوي وعنان، استدعى مبارك قائد الجيش لإجراء اجتماع عاجل عرض خلاله على طنطاوي أن يصبح نائبًا للرئيس، لكن عرضه قوبل بالرفض.
وقد اعتُبر ذلك أول نذر تمرد، حيث فهم مبارك الرسالة بأن الجيش نأى بنفسه عن مصيره.
وخلال الاجتماع بدا على مبارك الغضب، فهدد بإقالة المشير، الأمر الذي تجاهله طنطاوي تمامًا.
وفي أمر لم يكن معهودًا في السابق، ذكر بيان من القوات المسلحة في اليوم نفسه المشير محمد حسين طنطاوي بلقبه الكامل ومنصبه الاعتباري في الدولة.
قرّر مبارك المضي نحو الخيار الثاني: مدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان، الذي انصاع لطلب الرئيس، ما وضع أجنحة النظام في مواجهة حتمية لا محالة.
"محاولة اغتيال" عمر سليمان
فوجئ اللواء سليمان لدى عودته إلى مكتبه في مقر المخابرات العامة بعد ساعات من قرار الرئيس، باتصال من رئاسة الجمهورية دعاه لمقابلة مبارك لأمر عاجل، فتعرض موكبه "لمحاولة اغتيال" وسط القاهرة.
روى سليمان عن الأمر أنه اضطر يومها لأن يركب السيارة المصفحة بدلًا من انتظار سيارته الثانية، ولدى وصول الموكب بالقرب من مستشفى كبري القبة، فوجئ بإطلاق نار.
وبينما أشار إلى اشتباك الحرس مع مطلقي النار، أفاد بأن السائق أسرع للخروج به من موقع الكمين إلى مقر الرئاسة، وقال إنهم فوجئوا بكمين آخر حيث تم إطلاق النار عليهم مرة أخرى، لكنهم انطلقوا بسرعة كبيرة حتى وصلوا إلى مقر الرئاسة.
تصريحات سليمان هذه أدلى بها لصحيفة اليوم السابع في منتصف أبريل/ نيسان 2011، واصفًا ما حدث يوم 29 يناير بمحاولة فاشلة لاغتياله، علمًا بأن الجهة الوحيدة التي كانت تعلم نوع السيارة التي سيركبها كانت رئاسة الجمهورية.
وقد أشار الضابط السابق في المخابرات المصرية جمال مظلوم، إلى ما قيل بشأن محاولة الاغتيال أثناء تحركه من مكتبه إلى مقر رئاسة الجمهورية، وأنه تم طلب لوحة السيارة التي سيركبها للسماح له بالدخول إلى المقر.
ولفت إلى احتمال أن "يكون أحد ممن لا يرغب بتواجد عمر سليمان على المسرح".
وفي حين لم تعلق أي جهة رسمية على تصريحات عمر سليمان، الذي لم يتهم بدوره أي طرف، واكتفى بإعلام مبارك بالأمر، ظلت محاولة اغتياله أحد أبرز الملفات الغامضة في ثورة مصر.
من كان يريد قتل نائب الرئيس؟
ذكر عبد اللطيف المناوي، مدير الأخبار في التلفزيون المصري آنذاك، وأحد الأشخاص المقربين من دوائر صنع القرار في الدولة، أن اتصالًا ورد من شاهدة عيان كانت تنقل المشهد من شرفة منزلها عندما وقع إطلاق نار كثيف على موكب عمر سليمان.
وبحسب تصريحاته، تحدثت الشاهدة عن أشخاص بملابس عسكرية كانوا يطلقون النار من 3 جهات.
بدوره، قال سيدني بلومنتال، أحد الدبلوماسيين المقربين من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، والذي كان يملك الكثير من المصادر في أوساط الجيش والنظام، في رسالة لكلينتون إن المؤسسة العسكرية المصرية كانت معارضة لقرار تعيين عمر سليمان نائبًا للرئيس.
أما الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية أنتوني شيفر، فلفت إلى أن سليمان كان في فترة معينة القوة وراء عرش الرئيس مبارك، وبسبب ذلك كان قادرًا على القيام بأشياء مذهلة في ما يتعلق بدعم الجمهورية المصرية.
وفي حين رأى أن فلسفة سليمان كانت الولاء التام لرجل واحد وهو مبارك، قال إنها "سببت له بقعًا عمياء، حدثت بسببها الثورة".
واعتبر أن طريقة تنفيذ سليمان للأعمال أضرت به بعيدًا عن الجيش والسياسة، التي كان الجيش يتبعها".
مع ذلك، لم يكن الخلاف بين اللواء عمر سليمان والمشير طنطاوي مستحدثًا بل امتد لسنوات، وإن أداره في الماضي مبارك نفسه ضمن سياسة ضمنت له الاستمرار في حكم البلاد.
