عام 1972 وجد عصمت إينونو نفسه يواجه صعود تيار جديد في حزب الشعب الجمهوري التركي الذي شهد تأسيسه مع رفيقه مصطفى كمال أتاتورك.
ظل إينونو رئيسًا للحزب خلال فترة رئاسته للجمهورية منذ وفاة أتاتورك عام 1938، إلى أن وجد نفسه مضطرًا إلى ترك رئاسة الحزب أمام منافسه الجديد بولنت أجاويد، ليبتعد بعد ذلك تدريجيًا عن الحياة الحزبية، بعدما أمضى عقودًا في قلب التحولات التي نقلت تركيا من نهايات الدولة العثمانية إلى الجمهورية الحديثة.
فمع نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت مناطق واسعة من الأناضول واقعة تحت نفوذ أو احتلال القوات الإيطالية والفرنسية والبريطانية. ومع احتلال القوات اليونانية مدينة إزمير عام 1919، اشتعلت حرب الاستقلال التي قادها مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان قد وصل إلى الأناضول في مهمة رسمية أوكلتها إليه الحكومة العثمانية.
وفي الأناضول، بدأ مصطفى كمال تنظيم المقاومة في الجبهات الشرقية والجنوبية بمساعدة الضباط الذين استمروا في مواقعهم بعد هدنة مودروس التي أنهت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب وفتحت الطريق أمام احتلال أجزاء من أراضيها.
وكانت الجبهة الغربية في الأناضول تحت تهديد القوات اليونانية التي تحركت من إزمير إلى الداخل.
أتاتورك يختار عصمت إينونو
يقول الصحفي والمؤرخ المختص بتاريخ الجمهورية التركية نظمي كال إنه "أثناء فترة الحرب، كان هناك باشوات مثل رفعت باشا وعلي فؤاد باشا ونور الدين باشا، لكن أتاتورك اختار لقيادة الجبهة الغربية العقيد عصمت إينونو".
وفي ذلك الوقت، تساءل البعض عن سبب تعيين عقيد بدلًا من أي لواء يسبقه في الرتبة والخبرة، وفق كال.
ويصف أستاذ التاريخ السياسي في جامعة السلطان محمد الفاتح أحمد أمين داغ عصمت إينونو بأنه رسم صورة متكاملة للرجل الثاني إلى جانب مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، بعدما شغل رئاسة الوزراء في عهده لنحو 14 عامًا على فترتين، وساعده في تنفيذ عدد من التحولات الكبرى التي شهدتها الجمهورية.
من جهته، يروي الأستاذ في قسم التاريخ بجامعة إبراهيم شيشان في شرق تركيا بلال تونج أن عصمت إينونو بدأ مسيرته العسكرية عام 1907، وكانت منطقة البلقان من أولى محطات خدمته في فترة شهدت صراعات ومشكلات متزايدة للدولة العثمانية.
ويقول: "كانت تجري مفاوضات واتفاقيات حدودية بين البلغار والعثمانيين، وفي الوقت نفسه كان عصمت باشا ضابطًا صغير الرتبة، لكنه شارك في المفاوضات".
من البلقان إلى اليمن.. خبرات مبكرة تتجاوز الميدان
في مذكراته يقول عصمت إينونو: "في نهاية فبراير 1910، تم تعييني في هيئة الأركان للجيش العثماني في اليمن. تجهزنا في وقت قصير في إسطنبول وانطلقنا. في وظيفتنا الجديدة، كنا نتعلم تفاصيل كل فئة من الجنود من كل جيش مكلف باليمن. جميع الضباط كانوا مختارين بدقة".
بقي عصمت إينونو في اليمن نحو ثلاث سنوات واكتسب خلال إقامته هناك خبرات عسكرية ودبلوماسية.
وخلال هذه الفترة تعرّف إلى الموسيقى الغربية والسمفونية، التي كان يستمع إليها مع جنود فرنسيين.
