الجمعة 6 مارس / مارس 2026
Close

"السلام من الآن فصاعدًا".. حروب تنتهي بتبادل أبقار وشراكة جزر وعقد قران

"السلام من الآن فصاعدًا".. حروب تنتهي بتبادل أبقار وشراكة جزر وعقد قران محدث 12 فبراير 2026

شارك القصة

أشكال من الصلح وإرساء الهدن وتقليص فرص الحروب تمت عبر تجارب مختلفة وغير مألوفة
أشكال من الصلح وإرساء الهدن وتقليص فرص الحروب تمت عبر تجارب مختلفة وغير مألوفة أحيانًا - غيتي
الخط
تجارب أوروبية عبر هدن ومصالحات تسلط الضوء على قدرة البشر أحيانًا في ابتداع حلول لإنهاء سيل الدماء والنزعة المتوحشة للتسلط والقتال.

خاضت فرنسا وإسبانيا عبر التاريخ أكثر من عشرة حروب دامية، استمر بعضها لعقود، وذهب ضحيتها ملايين البشر؛ بين قتلى في ساحات القتال، وخسائر غير مباشرة سببتها المجاعات والأوبئة والتهجير، وانهيار البنى الاقتصادية والزراعية. لكن تجاور البلدين، وتطور التفكير السياسي، وظهور تهديدات أوروبية جديدة لقوى طموحة أخرى، ساهمت كلها في تقاربهما تدريجيًا.

صحيح أن فصول صلحٍ متعددة سبقت هذا التقارب، غير أن "جمر الحرب" كان يعود للاشتعال تحت الرماد بين حين وآخر. ويمكن القول اليوم إنّ عودة الحروب بين البلدين إلى مستواها السابق باتت ضعيفة الاحتمال، رغم اهتزاز الثقة بالمنظومة الأمنية العالمية عمومًا.

ومن هنا، نستعرض بعض أشكال الصلح وترتيبات الهدن وتقليص فرص النزاع، إن أمكن، عبر تجارب أوروبية من التاريخ القريب والمتوسط، بوصفها أمثلة على قدرة البشر، أحيانًا، على ابتكار حلول إبداعية وغير متوقعة لإنهاء سيل الدماء والنزعة المتوحشة للتسلط والقتال.  


معاهدة الأبقار الثلاث

البداية من قصّة طريفة، تتصدرها ثلاث بقرات لا أكثر. فبموجب واحدة من أقدم المعاهدات الأوروبية، تلتزم فرنسا بتزويد إسبانيا بثلاث أبقار كل عام، في تقليد يُعرف باسم "Tratado de las Tres Vacas" أي "معاهدة الأبقار الثلاث".

ويُحتفل بهذه المعاهدة سنويًا على الحدود بين البلدين في جزء من جبال البيرينيه، بين واديي باريتوس (في فرنسا) ورونكال (في إسبانيا).

وتنص الاتفاقية على أن تسلّم باريس ثلاث بقرات "جزية" إلى مدريد في 13 يوليو/ تموز من كل عام.

ويعود أساسها القانوني إلى العصور الوسطى، وتحديدًا إلى عام 1375، حين قام عمدة قرية قريبة من الحدود تُدعى آنزو بالوساطة التي أثمرت هذا الاتفاق "التاريخي".

تلتزم فرنسا بتزويد إسبانيا بثلاث أبقار كل عام بموجب معاهدة قديمة
تلتزم فرنسا بتزويد إسبانيا بثلاث أبقار كل عام بموجب معاهدة قديمة - غيتي 

مع ذلك، يرجّح مؤرخون أن التقليد أقدم من تاريخ إقراره الرسمي، وربما يعود إلى حقبة أسبق بكثير، مع احتمالات تربطه بجذور رومانية أو بتحولات مبكرة شهدتها المنطقة. غير أن الرواية الأوضح تشير إلى زمنٍ استعرت فيه الصراعات في جبال البيرينيه على الموارد، ولا سيما المراعي ومصادر المياه، قبل أن تنتهي بتسوية تقوم على "تعويض" يدفعه طرف لآخر، مقابل إرساء السلام وتقاسم الثروات الطبيعية.

