يساء استخدام وصف "النرجسي" كثيرًا في الحياة اليومية، إذ يتحوّل أحيانًا إلى اتهام جاهز يُطلق من دون أساس مهني واضح.
لكن المعالجة النفسية الإكلينيكية الدكتورة عبير عبد العزيز لا تقلّل من خطورة التعامل مع شخص يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية، وتلفت إلى الإشارات التي يجب الانتباه إليها، مؤكدة أحقية المرء في الابتعاد عن أي علاقة مؤذية من هذا النوع.
كيف تبدو الشخصية النرجسية؟
تقول عبد العزيز إن النرجسي شخص يعاني من اضطراب نفسي ينعكس على شكل صفات تلازمه، ولا ينتج عن ظرف عابر أو موقف محدد.
هذا الشخص يشعر بأن عليه جذب انتباه الآخرين، وأن يكون محط إعجابهم، حتى إن لم يكن يملك ما يسترعي ذلك.
ومن صفات النرجسي، وفق المعالجة النفسية، القدرة على التلاعب بالآخرين، والغرور غير المنطقي، والإحساس بضرورة السيطرة على كل شيء.
متى يكون الأمر اضطرابًا؟
-
لا يكفي الغرور أو حب الظهور وحدهما للتشخيص
-
يجب أن تجتمع مجموعة من الصفات
-
تستمر هذه الصفات لفترة طويلة
-
يؤثر الاضطراب في العلاقات والحياة اليومية
-
التشخيص يكون على يد مختص
وفي ما يخص الغيرة، تشرح أنها تنبع من رغبته في احتكار النجاح لنفسه، إذ يدخل في منافسة غير شريفة مع الآخرين، وقد يصل به الأمر إلى حد الإيذاء والاستغلال لبلوغ أهدافه.
وتؤكد أن تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية لا يتم بناء على صفة واحدة، بل يحتاج إلى اجتماع مجموعة من الصفات واستمرارها لفترة طويلة، على أن يكون التشخيص على يد طبيب أو معالج نفسي بعد عدد من الجلسات.
وتلفت إلى صعوبة التعامل مع المصاب من جانب أفراد العائلة والمحيطين به، كما تذكر أن المعالج النفسي نفسه قد يجد صعوبة في التعامل مع النرجسي بسبب شخصيته المعقدة وقدرته على التلاعب بالآخرين.
وتضيف أن هذه الشخصية قادرة، إلى حد بعيد، على هدم الآخرين، بما في ذلك محاولة التلاعب بالمعالج نفسه.
هل يعي النرجسي نفسه؟
على هذا السؤال، تجيب عبد العزيز بالإيجاب، في كثير من الأحيان، لكنها تشير إلى أن النرجسيين يجدون المبررات لأنفسهم، وتؤكد أنهم يمارسون التلاعب بالآخرين بشكل مقصود.
وبينما يكثر الحديث عن الرجل النرجسي مقارنة بالمرأة النرجسية، توضح أن نتائج بعض الدراسات تدفع إلى عدم حصر هذا الاضطراب بالرجال وحدهم.
وتشير إلى الدور الذي لعبه نموذج "سيد السيّد" في مجتمعاتنا، لكنها تلفت في المقابل إلى أن المرأة النرجسية قد يصعب تشخيصها، لأنها قادرة على إخفاء هذا الاضطراب تحت قناع العاطفة، وقد تستعمل دموعها أو صورتها العاطفية في تبرير تصرفاتها وحمل الآخرين على تصديقها.
وبرأيها، فإن الأجيال التي تنشئها المرأة ذات الشخصية النرجسية قد تكون شديدة الاضطراب.
النرجسية داخل الأسرة
تجزم الدكتورة عبير عبد العزيز بأن من يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية يكون كذلك في تعامله مع الجميع، بما في ذلك أبناؤه.
وتقول إن هذا الشخص قد يكون قادرًا على حب أطفاله، لكنه يعجز عن فصل شخصيته المضطربة عن الدور الذي يفترض أن يؤديه داخل الأسرة.
وبحسب ما تقول، يصبح الأمر أكثر صعوبة عندما تكون الأم مصابة باضطراب الشخصية النرجسية، لا سيما أنها غالبًا ما تكون مصدر الحنان الأساسي في حياة الأبناء.
كيف تتشكل هذه الشخصية؟
تتوقف عبد العزيز عند العوامل التي تجعل المرء نرجسيًا، وفي طليعتها التربية المنزلية، وتقول إن الأسرة قد تسهم في تنشئة طفل سوي أو طفل مضطرب نفسيًا.
