خلال ساعات قليلة، انتقل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من التهديد بتوجيه ضربات جديدة وقوية إلى إيران، والتلويح بالسيطرة على جزيرة خارك وبنى نفطية حيوية، إلى الحديث عن تقدم في المفاوضات وإمكان توقيع تفاهم قريب، ما دفعه إلى إلغاء ضربات قال إنها كانت مقررة.
في المقابل، قالت طهران إن النقاشات مستمرة وإن القرار النهائي لم يُتخذ بعد، فيما شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده تريد الخروج من حالة "اللا حرب واللا سلم"، لكنها لن تخضع للتهديدات أو الضغوط.
نمط متكرر
سبقت هذه الجولة موجة تصعيد بين إيران وإسرائيل، حليفة واشنطن، على خلفية هجمات وردود متبادلة شملت إيران ولبنان وقواعد أميركية في المنطقة.
وبعد هدوء لم يصمد طويلًا، عاد التوتر ليتصدّر المشهد في الأيام الماضية، إذ شنّت القوات الأميركية ضربات على أهداف إيرانية، بعد اتهام طهران بإسقاط مروحية "أباتشي" أميركية قرب مضيق هرمز. وردّت إيران باستهداف مواقع وقواعد في المنطقة، فيما أعلنت البحرين اعتراض مسيّرات إيرانية، وتحدثت تقارير عن سقوط شظايا وإصابات طفيفة.
ويبدو أن الأحداث تتخذ نمطًا متكررًا: ضربة تفتح الباب أمام رد، وردّ يستدعي تهديدًا أوسع، ثم محاولة تهدئة تُقدَّم بوصفها مخرجًا مؤقتًا قبل أن يعود الميدان إلى الواجهة.
وسط هذا المشهد، لا يسير التصعيد في خط مستقيم، بل في دائرة مغلقة تتداخل فيها الضربات مع المفاوضات، والتهديدات مع محاولات التهدئة.
الأهم أن ترمب نفسه صار جزءًا من هذا الإيقاع المتقلب. فهو يهدد بضربة وشيكة، ثم يعلن إلغاءها. يتحدث عن اتفاق قريب، ثم تبقى طهران حذرة في تأكيده. يعلن أن الجميع وافقوا، بينما تشير مواقف إيرانية وإسرائيلية إلى أن التفاصيل لم تُحسم بعد.
اختبار النفوذ الأميركي
على مدار أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، استخدمت الولايات المتحدة مزيجًا من القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والوساطة الدبلوماسية لمحاولة الوصول إلى صيغة توقف التدهور.
لكن النتائج بقيت محدودة. فالحرب لم تتوقف نهائيًا، والمفاوضات لم تتحول بعد إلى اتفاق نهائي، ومضيق هرمز لا يزال ورقة ضغط مركزية، فيما تتداخل الجبهات من إيران إلى لبنان والخليج.
تقول واشنطن إن هدفها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإعادة فتح المضيق، وتثبيت هدنة تسمح باستئناف التفاوض. لكن الصعوبة تكمن في أن هذه الأهداف لا تتحقق بقرار أميركي منفرد. فهي تحتاج إلى موافقة إيرانية، وضمانات إقليمية، وإلى ضبط السلوك الإسرائيلي في لحظة ترى فيها تل أبيب أن الفرصة سانحة لإضعاف إيران وشبكة حلفائها.
ومن هنا يظهر التناقض في صورة القوة الأميركية. تستطيع واشنطن التأثير في مجرى الأحداث، لكنها لا تتحكم بكل مساراتها. تستطيع الضغط على إيران، لكنها لا تضمن استسلامها. تستطيع مطالبة إسرائيل بالتهدئة، لكنها لا تملك دائمًا منعها من توسيع عملياتها. وتستطيع إعلان تفاهم قريب، لكنها لا تستطيع فرض اكتماله قبل أن تقرره العواصم المعنية.