فمبارك قرر أن لا يدع في صدارة المشهد مكانًا لغيره، منذ أن اختفى المشير عبد الحليم أبو غزالة، صاحب الشعبية في صفوف الجيش، من المشهد السياسي.
وقد وجد عام 1991 ضالته في المشير محمد حسين طنطاوي، فولاه وزارة الدفاع، وظل رجل مبارك الوفي بل والممتن، قبل أن تضعه ثورة مصر في مواجهة حتمية مع الرئيس.
ولفت أستاذ شؤون الأمن القومي روبرت سبرنغبورغ، إلى أن مبارك حرص على إزاحة أبو غزالة، وزير الدفاع آنذاك، والذي كان على صلة وثيقة بواشنطن، لاعتقاده بأن واشنطن يمكن أن تدعمه ضده".
وأوضح أن مبارك لم يكن لديه في عهده مراكز قوة بالمعنى المؤسسي، كما في عهدي السادات أو عبد الناصر.
خطاب مبارك: أنا أو الفوضى
حرصًا منه على إعلان سيطرته على المشهد، زار مبارك في 31 يناير مركز عمليات القوات المسلحة، برفقة نائبه عمر سليمان وبحضور وزير الدفاع المشير طنطاوي ورئيس هيئة الأركان سامي عنان.
وخرج في اليوم التالي في خطابه الثاني، الذي حمل رسالة وحيدة: "أنا أو الفوضى".
ويفيد سامي عنان في شهادته، بأن اجتماعًا سريًا انعقد لجنرالات مصر أقسموا جميعًا فيه على المصحف أن يظلوا على قلب رجل واحد، ثم قاموا بصياغة بيان عسكري لم يحمل أي رقم، لكنه كان كفيلًا بأن يفهم الجميع رسالة الجيش المصري.
وقد صدر حينها بيان الجيش، الذي حذر فيه من مخاطر عدم الاستقرار، حتى إنه طالب المتظاهرين بمغادرة الميدان لأن مطالبهم قد وصلت.
ورأى المفكر العربي عزمي بشارة، صاحب كتاب "ثورة مصر" الذي يعد مشروعًا توثيقيًا للثورة المصرية، أن الجيش المصري ومعه جهاز الدولة قد آثرا الانحناء للريح.
كما أشار أستاذ العلوم السياسية والباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبد الفتاح ماضي، إلى الدور الرئيسي الذي لعبه الضغط الشعبي عام 2011.
ولفت إلى أن الضغط الخارجي كان لاحقًا للضغوط الشعبية، مؤكدًا أن الخارج لم يغيّر موقفه إلا حين شاهد الجماهير التي نادت في الشارع بإنهاء حكم مبارك.
وفي الثاني من فبراير/ شباط 2011، قالت رسالة أميركية صادرة عن السفارة في القاهرة إن الجيش لا يريد أن يهين مبارك، لكن مصر لا يمكنها الاستمرار على هذا الحال سوى لأيام قليلة قبل أن تحدث أزمة.
وفي حين كان الحديث عن مرحلة ما بعد مبارك متداولًا في أروقة المجلس العسكري، بدا نائب الرئيس عمر سليمان لقادة الجيش حجر عثرة أخرى في طريقهم الذي كان ينضج بمرور الساعات.
وبحسب وثيقة أخرى كانت تلقتها وزيرة الخارجية الأميركية، "لم يكن الجيش المصري يرحب بتعيين عمر سليمان نائبًا للرئيس، كما أن سليمان لم يكن محبوبًا في أواسط المجلس العسكري. كما أن الجيش كان يعلم بأن سليمان لم يعد مقبولًا لدى الشعب".
بدوره سليمان، وفي لقاء مع التلفزيون المصري بث في 3 فبراير، اعتبر أن الأمور تطوّرت إلى مؤامرة لم تتضح أبعادها وأن الصراع بات بين أجندات عدة.
كما قال إن رحيل مبارك يجب أن يكون رحيلًا طبيعيًا بعد انتهاء مدته الرئاسية. وحسم مسألة التوريث قائلًا: لن يترشح أحد من أسرة مبارك للرئاسة، ليضع حدًا للكوابيس التي أرّقت الجيش لعدة سنوات. بعدها حذر عمر سليمان من أن انقلابًا وشيكًا على مبارك قد يقع.
ويُعتبر عمر سليمان، الذي طالما وصفه المصريون بالغموض، ولفتتهم منشورات مجهولة المصدر عام 2010 تدعوه للترشح لرئاسة مصر في شوارع القاهرة، شخصية أمنية من الطراز الأول.
