السعودية في مونديال 2026.. هل يستعيد "الأخضر" ذاكرة 1994؟
يستعد المنتخب السعودي لخوض نهائيات كأس العالم 2026، في المشاركة السابعة تاريخيًا والثالثة على التوالي، ضمن النسخة الأكبر في تاريخ البطولة التي ستقام لأول مرة بمشاركة 48 منتخبًا، وتستضيفها بشكل مشترك الولايات المتحدة وكندا والمكسيك خلال الفترة بين 11 يونيو/ حزيران و19 يوليو/ تموز 2026.
وبين هدف سعيد العويران الشهير في مرمى بلجيكا، وفوز سالم الدوسري التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر 2022، يحضر "الأخضر" إلى النسخة المقبلة وهو يحمل إرثًا مزدوجًا: منتخب يعرف كيف يصنع المفاجآت، لكنه لا يزال يبحث عن استمرارية مونديالية تعيد إنجاز 1994 إلى الواجهة.
وتُعد نسخة 2026 محطة خاصة للسعودية، ليس فقط لأنها المشاركة السابعة في تاريخها والثالثة على التوالي، وإنما لأنها تأتي ضمن أكبر حضور عربي في تاريخ كأس العالم.
السعودية في كأس العالم
منذ ظهوره الأول في مونديال الولايات المتحدة 1994، رسّخ المنتخب السعودي حضوره بوصفه أحد أبرز ممثلي القارة الآسيوية والعالم العربي في كأس العالم، إذ لم يغب عن النهائيات منذ ذلك الوقت سوى في نسختين فقط.
وبعد مشاركات 1998 و2002 و2006 و2018 و2022، يعود "الأخضر" في 2026 إلى النهائيات للمرة السابعة، والثالثة تواليًا. لكن هذا الحضور المنتظم لم ينجح حتى الآن في تكرار الإنجاز الأول.
فمنذ عبور دور المجموعات عام 1994، بقي المنتخب السعودي قريبًا أحيانًا من صناعة لحظات كبيرة، كما حدث أمام الأرجنتين في قطر، لكنه لم يتمكن من تحويل تلك اللحظات إلى تأهل جديد للأدوار الإقصائية.
هل يستطيع "الأخضر" أن يجمع بين خبرة المشاركات السابقة، وجرأة المفاجآت، ومشروع فني جديد، ليذهب أبعد من حدود الظهور المشرّف؟
مجموعة السعودية في مونديال 2026
يلعب المنتخب السعودي في المجموعة الثامنة إلى جانب إسبانيا والأوروغواي والرأس الأخضر.
ويبدأ "الأخضر" مشواره أمام الأوروغواي يوم 15 يونيو/ حزيران على ملعب ميامي، قبل مواجهة إسبانيا يوم 21 يونيو في أتلانتا، ثم يختتم الدور الأول أمام الرأس الأخضر يوم 26 يونيو في هيوستن.
هذه المجموعة لا تمنح السعودية طريقًا سهلًا، لكنها لا تغلق الباب تمامًا. فالنظام الجديد للبطولة، الذي يسمح بتأهل أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث إلى جانب أول وثاني كل مجموعة، يمنح "الأخضر" هامشًا أوسع للحسابات، شرط أن يحسن التعامل مع المباراة الافتتاحية وألا يترك مواجهته الأخيرة أمام الرأس الأخضر تتحول إلى اختبار متأخر بلا رصيد كافٍ.
مباريات السعودية في الدور الأول
طريق التأهل إلى مونديال 2026
لم يكن طريق السعودية إلى مونديال 2026 مباشرًا. فقد قطع المنتخب مسارًا طويلًا في التصفيات الآسيوية، بدأ بعبور المراحل الأولى، ثم خوض مجموعة قوية في الدور الثالث ضمت اليابان وأستراليا، قبل أن يواصل الطريق عبر الدور الرابع بحثًا عن بطاقة العبور.
وفي المرحلة الحاسمة، افتتح "الأخضر" مشواره بالفوز على إندونيسيا (3-2)، قبل التعادل سلبيًا مع العراق، ليحسم الصدارة بفارق الأهداف ويضمن حضوره في كأس العالم.
وتصدر المنتخب السعودي المجموعة بفارق الأهداف عن "أسود الرافدين"، ليؤكد تأهله رسميًا إلى كأس العالم 2026.
هذا التأهل لم يأتِ وسط استقرار كامل. فقد جاءت مرحلة ما قبل المونديال بتغيير فني مهم، بعد تعيين المدرب اليوناني جورجيوس دونيس خلفًا لهيرفي رينارد في أبريل/ نيسان 2026.
ويملك دونيس معرفة واسعة بالكرة السعودية، بعدما قاد أندية عدة في الدوري المحلي، بينها الهلال والفتح والوحدة والخليج، ما منحه معرفة واسعة بالملاعب السعودية واللاعبين المحليين الذين يُنتظر أن يشكلوا العمود الفقري للتشكيلة في كأس العالم.
وسيبدأ المدرب المولود في ألمانيا مهمته الودية الأولى أمام الإكوادور في نيوجيرسي يوم 30 مايو/ أيار، ضمن تحضيرات المنتخب للبطولة العالمية.