طهران: استراتيجية "البقاء" كأداة ضغط
في المقابل، تراهن إيران على عنصر أساسي: البقاء تحت الضغط من دون تقديم تنازل مجاني. فكلما عجزت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن إسقاط النظام أو فرض شروط نهائية عليه، وجدت طهران في ذلك دليلًا إضافيًا على أن القوة وحدها لا تكفي.
تعرف إيران أن موقعها التفاوضي لا يقوم فقط على ما تملكه من قدرات عسكرية، بل على قدرتها على تعطيل المصالح الأميركية والإقليمية. مضيق هرمز، أمن الخليج، الجبهة اللبنانية، وأسعار الطاقة كلها أوراق تجعل أي تصعيد ضدها مكلفًا، لا لإيران وحدها، بل للمنطقة والاقتصاد العالمي والداخل الأميركي أيضًا.
لذلك تجمع طهران بين الرسائل المتناقضة ظاهريًا: ترد عسكريًا عندما تريد تثبيت قواعد الاشتباك، وتترك باب التفاوض مفتوحًا عندما تريد تجنب حرب شاملة. تدين الضربات الأميركية، لكنها تستمر في التفاوض عبر الوسطاء. تلوّح بتوسيع الرد، لكنها تربط أي تهدئة بضمانات حول المضيق والحصار والأموال المجمدة ومسار العقوبات.
تباين الأولويات بين واشنطن وتل أبيب
كذلك تتجلى الأزمة في التباين الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. وبحسب "سي بي سي"، تلتقي الولايات المتحدة وإسرائيل عند عنوان منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنهما تختلفان في ترتيب الأولويات بعد ذلك. ويعود ذلك جزئيًا إلى اختلاف اهتمامات قادتهما السياسية الداخلية.
بالنسبة إلى ترمب، تبدو إعادة فتح مضيق هرمز وخفض الضغط على أسواق الطاقة وتقديم اتفاق سياسي بوصفه إنجازًا داخليًا من أولويات المرحلة. أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار الحرب لإضعاف إيران عسكريًا، وتقليص قدرة حلفائها، خصوصًا حزب الله، قبل أي تفاهم يجمّد العمليات.
هذا التباين خرج إلى العلن مع إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ليست طرفًا في مذكرة التفاهم المطروحة بين واشنطن وطهران، رغم تأكيدها تقدير الالتزامات الأميركية المتعلقة ببرنامج إيران النووي والصاروخي ودعم حلفائها في المنطقة.
هنا تكمن عقدة إضافية: واشنطن تريد اتفاقًا يوقف التدهور، وإسرائيل تريد نتائج ميدانية تسبق الاتفاق أو ترافقه. وبين الهدفين، تحاول طهران توسيع هامش مناورتها عبر القول إن الولايات المتحدة إما عاجزة عن ضبط حليفتها، أو تستخدم الضغط الإسرائيلي لتحسين شروط التفاوض.
مضيق هرمز في قلب المعادلة
لا يمكن فصل المفاوضات الحالية عن مضيق هرمز. فالمضيق تحوّل إلى الورقة الأكثر حساسية في المواجهة، ليس فقط لأنه ممر حيوي للطاقة العالمية، بل لأنه يربط الحرب مباشرة بحياة الناس وأسعار الوقود وحسابات الأسواق.
تطالب واشنطن بإعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة، فيما تريد إيران ربط ذلك بإنهاء الحصار البحري وفتح مسار واضح للإفراج عن أموالها المجمدة وتخفيف العقوبات. وبحسب التسريبات المتداولة حول مذكرة التفاهم، فإن أحد التصورات يقوم على وقف للقتال لمدة 60 يومًا، وإعادة فتح المضيق، وبدء مفاوضات نووية واقتصادية خلال هذه المهلة.
لكن هذه الصيغة لا تزال هشة. فإيران لم تعلن موافقة نهائية، وترمب يقدّم التفاهم بوصفه إنجازًا شبه مكتمل، بينما تتحفظ أطراف أخرى على التفاصيل أو تنفي كونها جزءًا مباشرًا منه. لذلك يبدو الاتفاق، حتى الآن، أقرب إلى فرصة سياسية تحت الاختبار منه إلى تسوية منجزة.
