يبدو عز الدين الحدّاد الذي يُرجَّح أنه أصبح القائد الجديد لكتائب الشهيد عز الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أكثر قادة الكتائب غموضًا.
وباستثناء مقابلة وحيدة أجرتها معه إحدى الفضائيات العربية مطلع هذا العام، وظهر فيها بوجه مظلّل، فإن مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث على الإنترنت تكاد تخلو من أي صور له، باستثناء صور قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، يظهر فيها بالزي العسكري لكتائب القسّام.
وبحسب مصادر استخباراتية إسرائيلية، فإن الحدّاد، الملقّب بـ"الشبح"، هو أحد القادة الأحياء القلائل المتبقين من المجلس العسكري لكتائب القسّام الذي اتّخذ قرار شنّ هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأشرف عليه، بعد استشهاد محمد الضيف، قائد القسّام الراحل، ونائبه مروان عيسى، في قصف إسرائيلي.
ووفقًا للمصادر نفسها، يُعتقد أن رائد سعد، عضو المجلس العسكري للقسّام والمقرّب من الحدّاد، لا يزال على قيد الحياة أيضًا.
الحدّاد: القائد الجديد بعد السنوار والضيف
رغم السرية المطلقة التي تحيط بتحركات الحدّاد وندرة تصريحاته، أفاد تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن قرار حماس بشأن الهدنة أو وقف إطلاق النار يعتمد بشكل كبير على الحدّاد، الذي قالت إنه أصبح القائد الفعلي الجديد لكتائب القسّام بعد استشهاد آخر قادتها، محمد السنوار، الذي يُعتقد أنه تولى المنصب بعد استشهاد محمد الضيف.
وتنقل الصحيفة عن العميد إيفي ديفرين، المتحدث باسم جيش الاحتلال، أن الحدّاد هو القائد الجديد لحماس.
ويلعب الحدّاد، بحسب تقارير صحافية، دورًا مشابهًا للدور الذي كان يؤديه محمد الضيف، ليس فقط في القرارات العسكرية، بل في القرارات السياسية الكبرى أيضًا. ويُعد مسؤولًا عن تنفيذ صفقات تبادل الأسرى وتأمين حياة المحتجزين الإسرائيليين، ما يجعله صاحب القرار الفعلي في أي اتفاق محتمل بشأن وقف إطلاق النار أو التبادل.
وخلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، استُشهد عدد كبير من قادة الصف الأول في حركة حماس، من بينهم رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل في طهران في 31 يوليو/ تموز 2024، إضافة إلى قائد الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ومحمد الضيف قائد الجناح العسكري.
وشكّلت حماس بعد مقتل السنوار مجلسًا قياديًا خماسيًا لإدارة الحركة برئاسة محمد درويش، رئيس مجلس الشورى العام، وضمّ المجلس: خليل الحية (مسؤول الحركة في غزة)، زاهر جبارين (مسؤول الضفة الغربية)، خالد مشعل (مسؤول الخارج)، ونزار عوض الله (أمين سر الحركة).
وخلا هذا المجلس من أي أسماء لقيادات كتائب القسّام، ضمن تقليد صارم يُبقي القادة العسكريين بعيدين عن الظهور العلني. ومع ذلك، فإن نفوذ الجناح العسكري داخل الحركة ازداد بعد هجوم السابع من أكتوبر.
تعاظم دور الداخل وكتائب القسّام
تنقسم حركة حماس تنظيميًا إلى كيانين: المكتب السياسي الذي يتخذ من قطر مقرًا فعليًا منذ إبعاد قادة الحركة من الأردن عام 1999، والجناح العسكري كتائب القسّام، الذي يتمركز أساسًا في قطاع غزة.
ولاتّخاذ أي قرار ذي صلة بتبادل الأسرى أو وقف إطلاق النار، فإن آليته تتحرك عبر الدول وبسرية مطلقة، ما بين الدوحة وقطاع غزة، وكل اقتراح من الولايات المتحدة أو إسرائيل يُرسل إلى المكتب السياسي لحماس من خلال الوسيطين القطري والمصري، وبعد ذلك يتم تمريره إلى غزة لإبداء الرأي فيه.
واعتبرت مجلة CTC Sentinel الصادرة عن الأكاديمية العسكرية الأميركية في "ويست بوينت"، أن "القيادة المتمركزة في غزة باتت أكثر أهمية، نظرًا إلى سيطرتها على الميدان والمكاسب العسكرية والمالية المرتبطة بذلك".
ونظرًا إلى ما كان يتمتع به يحيى السنوار من كاريزما شخصية فقد أصبح صاحب القول الفصل في أي قرار للحركة، ما أدى إلى تهميش دور رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية الذي كان يقيم في الخارج (قبل استشهاد الاثنين)، ونقل ثقل القرار إلى الداخل، وتحديدًا إلى قطاع غزة.
غير أن تغليب الداخل على الخارج لم يترافق مع تغليب الجناح السياسي للحركة بقيادة السنوار على جناحها العسكري في الداخل، خلال فترة صعود السنوار حتى استشهاده، إذ اتسمت علاقته بمحمد الضيف خلال حياتهما، بالانسجام التام.