ويقول بلال تونج إن إينونو "أجرى محادثات مع الإمام يحيى في اليمن، وسعى إلى التفاوض من دون حرب"، مشيرًا إلى أن نجاح هذه المفاوضات لفت الأنظار إلى مهاراته التي لم تقتصر على الجانب العسكري.
عصمت إينونو خلال خدمته في اليمن بين عامي 1910 و1913، وهي مرحلة اكتسب فيها خبرة عسكرية ودبلوماسية مبكرة – مؤسسة إينونو
بعد الانتصار التركي على القوات اليونانية ودخول القوات التركية إزمير في سبتمبر/ أيلول 1922، بدا واضحًا أن نتائج حرب الاستقلال أطاحت عمليًا بمعاهدة سيفير التي كانت قد قسمت مناطق النفوذ في ممتلكات الدولة العثمانية ومنحت إيطاليا واليونان وفرنسا حقوقًا في الأناضول ووضعت المضائق تحت نظام دولي.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1922، وُجهت الدعوة إلى القوى صاحبة النفوذ في المنطقة، إلى جانب حكومة إسطنبول العثمانية وحكومة أنقرة التي يرأسها مصطفى كمال، لحضور مؤتمر جديد للتفاوض على تسوية ما بعد الحرب.
لوزان.. من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات
يشير نظمي كال إلى أنه عندما أرسل أتاتورك عصمت إينونو إلى مؤتمر لوزان، أظهر مدى ثقته به دبلوماسيًا، على الرغم من وجود شخصيات أخرى مؤهلة مثل علي فؤاد باشا.
هنا، لم تكن الأسلحة سيوفًا أو بنادق، وإنما كلمات ومواقف ومبادئ. ومع ذلك، كان الهدف واحدًا: حماية أرضنا واستقلالنا".
عصمت إينونو في مذكراته
استمر تواصل عصمت إينونو مع الحكومة في أنقرة، لكنه لم يكن يعرف أن رسائله المشفرة كانت تصل إلى اللورد كيرزون وفريقه بعد أيام قليلة من اعتراضها.
وذكر السير هوراس رومبولد، نائب كيرزون في الجولة الأولى من المؤتمر وخليفته في الجولة الثانية، في رسالة إلى لورنس أوليفانت في وزارة الخارجية البريطانية أن المعلومات التي حصل عليها البريطانيون من مصادرهم السرية وضعتهم في موقع يشبه من يلعب الورق وهو يعرف أوراق خصمه.
ويقول إينونو: "كان أعيان الإمبراطورية العثمانية يميلون إلى تجنب تفكيك الإمبراطورية كحل، وكانوا يفضلون إبقاء الإمبراطورية ولو في حالة ضعف شامل، بدلًا من أن تتفكك إلى أجزاء".
لذلك، كانت مسألة انفصال البلاد العربية والتخلي عن الأراضي التي لم تكن تحت السيطرة المباشرة لتركيا أمرًا مفهومًا ومقبولًا. فقد أدركنا أن محاولة استعادة الأراضي التي ليست تحت سيطرتنا الفعلية ستكون أمرًا شاقًا للغاية".
عصمت إينونو في مذكراته
من جهته، يقول بلال تونج إن "معاهدة لوزان للسلام التي تم توقيعها عام 1923 هي أهم وثيقة في التاريخ السياسي التركي واستقلال تركيا، وإن الإنجازات الدبلوماسية التي حققها عصمت إينونو هناك مهمة للغاية".
وفي يوليو/ تموز 1923 حُسمت بنود التفاوض، وتم التوقيع على المعاهدة التي كرّست الاعتراف الدولي بالدولة التركية الجديدة وحدودها الأساسية.
عصمت إينونو أول رئيس للوزراء
في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1923 أصبحت أنقرة عاصمة للدولة، ثم أُعلنت الجمهورية في 29 من الشهر نفسه، وشكّل عصمت إينونو في اليوم التالي أول حكومة للجمهورية الوليدة.