لبنان داخل الحسابات
لا تقف تداعيات المواجهة عند إيران والخليج. فلبنان حاضر في صلب الحسابات، سواء من زاوية الجبهة الجنوبية أو من زاوية دور حزب الله في منظومة الردع الإيرانية.
تحاول طهران تثبيت معادلة تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للتصعيد الإسرائيلي، وتربط أي تهدئة إقليمية بوقف النار على الجبهات المتصلة بالحرب. لكن الوقائع الميدانية لا تزال مضطربة، إذ يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته وضغوطه في الجنوب، فيما تبقى الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب: كيف تواكب تفاهمات إقليمية قد تُرسم فوقها، بينما لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم على أراضيها؟
في هذا المعنى، يصبح لبنان جزءًا من الحلقة نفسها. أي تفاهم أميركي إيراني قد ينعكس تهدئة عليه، وأي فشل قد يعيد توسيع الضغط الإسرائيلي. وبين الاحتمالين، تبقى الساحة اللبنانية معلقة على توازنات أكبر من قدرتها على التحكم بها.
حلقة مفرغة
تكمن الصعوبة في غياب مسار واحد لهذه الحرب. فكل جبهة تضغط على الأخرى، وكل ضربة تغيّر شروط التفاوض، وكل تصريح سياسي يعيد تشكيل حسابات الميدان.
النتيجة هي حلقة مفرغة
- الولايات المتحدة تضغط على إيران، لكنها تحتاج إلى تفاهم معها.
- تضغط واشنطن على إسرائيل، لكنها لا تملك دائمًا لجم حساباتها.
- تضرب إسرائيل إيران وحلفاءها، لكنها لا تستطيع فرض استسلام سياسي.
- ترد إيران أحيانًا وتمتص الضربات أحيانًا أخرى، لكنها لا تملك إعلان نصر نهائي.
- تدعو دول الخليج إلى التهدئة، لكنها تبقى مكشوفة أمام ارتدادات كل تصعيد.
المعضلة لم تعد في رغبة طرف واحد بتوسيع الحرب فقط، بل في عجز جماعي عن ضبط مسارها. فكل طرف يريد تجنب الكلفة القصوى، لكنه لا يريد أن يظهر خاسرًا. وكل طرف يبحث عن مخرج، لكنه يحاول تحسين شروطه قبل الوصول إليه.
حرب بلا منتصر واضح
كان الرهان الأميركي الإسرائيلي الأول يقوم على أن الضربات المركزة يمكن أن تدفع النظام الإيراني إلى التراجع السريع أو الانهيار أو القبول بشروط قاسية. لكن ما حدث حتى الآن يشي بأن هذا الرهان اصطدم بحدود القوة الجوية، وبقدرة طهران على امتصاص الضربة الأولى وتحويل الرد إلى ورقة تفاوضية.
وفي المقابل، لا تستطيع إيران القول إنها خرجت رابحة. فقد تعرضت لضربات قاسية، وتضررت بنيتها العسكرية والاقتصادية، وتراجعت قدرتها على الحركة، وباتت مضطرة إلى التفاوض تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير.
أما ترمب، فيحتاج إلى اتفاق يقدمه بوصفه انتصارًا لا تراجعًا. ونتنياهو يحتاج إلى مكاسب ميدانية تبرر كلفة الحرب. وإيران تحتاج إلى ضمانات تجعل أي تفاهم قابلًا للتسويق داخليًا بوصفه صمودًا لا تنازلًا.
لذلك تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة دقيقة: صفقة ممكنة لكنها غير مضمونة، وتهدئة مطلوبة لكنها قابلة للانهيار، وتصعيد لا يريده الجميع لكنه قد يعود مع أي سوء تقدير.
بين الضربة والاتفاق، وبين المضيق والجبهات المفتوحة، يتحرك الشرق الأوسط داخل منطقة "اللا حرب واللا سلم". لا أحد يملك حسمها وحده، ولا أحد يستطيع الخروج منها بلا كلفة.