قد تبدو المقارنة محسومة: إذا كان الوزن ينخفض عندما نأكل سعرات أقل مما ينفقه الجسم، فلماذا نهتم بنوع الطعام؟ وفي المقابل، إذا كانت الوجبة صحية ومكوّنة من أطعمة مغذية، فهل تبقى كميتها مهمة؟
الجواب المختصر: عجز السعرات هو ما يسمح للوزن بالانخفاض، وجودة الطعام هي ما يجعل الوصول إلى هذا العجز أسهل وأكثر إشباعًا وقابلية للاستمرار.
لذلك، ليست المسألة اختيارًا بين الرقم والطبق. السعرات تحدد كمية الطاقة، بينما تؤثر جودة الطعام في الجوع والشبع والحفاظ على العضلات والحصول على العناصر الغذائية. وقد ينجح تجاهل أحد الجانبين فترة قصيرة، لكنه يجعل المهمة أصعب على المدى الطويل.
في هذه الحلقة من "دليل عملي"
لماذا لا ينخفض الوزن من دون عجز في السعرات؟
يحتاج الجسم إلى الطاقة كي يحافظ على وظائفه الأساسية ويتحرك ويهضم الطعام. وعندما يحصل من الطعام والشراب على طاقة أقل مما ينفقه، يبدأ بتغطية الفارق من مخزونه، فينخفض الوزن مع الوقت.
لهذا يمكن لأنماط غذائية مختلفة أن تؤدي إلى خسارة الوزن إذا خفضت الطاقة المتناولة بدرجة يمكن الاستمرار عليها. لكن هذا لا يعني أن احتياجات الجسم رقم ثابت أو أن خسارة الوزن تسير بالمعدل نفسه أسبوعًا بعد آخر.
فالاحتياج إلى الطاقة يتأثر بالعمر والطول والوزن والنشاط وكتلة العضلات والحالة الصحية. كما يحتاج الجسم الأخف عادة إلى طاقة أقل، وقد يتباطأ النزول مع الوقت. ولهذا طوّر المعهد الوطني الأميركي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى مخططًا يحسب تغير الاحتياجات بمرور الوقت، بدل الاعتماد على معادلة ثابتة.
هل تتساوى جميع السعرات؟
من ناحية الطاقة، تبقى السعرة وحدة قياس واحدة. لكن 200 سعرة من مشروب محلى لا تمنح التجربة نفسها التي تمنحها 200 سعرة من اللبن والفاكهة، أو من البيض والخضراوات.
يحتوي الخيار الثاني عادة على قدر أكبر من البروتين أو الألياف أو الماء، ويحتاج إلى مضغ ووقت أطول، ما قد يساعد على الشعور بالشبع. أما المشروبات المحلاة وبعض الحلويات والوجبات الخفيفة، فيسهل تناول كمية كبيرة منها بسرعة قبل أن تصبح إشارة الامتلاء واضحة.
ظهر هذا الفارق في تجربة سريرية منشورة في دورية Cell Metabolism، أقام خلالها 20 بالغًا في مركز تابع للمعاهد الوطنية للصحة الأميركية. قُدمت إليهم، في مرحلتين مدة كل منهما أسبوعان، وجبات فائقة المعالجة وأخرى قليلة المعالجة، مع تقارب ما عُرض عليهم من السعرات وبعض المغذيات، وسمح لهم بالأكل بالقدر الذي يريدونه.
خلال مرحلة الطعام فائق المعالجة، تناول المشاركون نحو 500 سعرة إضافية يوميًا في المتوسط، وأكلوا بسرعة أكبر واكتسبوا نحو 0.9 كيلوغرام. وفي مرحلة الطعام القليل المعالجة، انخفض وزنهم بمقدار مقارب. كانت التجربة صغيرة وقصيرة، ولذلك لا تحسم وحدها آثار جميع الأطعمة المصنعة، لكنها توضح كيف قد تؤثر بنية الطعام وسهولة تناوله في الكمية التي نأكلها تلقائيًا.
المغزى ليس أن الأطعمة فائقة المعالجة تلغي قوانين الطاقة، وإنما أنها قد تجعل تجاوز احتياج الجسم أسهل. ولهذا تكون جودة الطعام وسيلة تساعد على ضبط السعرات، لا منافسًا لها.