منذ تثبيت الاتفاقية عام 1375، طُبق هذا التقليد 448 مرة على الأقل، وفق ما ذكرت صحيفة "لا رازون" الإسبانية. ورغم انقطاعات محدودة في بعض الفترات، ظل التقليد قائمًا وتحول مع الوقت إلى مناسبة سياحية-تراثية، واعترف به عام 2011 بوصفه تراثًا ثقافيًا غير مادي.

يُقام الاحتفال قرب حجر حدودي يعرف بـ"حجر دي سان مارتن" ويحمل الرقم 262. ويتبع المشاركون بروتوكولًا محددًا، إذ يرتدي ممثلو وادي رونكال في إسبانيا زيهم التقليدي، بينما يظهر الفرنسيون من باريتوس بملابس يوم الأحد مع شريط فرنسي ثلاثي الألوان على صدورهم.

وخلال الحفل، يسأل عمدة إيسابا، الذي يترأس المناسبة، ممثلي باريتوس ثلاث مرات عمّا إذا كانوا مستعدين، كما في السنوات السابقة، لتكريم الاتفاق بثلاث بقرات بعمر عامين، وبجلودها وقرونها الطبيعية، من دون أي بقعة أو جرح. ويأتي الرد بالإيجاب ثلاث مرات.

بعد ذلك، يضع أحد رؤساء بلديات باريتوس يده اليمنى على الحجر الحدودي، ثم يضع أحد ممثلي وادي رونكال يده فوقها، ويتناوب الآخرون على الحركة نفسها. عندها تُردد العبارة: "Pax avant, pax avant, pax avant"، أي "السلام من الآن فصاعدًا". ثم تُفحص الأبقار من قبل طبيب بيطري للتأكد من سلامتها، لتذهب بقرتان إلى قرية إيسابا، بينما تتناوب البقرة الثالثة سنويًا بين قرى مجاورة.

وفي الوقت الحاضر، تعود الأبقار إلى أصحابها بعد الاحتفال، وتُدفع "الجزية" بما يعادل قيمتها السوقية.


جزيرة مشتركة ببقرة وثلاث بطات 

ومن ثمار السلام بين فرنسا وإسبانيا أيضًا، اتفاقٌ فريد على تقاسم السيادة على جزيرة صغيرة تتوسط مجرى نهر بيداسوا، الذي يرسم جزءًا من الحدود بين البلدين. تلك الجزيرة، على صغرها، تحولت إلى مساحة رمزية لطيّ صفحة حرب طويلة وإرساء قاعدة لتوازن جديد.

فالجزيرة لا يتجاوز طولها نحو 200 متر وعرضها نحو 40 مترًا. لكنها كانت المكان الذي احتضن توقيع "معاهدة جبال البرانس" عام 1659، بين لويس الرابع عشر ملك فرنسا وفيليب الرابع ملك إسبانيا، لتنتهي حربٌ بدأت عام 1635 وامتدت قرابة 24 عامًا، وخلّفت أكثر من نصف مليون ضحية وفق تقديرات متداولة.

 في شهر مايو/ أيار من العام 1635 شنت فرنسا بجيش مؤلف من 27 ألف مقاتل حربها على الأراضي الواقعة تحت الحكم الإسباني في وسط أوروبا، لتنضم إليها دول أوروبية أخرى فينتشر القتال على أراضي مختلفة في القارة المضطربة حتى بلغ أوجه بانتصار جزئي لفرنسا في العام 1659.  

وبعد عقدين من التحارب قرر البلدان إنهاء الحرب، فاتفق مستشارو كل من لويس الرابع عشر ملك فرنسا وفيليب الرابع ملك إسبانيا على قمة تجمع الطرفين العدوين في منطقة محايدة تقع بين البلدين، ووقع الخيار بطريقة ما على تلك الجزيرة التي تدعى جزيرة الفزان (Isla de los Faisanes).  

جزيرة الفزان
جزيرة الفزان - موقع basquecountry-tourism

ووفقًا لما يذكره موقع "Fascination Spain "، ففي عام 1659، استضافت الجزيرة التي اعتبرت مساحة محايدة لقاء توقيع معاهدة جبال البرانس، وهي معاهدة سلام بين الملكين لويس الرابع عشر ملك فرنسا وفيليب الرابع ملك إسبانيا أنهت الحرب الفرنسية الإسبانية التي بدأت عام 1635. 

وبموجب المعاهدة، تقرر أن يتناوب البلدان السيطرة على الجزيرة، لتصبح "منطقة سيادة مشتركة" تُدار بالتساوي: فرنسا لمدة نصف عام، وإسبانيا في النصف الآخر.