تاريخ السعودية في كأس العالم
يملك المنتخب السعودي سجلًا موندياليًا لافتًا على مستوى الحضور العربي والآسيوي. فهو يخوض في 2026 مشاركته السابعة، بعد ظهوره في نسخ 1994 و1998 و2002 و2006 و2018 و2022.
أرقام سعودية في كأس العالم
وعلى مستوى الأسماء، يتقاسم سامي الجابر وسالم الدوسري صدارة هدافي السعودية في كأس العالم برصيد ثلاثة أهداف لكل منهما. فقد سجّل الجابر في نسخ 1994 و1998 و2006، فيما سجّل الدوسري في نسختي 2018 و2022، وبينها هدفه التاريخي أمام الأرجنتين.
أما محمد الدعيع، فيبقى أكثر اللاعبين السعوديين مشاركة في تاريخ كأس العالم، بعدما خاض 10 مباريات موزعة على نسخ 1994 و1998 و2002، وكان من أعمدة الجيل الذي بلغ دور الـ16 في المشاركة الأولى.
مونديال 1994.. المشاركة التي صنعت التاريخ
تبقى نسخة 1994 نقطة التأسيس الكبرى في ذاكرة السعودية المونديالية. ففي أول مشاركة لها بكأس العالم، لم يكتفِ "الأخضر" بالحضور، بل صنع واحدة من أبرز قصص العرب في تاريخ البطولة.
حينها، افتتح المنتخب السعودي مشواره بمواجهة قوية أمام هولندا ضمن المجموعة السادسة، ورغم الخسارة (2-1)، نال إشادة واسعة بسبب الأداء القوي أمام أحد عمالقة أوروبا.
وفي المباراة الثانية، حقق "الأخضر" أول انتصار له في كأس العالم بعد الفوز على المغرب (2-1) في نيوجيرسي، ليحصد أول ثلاث نقاط مونديالية في تاريخه.
لكن اللحظة الخالدة جاءت أمام بلجيكا، حين سجّل سعيد العويران هدفًا لا يزال من أجمل أهداف كأس العالم، بعدما انطلق من منتصف الملعب تقريبًا، متجاوزًا أكثر من لاعب قبل أن يضع الكرة في الشباك.
قطر 2022.. ليلة هزيمة الأرجنتين
إذا كانت نسخة 1994 صنعت الإنجاز الأكبر، فإن مونديال قطر 2022 صنع اللحظة الأكثر صخبًا في الذاكرة الحديثة. فقد وقعت السعودية في مجموعة صعبة ضمت الأرجنتين وبولندا والمكسيك، وبدأت مشوارها بمواجهة المنتخب الأرجنتيني، الذي كان من أبرز المرشحين للقب.
وفي ملعب لوسيل، صنع "الأخضر" واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم، عندما قلب تأخره إلى فوز تاريخي (2-1). وسجّل سالم الدوسري هدف الفوز بطريقة جعلته يدخل الذاكرة السعودية والعالمية، خصوصًا أن الأرجنتين مضت بعد تلك الخسارة إلى التتويج باللقب.
لكن الفوز الكبير لم يكن كافيًا للعبور. فقد خسرت السعودية أمام بولندا ثم المكسيك، لتودع البطولة من الدور الأول.
وهكذا بقيت المفارقة قائمة: المنتخب قادر على صناعة ليلة لا تُنسى، لكنه يحتاج في 2026 إلى تحويل المفاجأة إلى مسار متكامل.
المنتخب السعودي بين الإرث والجيل الحالي
يدخل المنتخب السعودي مونديال 2026 وهو يحمل إرثًا تاريخيًا بدأ منذ الولايات المتحدة 1994، مرورًا بليلة الأرجنتين في قطر 2022، وصولًا إلى جيل جديد يطمح لإعادة "الأخضر" إلى الأدوار الإقصائية.
لكنّ "الأخضر" لا يعيش على الماضي وحده. فالفريق يملك عناصر خبيرة مثل سالم الدوسري، الذي بات أحد رموز الكرة السعودية الحديثة، إلى جانب مجموعة من اللاعبين الذين اكتسبوا خبرة مهمة من المشاركات القارية والتصفيات الطويلة.
كما أن تطور الدوري السعودي خلال السنوات الأخيرة منح اللاعبين المحليين احتكاكًا أكبر ومنافسة أعلى، حتى وإن بقي التحدي الحقيقي في قدرة المنتخب على ترجمة ذلك داخل كأس العالم. فالفارق بين الأداء الجيد في مباراة واحدة والنجاح في بطولة كاملة يبقى كبيرًا، خصوصًا أمام منتخبات مثل إسبانيا والأوروغواي.
أما دونيس، فيبدو أمام مهمة سريعة ومعقدة: بناء توازن دفاعي، استخدام الخبرة المتوافرة، واستثمار سرعة بعض الأسماء في الهجمات المرتدة، من دون أن يفقد المنتخب صلابته أمام خصوم يملكون قدرة عالية على الضغط والاستحواذ.
هل يستعيد "الأخضر" ذاكرة العبور؟
عبور جديد يربط الحاضر بذاكرة 1994، ويمنح الجيل الحالي مكانه الخاص في تاريخ الكرة السعودية.