وتعدّد، في هذا الإطار، التنمر والمقارنة بالآخرين، محذرة من أن هذا السلوك يولّد شعورًا بالنقص لدى الطفل، فيشعر دومًا بأن عليه ملأه عبر الكذب أو التظاهر أو المبالغة في تضخيم الذات.
كما تشير إلى تأثير وجود أم أو أب نرجسيين في المنزل على تنشئة أطفال يحملون سمات نرجسية.
من ينجذب إلى النرجسي؟
تلفت عبد العزيز إلى أن النرجسي يصطاد الشريك عند الارتباط ليكون "مناسبًا" لممارسة سلوكه عليه.
فهو، بحسب ما تقول، لا يختار شريكًا نرجسيًا مثله، بل يبحث عمن يملك شخصية ضعيفة بعض الشيء، أو تقديرًا منخفضًا للذات، أو شعورًا دائمًا بالذنب، بهدف السيطرة عليه وقلب الطاولة عليه عند أي خلاف.
كما تتحدث المعالجة النفسية عن امتلاك هذا الشريك "الطاقة" أو الاعتقاد بأنه قادر على "إصلاح" الطرف الآخر.
وتشير إلى أن النرجسي يمارس انتقادات هدّامة، لا سيما عندما يفتقر الشريك إلى الثقة بالنفس، كما يستخدم الصمت العقابي أحيانًا، وقد يطول ذلك لشهور، للضغط على الطرف الآخر ودفعه إلى مصالحة من أساء إليه.
إشارات حمراء في العلاقة
-
إغراق الطرف الآخر بالاهتمام في البداية
-
التلاعب وقلب اللوم
-
الانتقاد الهدّام
-
الصمت العقابي
-
العزل عن الأهل والأصدقاء
-
خلق شعور دائم بالذنب أو النقص
ما هي الإشارات الحمراء التي يجب التنبّه لها؟
تقول عبد العزيز إن هذه الإشارات تختلف من شخص إلى آخر، لكنها غالبًا ما تظهر في البداية على شكل إغراق الشريك بكل ما يحبه ويحتاج إليه.
وتشرح أن ما يخطط له النرجسي هو أن يشعر شريكه بالفراغ عند اختفائه، فيتمكن لاحقًا من السيطرة عليه والتحكم به.
ومن الإشارات أيضًا، بحسب قولها، سعيه إلى عزل الشريك عن محيطه، فيوقعه في مشكلات مع الأهل والأصدقاء والجيران، أو حتى الأبناء، بهدف تركه وحيدًا عندما يقرر الرحيل.
هل يطلب النرجسي العلاج؟
بحسب عبد العزيز، لا يذهب النرجسيون عادة إلى عيادة الطبيب النفسي، بل يذهب ضحاياهم، ونادرًا ما يختار أحدهم العلاج، وغالبًا ما يكون ذلك من دون اقتناع تام.
وتشير إلى أن النرجسي قد يلجأ إلى العلاج بعد أن يتعرض لضرر نتيجة سلوكه، أو حين يجد نفسه وحيدًا بعدما ابتعد الجميع عنه بسبب عجزهم عن التعايش معه.
سمات تبدو إيجابية ظاهريًا
تقول عبد العزيز إن النرجسي قد يبدو قياديًا وناجحًا بدرجة كبيرة، لأنه يميل إلى التفرد بالمهمة.
أما إذا عمل ضمن مجموعة، فقد يتحول الأمر إلى ما يشبه الحرب، بسبب حاجته إلى السيطرة وإثبات التفوق.
وتضيف أن هذا السعي إلى النجاح قد ينعكس أحيانًا على المؤسسة بصورة تلقائية، حتى لو لم يكن النرجسي يقصد في الأصل خدمة المصلحة العامة.
كيف يحمي الشخص نفسه؟
-
وضع حدود واضحة -
عدم الانجرار إلى التبرير المستمر
-
الحفاظ على شبكة الدعم العائلية والاجتماعية
-
طلب مساعدة مهنية عند الحاجة
-
تقليل الاحتكاك إذا تعذر إنهاء العلاقة
متى يصبح الابتعاد ضرورة؟
تؤكد عبد العزيز أحقية من يدعو إلى ذلك، معتبرة أن النرجسي قادر على تدمير شخصية الآخرين ومنع نموهم مهنيًا ودراسيًا واجتماعيًا.
وهي تنصح من لا يمتلك شخصية قوية قادرة على وضع حدود في العلاقة مع النرجسي بالابتعاد، لأن العيش معه في هذه الحالة يكون بالغ الصعوبة.
وفي حال تعذّر إنهاء العلاقة، تحث على تجنب الاحتكاك قدر الإمكان وتقليل التفاعل، حمايةً للنفس من الاستنزاف المستمر.