وفي عام 1861 نُقشت على الجزيرة قصيدة تؤرخ للحدث على نصب حجري، كُتبت إحداها بالإسبانية على الجانب المواجه لإسبانيا، والأخرى بالفرنسية على الجانب المقابل.

وتذكر مصادر متعددة أن الجزيرة شهدت لاحقًا محطات رمزية أخرى: ففي عام 1660 ودّعت ماريا تيريزا (ابنة ملك إسبانيا) والدها والبلاط الإسباني على الجزيرة قبل عبورها إلى فرنسا للزواج من لويس الرابع عشر. وفي عام 1721 التقى لويس الخامس عشر بزوجته المرتقبة ماريانا فيكتوريا على الجزيرة نفسها.

 ورغم اسمها المرتبط بطائر الدراج/الفزان، إلا أنه لا يوجد طائر دراج يمكن العثور عليه في الجزيرة، وتُروى ملاحظة طريفة عن زيارة الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو للجزيرة عام 1843، إذ قال إنه رأى "بقرة وثلاث بطات على الأكثر"، من دون أن يرى الطيور التي تحمل الجزيرة اسمها.

واليوم، يبقى الوصول إلى الجزيرة محدودًا، ولا يُسمح للجمهور بزيارتها إلا في أيام تراث محددة. وتتولى المجالس المحلية في إيرون الباسكية وهينداي الفرنسية مسؤولية الحفاظ عليها.

وتُقسَّم أعمال العناية بالطبيعة بطريقة "تعاونية": الإسبان يُقلمون الأشجار، والفرنسيون يقصّون الحشائش بحسب الفصول، وفقًا لتعبير صحيفة "الباييس" الإسبانية، لتبقى الجزيرة رمزًا للدبلوماسية بين جارَين اختبرا معنى الحرب… ثم بحثا عن صيغة للتعايش.


طرق أخرى لإنهاء الحروب  

إذا كانت المعاهدات والحدود المشتركة إحدى وسائل إنهاء النزاعات، فقد ظلّت الزيجات السياسية حتى بدايات القرن الماضي أداة بارزة لوقف الحروب أو تحجيمها، عبر ربط الأسر الحاكمة وتبادل المصالح، وإن كان ذلك لم يمنع الحروب دائمًا بقدر ما حاول "تأطيرها".

ويذكر التاريخ أمثلة لا تحصى في هذا الإطار، بينها ما هو بارز أكثر من غيره، على غرار زواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة (18 عامًا) وفرديناندو الثاني ملك أراغون (17 عامًا) سنة 1469، وهو الحدث الذي مهّد لتوحيد إسبانيا على أسس سلالية وسياسية. وتذكر مراجع تاريخية أن إيزابيلا اعتمدت أيضًا "الزيجات الاستراتيجية" لضمان استقرار المملكة، عبر تزويج أبنائها وبناتها ضمن شبكة تحالفات أوروبية واسعة:

  • زوّجت ابنتها إيزابيلا من أفونسو أمير البرتغال، ثم من مانويل الأول ملك البرتغال بعد وفاة أفونسو.
  • زوّجت ابنتها الثانية من فيليب الوسيم (بوهيميا/النمسا).
  • زوّجت كاثرين عام 1501 من آرثر الأخ الأكبر لهنري الثامن، ثم بعد ترملها تزوجت هنري الثامن عام 1509.
  • أنجبت كاثرين خمسة أطفال، توفي معظمهم عند الولادة، وبقيت ماري التي أصبحت لاحقًا الملكة ماري الأولى.

وفي بريطانيا، يُذكر زواج مارغريت تيودور (13 عامًا)، شقيقة هنري الثامن، من جيمس الرابع ملك اسكتلندا (30 عامًا) في 8 أغسطس/ آب 1503، بوصفه خطوة صُممت لترسيخ "سلام دائم" بين المملكتين. 

ووفقًا لموقع "سكوتيش هيستوري" كان هذا الزواج، مزيجًا من العلاقات السياسية والعاطفية، وأثمر ستة أطفال، على الرغم من أن واحدًا فقط - جيمس الخامس - نجا حتى سن الرشد.