اختاره مبارك مديرًا لجهاز المخابرات العامة منذ عام 1991، وقد أهلته ثقة مبارك فيه لتولي ملفات سياسية مهمة حتى على مستوى سياسة مصر الخارجية.
وبحسب وثيقة نشرها موقع "ويكيليكس" عام 2008، فقد كانت إسرائيل تعتبره الرجل المفضل لخلافة مبارك في الحكم.
وفي حين وضعت الثورة المشير في مواجهة اللواء، لم تشهد علاقة الرجلين أي أزمات كبرى في الظاهر باستثناء الأزمة التي وقعت عام 2010.
كان ذلك عند شغور منصب مدير المخابرات الحربية، الذي شغله اللواء مراد موافي، حيث اختلف الطرفان على الشخص الذي سيخلفه، وخرجت المواجهة بينهما إلى العلن.
وفقًا لتسريبات الجيش حينها، أراد عمر سليمان أن يختار مديرًا جديدًا للمخابرات الحربية يكون مواليًا له؛ غير أنه فوجئ بالمشير طنطاوي يرشح عبد الفتاح السيسي اللواء الأقرب له في ذلك الوقت، والذي كان يقول عنه لمبارك إنه بمثابة أحد أبنائه وإنه يثق به.
وبينما أخذ سليمان مسألة منع السيسي من الوصول إلى منصب مدير المخابرات الحربية مسألة شخصية، حسم تدخل مبارك القضية لصالح المشير.
موقف واشنطن من التطورات
لم تكن الإدارة الأميركية بعيدة عمّا يحدث في القاهرة، حيث فتحت خطًا ساخنًا مع كل الأطراف المصرية.
لكن الرئيس باراك أوباما وكبار مساعديه وقعوا في خلاف كبير، بحسب مذكراتهم التي صدرت لاحقًا، حيث عارض جزء كبير منهم إجراء أي ضغط على مبارك لمطالبته بالرحيل.
وقال روبرت غيتس في مذكراته إنه سأل ماذا سيحدث لو رحل مبارك، مشيرًا إلى تحذيره من أن إهانة مبارك سترسل رسالة لكل حاكم بأن يطلق الرصاص قبل أي شيء. وأضاف: "لكن ماذا لو ذهب مبارك، وهل سنشجع انقلابًا عسكريًا؟".
في المقابل، رأى المستشارون الأصغر سنًا لأوباما أن مبارك فقد شرعيته أمام الشعب المصري بصورة لا يمكن إصلاحها، وتوافقوا على الاتصال به مباشرة والوصول إلى ما أسموه بالانتقال المرتب، كما أشار أوباما في مذكراته.
واحتد مبارك أكثر من مرة في الاتصال الذي دار مع الرئيس الأميركي مطلع فبراير، ورد قائلًا: "أنت لا تفهم ثقافة الشعب المصري. إن بدأت يا سيادة الرئيس أوباما بنقل السلطة بهذه الطريقة، فسيكون أخطر شيء على مصر".
اختار الأميركيون في الخطوة التالية فرانك وايزنر، السفير الأسبق في القاهرة، والذي كان صديقًا شخصيًا لمبارك، لإرساله مبعوثًا إليه.
وقد كشف وايزنر أن النقاش الذي دار في مكتب مبارك كان مع الرئيس، رغم أن اللواء عمر سليمان كان حاضرًا في المحادثة التي اتسمت بالهدوء والودية.
وقال إن مبارك استقبله باحترام، وإنه بدوره وجه رسالة محترمة ركز فيها على "أننا نأمل أن تمضي مصر قدمًا نحو فترة ما بعد مبارك".
وأضاف: "لا أعتقد أنه أبدى إحساسًا بالتخلي عنه، وأعتقد أنه تساءل إن كنا نفهم تمامًا مدى حساسية الوضع في مصر".
"بدا منهكًا ومشوشًا لكنه لم يتخل عن نفوذه كبقية الطغاة من قبله".. حسني مبارك بعد ثورة 25 يناير في #مذكرات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون. #التلفزيون_العربي pic.twitter.com/fqARkwXlO4
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) March 14, 2020
وفي محاولة أخيرة من مبارك باتت تعرف في أدبيات الثورة المصرية بموقعة الجمل، حشد النظام في 2 فبراير الآلاف من الموالين لاقتحام ميدان التحرير من أجل فض الاعتصام بالقوة، ولم تمنعهم أو تواجههم قوات الجيش.
سقط يومها الكثير من القتلى في تلك المواجهة، الأمر الذي أظهر الجمهورية في حالة انهيار كبير، بينما ازداد الحشد في ميدان التحرير صلابة وزخمًا وإصرارًا على رحيل مبارك.