كانت آثار سنوات الحرب أعمق بكثير مما تخفيه احتفالات الاستقلال، وكان أمام السلطة الجديدة تحد كبير لتجاوز خسائر بشرية واسعة وانهيار أصاب الزراعة والبنى التحتية وخطوط السكك الحديد، إلى جانب رحيل أعداد كبيرة من رجال الأعمال وموظفي الدولة والإداريين.
ويقول عصمت إينونو في مذكراته: "الفرح الذي شعرنا به في أيام إعلان الجمهورية أعطانا ارتياحًا بقدر ما شعرنا به في أيام النصر العظيم. الآن تم تحديد شكل دولتنا. لقد اتخذنا علنًا موقفًا ضد العالم بأسره من الداخل والخارج. وعندما رسخنا العلمانية في فترة الجمهورية، منحنا أنفسنا مساحة تحمينا من هيمنة الشريعة على السياسة. بعبارة أخرى، لأول مرة في تركيا، عارضنا الشريعة علنًا".
شكّل عصمت إينونو أول حكومة للجمهورية التركية الوليدة عام 1923
واجهت الحكومة الجديدة تحديات اقتصادية كبرى في سنواتها الأولى، ومع ذلك تصدرت إعادة صياغة الهوية الثقافية والسياسية للدولة جدول أعمالها.
وفي عام 1924 أُقر قانون توحيد التعليم، ثم أُغلقت التكايا والزوايا عام 1925، وفي العام نفسه فُرض ارتداء القبعة ضمن سلسلة الإصلاحات التي استهدفت تغيير المظهر العام للمجتمع والدولة.
وفي عام 1928 صدر قانون اعتماد الحروف التركية الجديدة، الذي أقر استخدام أبجدية مبنية على الحروف اللاتينية بدلًا من الأبجدية العثمانية ذات الأصل العربي.
لماذا أقال أتاتورك عصمت إينونو؟
تحديات عصمت إينونو بعد وصوله إلى الرئاسة
بعد وفاة أتاتورك وانتخاب عصمت إينونو رئيسًا للجمهورية عام 1938، اندلعت الحرب العالمية الثانية في العام التالي، لتصبح كيفية إبقاء تركيا خارج الصراع المباشر واحدًا من أكبر اختبارات رئاسته.
وفي مذكراته يقول إينونو: "في البداية، كنا مشغولين بالتفكير في كيفية الخروج من احتمالات الحرب العالمية الثانية. فكرت في التحالف مع روسيا السوفييتية والمجموعة الأنغلوسكسونية بشكل منفصل. ولم يكن الهدف من هذا التحالف هو الاتحاد مع طرف عندما يذهب الآخر إلى الحرب، وإنما جعلهما يتعهدان بالبقاء على الحياد عندما ينشأ صراع جديد بينهما".
ويشير نظمي كال إلى أن إينونو حاول طوال سنوات الحرب تجنب تورط تركيا المباشر فيها، معتمدًا على المناورة الدبلوماسية بين القوى المتحاربة.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، عانى الاقتصاد التركي، ولا سيما المزارعون، من أعباء الضرائب وضعف التنمية الاقتصادية والصناعية.
وفي تلك الأثناء برز مشروع مارشال الأميركي لدعم الاقتصادات الأوروبية، فيما كانت تركيا تتحرك في الوقت نفسه بصورة متزايدة نحو المعسكر الغربي في النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب.
ويقول بلال تونج إن هذه المرحلة عززت ارتباط السياسة التركية بالولايات المتحدة والكتلة الغربية، وأثرت لاحقًا في خياراتها الإقليمية.
قرارات تركية تخالف التوجه العربي
انعكس الاقتراب التركي من المعسكر الغربي أيضًا على عدد من خيارات أنقرة في الشرق الأوسط.
فرغم أن تركيا صوتت ضد قرار تقسيم فلسطين عام 1947، فإنها اعترفت بإسرائيل في 28 مارس/ آذار 1949، لتصبح أول دولة ذات أغلبية مسلمة تتخذ هذه الخطوة.