إلا أن هذا الزواج مهد لما سيصبح حدثًا محوريًا، حيث قاد أحفاد مارغريت، من خلال ابنها جيمس الخامس، في نهاية المطاف إلى اتحاد التاجين الاسكتلندي والإنكليزي تحت حكم جيمس الأول ملك إنكلترا (جيمس السادس ملك اسكتلندا) عام 1603.

ورغم أن  اتحاد أسرتي تيودور-ستيوارت لم يوحد بريطانيا بالكامل، إلا أنه أنشأ اتحادًا شخصيًا ومهّد الطريق للاتحاد السياسي في نهاية المطاف. 


بلدة إسبانية بتراث آسيوي وكُنى يابانية 

وعلى مستوى أقل "ملكية" وبلا تيجان، تبرز حكاية بلدة "كوريا ديل ريو" الإسبانية، التي تحمل أثرًا يابانيًا واضحًا في ألقاب عائلاتها، نتيجة روابط إنسانية نشأت منذ قرون بين بحارة وتجار يابانيين وسكان محليين.

تقع كوريا ديل ريو في مقاطعة إشبيلية ضمن إقليم الأندلس. وقد منحها قربها من نهر الوادي الكبير دورًا اقتصاديًا مهمًا خلال الحقبة الاستعمارية، إذ كان النهر قناة لنقل البضائع بين إشبيلية وأميركا.

كما أن المياه الضحلة قرب البلدة جعلتها محطة توقف للسفن المتجهة من وإلى المدينة، ما أتاح أحيانًا إقامة طويلة لبحارة وزوار… تركت بصمات اجتماعية وثقافية دائمة.

كوريا ديل ريو

 كوريا ديل ريو - موقع turismocoriadelri

وفي عام 1613، برز مشروع ياباني لإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع “إسبانيا الجديدة” (المكسيك حاليًا) برعاية القائد الإقطاعي داتي ماساموني. وعُيّن هاسيكورا تسونيناغا مبعوثًا للبعثة، برفقة الراهب الفرنسيسكاني لويس سوتيلو.

أبحرت البعثة على متن سفينة "سان خوان باوتيستا" ووصلت أولًا إلى إسبانيا الجديدة، ضمن أهداف متعددة شملت تأمين طرق تجارية، واستكشاف فرص دينية وسياسية.

لكن الصراعات التجارية والضغوط السياسية آنذاك، في أوروبا واليابان، عرقلت مسار المهمة. وتشير شهادات باحثين إلى أن الوفد اضطر للتوقف في كوريا ديل ريو مدة قبل الوصول إلى إشبيلية، بانتظار تعليمات السلطات، وفي ظل تردد رسمي إزاء طبيعة المهمة.

وبمرور الوقت، اندمج بعض أفراد الوفد في المجتمع المحلي، وبقي قسم منهم في إسبانيا وتزوجوا من عائلات محلية. ومن هنا ظهر لقب "جابون" (اليابان بالإسبانية) في البلدة، بوصفه أثرًا اجتماعيًا مباشرًا لحكاية تعود إلى القرن السابع عشر.

وتقول مصادر محلية إن هذا الإرث لم يُستعد حضوره بقوة إلا في العقود الأخيرة، حين أعيد البحث في الوثائق والأنساب، وصارت البلدة تحتفي بعلامات هذا التقاطع الثقافي: تمثال لهاسيكورا، ولافتات وأسماء بالأحرف اليابانية، وفعاليات تُستحضر فيها الرموز بما يذكّر بأن العلاقات بين الشعوب قد تبدأ من “محطة توقف”… ثم تتحول إلى ذاكرة مشتركة.

في النهاية، لا تقول قصص الأبقار الثلاث وجزيرة الفزان والزيجات السياسية وبلدة "كوريا ديل ريو" إن السلام "سهل" أو مضمون، لكنها تقول شيئًا آخر لا يقل أهمية: أن البشر، حتى بعد عقود من الدم، قادرون على اختراع صيغ تُخفّف احتمالات العودة إلى الحرب، عبر تسويات رمزية أو ترتيبات عملية أو روابط إنسانية غير متوقعة. وبينما تهتزّ اليوم الثقة بالمنظومة الأمنية العالمية، تذكّرنا هذه الحكايات بأن إنهاء الحروب لا يحتاج دائمًا إلى “معجزة”، بقدر ما يحتاج إلى خيالٍ سياسيّ، وإرادةٍ تُقدّم الحياة على كلفة الكراهية المفتوحة
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من