على الأثر، اتصل وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بالمشير طنطاوي معترضًا على الحياد تجاه ما حدث.
ووجه الأميركيون رسالة واضحة قالوا فيها إن قمع المتظاهرين بموافقة الجيش، سيترك تبعات خطيرة على العلاقات بين البلدين.
بدوره، حاول سليمان أن يقود فرصة أخيرة قبل أن يستلم الجيش زمام الأمور عبر الحوار مع قادة المعارضة والقوى السياسية.
وفي حين جدد تحذيره من انقلاب عسكري بات يراه وشيكًا، إلا أنه فشل في تحقيق أي اختراق، الأمر الذي جعله مكشوفًا أمام نظرائه في المجلس العسكري.
وفي 10 فبراير، دق الجيش المصري أجراس الخطر. ففيما راقب دعوات المتظاهرين المتصاعدة للزحف إلى القصر الجمهوري، خشي من مواجهة واستخدام للقوة فصدر خلال ساعات البيان العسكري رقم 1.
وقد جاء البيان من دون علم مبارك، بعد اجتماع 5 من قيادات المجلس برئاسة المشير طنطاوي.
يومها بحثوا فكرة الانقلاب المباشر على مبارك، إلا أنها لم تلق إجماعًا كاملًا، فسادت بدلًا منها فكرة الضغط عليه.
وقد اعتبر المفكر عزمي بشارة أن هذا الإجراء كان "انقلابًا غير مباشر"، لا سيما وأنه عُقد في غياب مبارك الذي يعد دستوريًا القائد الأعلى للقوات المسلحة.
بدوره، أوضح أستاذ العلوم السياسية والباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبد الفتاح ماضي أن "البيان أشار إلى أن الجيش أصبح فاعلًا سياسيًا في المشهد المصري بعيدًا عن مبارك؛ فكان مؤشرًا أساسيًا على بدء التفكير في التخلي عن مبارك إن لم يتنحّ".
واعتبر أن "ضغط الجيش على مبارك جاء بعد المظاهرات المليونية في الشارع، وتصاعد الثورة بشكل كبير، وإدراك الجيش عدم إمكانية إيقاف الجماهير إلا بخروج مبارك من المشهد".
وقبل صدور البيان، تحدثت رسالة موجهة للخارجية الأميركية عن أن النقاش كان حاميًا بين قادة المجلس العسكري، لكنهم يرغبون في الوصول إلى اتفاق مع مبارك من أجل تخليه عن منصبه طوعًا.
ولفتت إلى أنه "تم التوصل لاتفاقية تسمح لمبارك بأن ينتقل للعيش في قصره في شرم الشيخ على أن يبقي على لقب رئيس، في حين يحافظ عمر سليمان على موقعه كنائب للرئيس".
ثم جاء الخطاب الثالث والأخير لمبارك مع حلول مساء العاشر من فبراير. وخلافًا للتوقعات، رفض التنحي، ولم يسلّم السلطة للمجلس العسكري، بل تنازل عن صلاحياته لنائبه عمر سليمان. فقرر الجيش حسم الموقف.
حينها، خرجت تحذيرات من اللواء حسين الرويدي، قائد المنطقة المركزية العسكرية، من أنه إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء سريع، فإنه سيضطر لاستخدام القوة في مواجهة المتظاهرين.
ولفت إلى أن "قواته التي تقف على أبواب القصر الرئاسي، قد تواجه انتفاضة على الطريقة الإيرانية في أي لحظة".
في صباح 11 فبراير، توجه رئيس الأركان سامي عنان بصحبة عمر سليمان لمقابلة مبارك في القصر الجمهوري، كما تشير رسالة أميركية صادرة من القاهرة.
وفي اللقاء، وافق مبارك على عرض أخير قدمه له عنان مصحوبًا بتقديم ضمانة جديدة للحفاظ على أمواله من المصادرة.
ثم جاء البيان العسكري رقم 2، والذي قال إن الحسم أصبح أمرًا واقعًا، وانتشر على أثره الجيش في محيط القصور الرئاسية.
ولدى وصول مبارك إلى مقر إقامته في شرم الشيخ، هاتف طنطاوي ليعلمه قراره تفويض المسوؤلية كاملة له وللجيش.
وتم الاتفاق على أن يقرأ عمر سليمان بيان تنحي مبارك، بدلًا من أحد أفراد الجيش حتى لا يعطى انطباع بأن الرئيس عزل بانقلاب عسكري.
ما كان محتوى عرض المجلس العسكري على مبارك، وماذا عن مصير عمر سليمان الذي أصبح حينها وحيدًا في مواجهة المشير والجنرالات، المزيد عن كواليس تلك المرحلة في الحلقة المرفقة من كواليس.