تساعد الوجبة الغنية بالبروتين والألياف على الشبع، لكن حجم الحصة يبقى جزءًا من الحساب - غيتي
ماذا يحدث عندما نراقب الرقم وحده؟
يمكن لشخص أن يلتزم بعدد منخفض من السعرات معتمدًا على حصص صغيرة من الحلويات والرقائق وغيرها من الأطعمة الفقيرة بالعناصر الغذائية. وربما ينخفض وزنه فعلًا، لكن الرقم وحده لا يضمن حصوله على ما يكفي من البروتين والألياف والفيتامينات والمعادن.
كما قد تجعل الوجبات الصغيرة شديدة الكثافة الحرارية الجوع متكررًا، فيتحول اليوم إلى مقاومة مستمرة للرغبة في الأكل. وقد يزداد خطر خسارة جزء من الكتلة العضلية إذا كان الطعام لا يوفر مقدارًا مناسبًا من البروتين، ولا سيما مع غياب تمارين المقاومة.
ويُعد البروتين من العناصر التي تساعد على إطالة الشبع ودعم الكتلة العضلية، مع اختلاف احتياجات الأشخاص ومصادره الغذائية. ويمكن الاطلاع على مقارنة أوسع بين مصادر البروتين المختلفة.
جودة الطعام مهمة أيضًا خارج الميزان. فالوزن ليس المؤشر الصحي الوحيد، وخسارته لا تعوّض تلقائيًا نمطًا غذائيًا يفتقر إلى التنوع أو يعتمد بكثرة على السكر المضاف والملح والدهون غير الصحية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الغذائي الصحي يقوم على الكفاية والتوازن والاعتدال والتنوع، مع الاعتماد أساسًا على أطعمة قليلة أو غير مصنعة، لا على رقم السعرات وحده.
وهل تكفي الأطعمة الصحية وحدها؟
الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن الطعام الصحي يمكن تناوله بلا انتباه إلى الكمية.
زيت الزيتون والمكسرات والأفوكادو وزبدة الفول السوداني أطعمة مغذية، لكنها مرتفعة الكثافة الحرارية. وقد تضيف حفنة كبيرة من المكسرات أو عدة ملاعق من الزيت مئات السعرات إلى اليوم، من دون أن يبدو حجم الطعام كبيرًا.
ينطبق الأمر نفسه على العصائر وألواح الطاقة والمنتجات المكتوب عليها "طبيعي" أو "عضوي". هذه الأوصاف لا تعني أن المنتج منخفض السعرات، كما أن السلطة لا تبقى خفيفة تلقائيًا بعد إضافة كميات كبيرة من الصلصة والجبن والمكسرات.
ويتضح أثر شكل الطعام في حلقة سابقة من السلسلة تشرح لماذا لا يحصل الجسم على الشيء نفسه عند تناول البرتقال أو عصير البرتقال. فالثمرة الكاملة تحتاج إلى المضغ وتحتفظ بأليافها وبنيتها، بينما يسهل شرب كمية تعادل عدة ثمرات خلال وقت قصير.
هل يجب أن تحسب كل سعرة؟
ليس بالضرورة. عدّ السعرات أداة يمكن استخدامها، وليس شرطًا لخسارة الوزن أو حكمًا على انضباط الشخص.
قد يفيد تسجيل الطعام فترة قصيرة في اكتشاف مصادر للطاقة لا ننتبه إليها، مثل المشروبات والصلصات والزيوت والوجبات الخفيفة وأحجام الحصص. لكنه لا يقدم رقمًا دقيقًا تمامًا؛ فالملصقات الغذائية والتقديرات المنزلية وحساب استهلاك الجسم للطاقة تحمل جميعها هامشًا من الخطأ.
إذا اخترت العدّ، تعامل مع الرقم بوصفه تقديرًا ونطاقًا، ثم راقب اتجاه الوزن على مدى أسابيع، لا نتيجة يوم واحد. فقد يرتفع الوزن أو ينخفض مؤقتًا بسبب الماء والملح والدورة الشهرية ومحتوى الجهاز الهضمي، من دون تغير مماثل في كمية الدهون.