وأعادت الضغوط الداخلية والخارجية التي واجهت عصمت إينونو، ورغبته في تقديم صورة سياسية أقرب إلى نموذج المعسكر الغربي، إلى الواجهة نقاشًا أساسيًا يتعلق بمستقبل النظام السياسي الداخلي في تركيا.
ويرى بلال تونج أن فترة رئاسة عصمت إينونو التي استمرت بين عامي 1938 و1950 شهدت العديد من التغييرات والابتكارات.
ويشير إلى أن حزب الشعب الجمهوري هيمن على الحياة السياسية التركية منذ تأسيس الجمهورية، قبل أن يبدأ الانتقال الفعلي إلى الحياة الحزبية التعددية في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي.
ويضيف أن محاولات محدودة للتعددية جرت في عهد مصطفى كمال أتاتورك، لكن الانتقال الذي استقر وسمح بالتنافس بين الأحزاب تحقق في عهد عصمت إينونو.
إينونو في المعارضة ثم العودة إلى رئاسة الحكومة
في 14 مايو/ أيار 1950 أجريت الانتخابات العامة التي خسرها حزب عصمت إينونو.
ومع فوز الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندرس، وجد عصمت إينونو نفسه في مقاعد المعارضة للمرة الأولى بعد عقود كان خلالها في قلب السلطة العسكرية والسياسية.
وخلال السنوات العشر التالية، قاد إينونو حزب الشعب الجمهوري في مواجهة سياسية مع حكومة الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندرس.
وشهدت السنوات الأخيرة من حكم مندرس اضطرابات سياسية واجتماعية انتهت بانقلاب عسكري في مايو/ أيار 1960.
عاد إينونو إلى رئاسة الوزراء عام 1961، وترأس عدة حكومات ائتلافية حتى عام 1965
رسالة جونسون ومنعطف السياسة الخارجية
واجه إينونو خلال ولايته الأخيرة في رئاسة الحكومة أزمة جديدة في قبرص وضعت العلاقة مع الولايات المتحدة أمام اختبار صعب.
ففي يونيو/ حزيران 1964، وجّه الرئيس الأميركي ليندون جونسون رسالة إلى إينونو حذره فيها من استخدام الأسلحة الأميركية في تدخل تركي محتمل في قبرص، وأثار مضمون الرسالة صدمة واسعة في تركيا وأسئلة حول حدود الضمانات التي يقدمها التحالف الغربي لأنقرة.
وسافر إينونو بعد ذلك إلى واشنطن واجتمع بجونسون، في محطة كشفت أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد بالنسبة إلى تركيا خالية من الخلافات، حتى بعد سنوات من التقارب مع الغرب.
عصمت إينونو يحيي جماهير تركية تستقبله في لندن في يونيو 1964
وبعد مغادرته رئاسة الوزراء عام 1965، بقي إينونو حاضرًا في الحياة السياسية التركية وقائدًا لحزب الشعب الجمهوري حتى بداية السبعينيات، قبل أن يخسر رئاسة الحزب لمصلحة بولنت أجاويد عام 1972 ويبتعد عن العمل الحزبي.
وعلى امتداد نحو أربعة عقود منذ تأسيس الجمهورية وحتى خروجه من الحياة السياسية، بقي عصمت إينونو واحدًا من أبرز أعمدة الجمهورية التركية الحديثة، متنقلًا بين قيادة الجبهات والتفاوض في لوزان ورئاسة الحكومة والجمهورية ثم مقاعد المعارضة.
وانتهت معه تدريجيًا مرحلة الجيل الذي أسس الجمهورية، فيما دخلت تركيا مرحلة جديدة حملت معها إرثًا سياسيًا معقدًا، ومحيطًا إقليميًا مشتبكًا، وجيشًا سيظل حاضرًا بقوة في الحياة السياسية لعقود تالية.