وبسبب السرية الكبيرة التي تلتزم بها الحركة خصوصًا بعد استشهاد عدد كبير من قادتها الكبار، فإن دور عز الدين الحدّاد الذي قالت نيويورك تايمز إنه أصبح قائد كتائب القسام يظل محاطًا بالكثير من الغموض، فيما يتعلق بمدى نفوذه داخل الحركة وبين جناحيها السياسي والعسكري، بحيث تكون له الكلمة الفصل أم لا، وإن كان يعتقد أن قادة القسام يتمتعون تاريخيًا بحق النقض على الأقل في المراحل المفصلية التي تمر بها الحركة، كونهم يتحركون على الأرض وفي الميدان.
من هو عز الدين الحدّاد؟
وُلد الحدّاد في أوائل السبعينيات، وانضم إلى حماس منذ تأسيسها عام 1987، ثم التحق بكتائب القسّام، جنديًا في المشاة بلواء غزة، قبل أن يصبح قائد فصيل، ثم قائد كتيبة، إلى أن أصبح قائد اللواء نفسه بعد استشهاد باسم عيسى في معركة "سيف القدس" عام 2021.
وبعد اغتيال إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة عام 2023 القيادات البارزة في حماس أمثال إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى، أصبح الحدّاد هو المطلوب الأول للاحتلال، الذي رصد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 مكافأة بـ750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
شارك الحدّاد الذي نجا من عدة محاولات اغتيال إسرائيلية في التخطيط وتنفيذ عدد من العمليات العسكرية، وكان له دور فعّال في تنظيم جهاز "المجد" داخل القسام، وهو وحدة كانت مسؤولة عن تعقّب وتصفية العملاء والجواسيس المشتبه في عملهم لصالح "إسرائيل".
ويكنّى الحدّاد بأبي صهيب، على اسم نجله الذي استشهد في 17 يناير 2025، في قصف للاحتلال الإسرائيلي استهدف حي التفاح شرقي مدينة غزة.
الحدّاد وطوفان الأقصى
تزعم نيويورك تايمز أن عز الدين الحدّاد هو أحد القادة القلائل الأحياء المتبقين من المجلس العسكري لحركة حماس الذي أشرف على عملية طوفان الأقصى، وكان يشغل وقتها منصب قائد فرع حماس في مدينة غزة. كما تشير إلى أن رائد سعد، العضو القوي في المجلس والمقرب من الحداد، لا يزال على قيد الحياة.
من جهتها، تدّعي صحيفة يسرائيل هيوم أنها عثرت على وثائق تتعلق بخطة عملية السابع من أكتوبر، وأن الحدّاد سلّم قبل يوم منها قادة الكتائب ورقة جاء فيها: "إيمانًا منها بالنصر الساحق، وافقت قيادة الكتائب على بدء العملية العسكرية الكبرى، طوفان الأقصى".
ووفق تقارير إعلامية غير مؤكدة، فقد جمع الحدّاد في 6 أكتوبر 2023 قادة الكتائب، ووزّع عليهم وثيقة مختومة بشعار كتائب القسام، جاء فيها:
"إيمانًا بالنصر الحاسم، وافقت قيادة الألوية على إطلاق العملية العسكرية الكبرى: طوفان الأقصى. توكلوا على الله، قاتلوا ببسالة، واعملوا براحة ضمير، وليكن هتاف الله أكبر هو الفخر".
ومن بين الأهداف الرئيسة التي حدّدها للعملية "أسر أكبر عدد ممكن من الجنود الإسرائيليين خلال اللحظات الأولى من القتال وإرسالهم إلى قطاع غزة"، و"البث المباشر لاقتحام البؤر الاستيطانية"، إضافة إلى "رفع أعلام الدول العربية والإسلامية في المواقع المستهدفة".
كيف خدعت القسام إسرائيل؟
في مقابلة مع قناة الجزيرة في يناير/ كانون الثاني 2025، أكّد الحدّاد علاقته المباشرة بعملية طوفان الأقصى، لكنه لم يسهب في سرد التفاصيل وإن شدّد على تعليمات أصدرتها الحركة بالتعامل مع المحتجزين الإسرائيليين وفق تعاليم الإسلام، ومعاملتهم معاملة حسنة والحرص على حياتهم.
وقال إن استخبارات القسّام اخترقت أنظمة الوحدة 8200 الإسرائيلية، وحصلت منها على وثائق سرية، بينها خطة لهجوم جوي مفاجئ يستهدف فصائل المقاومة، يليه هجوم بري واسع ومدمر.
وأوضح الحدّاد أن كتائب القسام اعتمدت خطة خداع إستراتيجي للعدو أوهمته فيها بأنها "ابتلعت طُعم التسهيلات"، بينما كانت تحضّر خطة مضادة، حيث وضعت محور المقاومة في صورة توجّه الكتائب لتنفيذ هجوم طوفان الأقصى، مشيرًا إلى أن الكتائب احتفظت بساعة الصفر في أضيق نطاق.
وأضاف: "أمّنا عمليات الأسر ضمن مسارات معدّة مسبقًا، بعيدًا عن أعين الاحتلال وتقنياته المتقدمة"، مشيرًا إلى أن هجوم طوفان الأقصى جاء بعد فشل كل محاولات لجم الاحتلال من قِبل المجتمع الدولي.
وأكد أن فصائل المقاومة قدّمت بطولات منقطعة النظير في ملحمة التصدي أمام عدوان لا مثيل له في التاريخ.
وختم الحدّاد بالقول إن مطالب المقاومة واضحة: وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال من قطاع غزة، والإفراج عن الأسرى، ورفع الحصار، وإعادة إعمار القطاع، مؤكدًا أن الاحتلال، "المسنود أميركيًا وغربيًا"، سيضطر في نهاية المطاف إلى الرضوخ.