وإذا كان التتبع يسبب قلقًا أو شعورًا بالذنب أو تفكيرًا متواصلًا بالطعام، فتوجد طرق أخرى لضبط الكمية: استخدام طبق أصغر، وتثبيت مواعيد الوجبات، ووضع الطعام في طبق بدل الأكل من العبوة، وبناء كل وجبة حول البروتين والخضراوات والحبوب أو النشويات بكمية مناسبة.
أما من لديه تاريخ مع اضطرابات الأكل، فقد يكون تنظيم الوجبات بمساعدة اختصاصي أكثر أمانًا من استخدام تطبيق يحصي كل لقمة. كما ينبغي الانتباه إلى علامات عدم تناول ما يكفي من الطعام، مثل التعب المستمر والدوار وضعف التركيز.
كيف تجمع بين السعرات وجودة الطعام؟
-
اجعل الخضراوات جزءًا كبيرًا من الطبق، واختر الفاكهة الكاملة بدل العصير في معظم الأحيان.
-
أضف مصدرًا واضحًا للبروتين، مثل البيض أو اللبن أو السمك أو الدجاج أو البقول.
-
أضف كمية تناسب احتياجك من الأرز أو البطاطا أو الخبز أو الحبوب الكاملة.
-
استخدم الزيت والمكسرات والصلصات بوعي؛ فهي قد تكون مفيدة، لكن سعراتها مركزة.
-
اجعل الماء والمشروبات غير المحلاة الخيار المعتاد، لأن السعرات السائلة لا تمنح دائمًا الشبع نفسه.
-
اترك مساحة لطعام تحبه، حتى إن لم يكن الأعلى قيمة غذائية، بدل تحويله إلى ممنوع ينتهي بالإفراط فيه.
يمكن أيضًا البدء بتغيير واحد يسهل الحفاظ عليه: تقليل المشروبات المحلاة، أو إضافة الخضراوات إلى الغداء، أو تثبيت مصدر للبروتين في الإفطار. فالهدف هو تحسين النمط الغالب، لا الوصول إلى طبق مثالي في كل مرة.
ولمزيد من الخيارات اليومية، يمكن الرجوع إلى دليل بدء نظام غذائي متوازن، الذي يركز على النمط العام بدل الحلول السريعة.
يمكن لحساب السعرات أن يكشف أحجام الحصص، لكنه يبقى تقديرًا لا يلزم استخدامه دائمًا - غيتي
كيف تعرف أن خطتك مناسبة؟
لا تُقاس الخطة الجيدة بسرعة نزول الوزن وحدها. يفترض أن تتمكن من تطبيقها من دون جوع شديد معظم اليوم، وأن توفر أطعمة متنوعة، وألا تعزلك اجتماعيًا أو تجعل الطعام مصدرًا دائمًا للذنب والقلق.
راقب الاتجاه العام بدل الرقم اليومي. ويمكن مقارنة متوسط الوزن أسبوعًا بعد آخر، مع تذكر أن التغير ليس خطيًا، وأن ثبات الميزان أيامًا أو أسابيع لا يعني دائمًا أن الخطة فشلت.
إذا استمر الوزن في الاتجاه نفسه مدة كافية، يمكن إجراء تعديل صغير، مثل تقليل كمية الزيت أو الوجبات الخفيفة أو المشروبات المحلاة، بدل خفض الطعام كله دفعة واحدة.
وتستدعي خسارة الوزن إشرافًا طبيًا عند وجود مرض مزمن، مثل السكري أو أمراض الكلى، أو خلال الحمل والرضاعة، أو عند تناول أدوية تؤثر في الشهية والوزن. كما ينبغي طلب المساعدة عند ظهور دوار أو ضعف مستمر أو اضطراب في الدورة الشهرية أو نوبات أكل قهري.
إذًا.. أيهما أهم؟
لكن إذا كان السؤال: كيف أخسر الوزن من دون جوع مستمر، ومع الحفاظ على تغذية جيدة وخطة أستطيع مواصلتها؟ فهنا تصبح جودة الطعام ضرورية.
القاعدة العملية هي:
من "دليل عملي" | الغذاء والاختيارات اليومية
اقرأ أيضًا ضمن السلسلة