تضع بعض الوظائف والمهام من يؤدونها أمام خطر الإصابة باضطراب "الصدمة بالإنابة" أو "الصدمة الثانوية"، نظرًا إلى طبيعة العمل من جهة، وإلى تفاوت مناعة العاملين إزاء الأحداث المؤلمة والصدمات من جهة أخرى.
يقول الدكتور قيس عثمان، الاستشاري في الطب النفسي بمركز ماربل الطبي، للزميل ميلاد حدشيتي عبر بودكاست "كيف الحال؟"، إن اضطراب الصدمة بالإنابة غير معروف على نطاق واسع. والشائع أكثر هو اضطراب الشدة بعد الرض (الصدمة) الناتج من تعرّض المرء مباشرة لحدث صادم.
لكن ذلك لا يلغي وجود أشخاص لم يتعرضوا للصدمة شخصيًا، بل عايشوا أناسًا يعانون منها نفسيًا، فأُصيبوا بأعراض مشابهة أخف وطأة.
من هم الأشخاص الذين يُمكن أن يصابوا بالصدمة بالإنابة؟
يعدّد الاستشاري في الطب النفسي بمركز ماربل الطبي فئاتٍ أكثر عرضة للإصابة، مثل:
الأطباء والمسعفين والإعلاميين ورجال الشرطة ورجال الإطفاء،
وكل العاملين في مجالات الرعاية أو الإسعاف أو الإنقاذ أو توثيق الحالات الصادمة.
وتنتج الإصابة باضطراب الصدمة الثانوية عن تواصلهم المستمر مع المتضررين لفترات من الزمن.
وبينما يؤكد عثمان أن اضطراب الصدمة الأولية والصدمة الثانوية لا يصيبان جميع الأشخاص، يوضح أن الصدمة بالإنابة قد تظهر لدى من يشعرون بتعاطف شديد جدًا مع المصابين بالصدمات، حيث يصل التعاطف في بعض الحالات إلى مرحلة التماهي.
حينها، يشعر المصاب بالاضطراب بقلق وخوف وألم يشبه ما يعيشه الآخرون، وفق ما يقول عثمان.
ما معنى التعاطف؟
يذكر الطبيب أن التعاطف هو الشعور بالآخر وتقدير مشاعره والتفاعل مع أزماته، وهو ضرورة للمجتمع الإنساني كي يتمكن من بناء علاقاته ومؤسساته وحضارته المدنية.
غير أنه يشدد على وجوب أن يبقى التعاطف ضمن حدود معيّنة. ففي التعاطف يبذل المرء طاقة انفعالية من أجل الآخر، وعندما يزيد عن حدّه قد يكون على حساب طاقته النفسية.
وقد يقود هذا الواقع تدريجيًا إلى نضوب الطاقة ثم إلى مجموعة من الحالات، من الصدمة الثانوية إلى إرهاق التعاطف وصولًا إلى الاكتئاب.
ما العوامل التي تعزز احتمال الإصابة باضطراب الصدمة بالإنابة؟
بحسب عثمان، هناك مجموعة عوامل قد تزيد احتمالية الإصابة باضطراب الصدمة الثانوية.
ويتحدث خصوصًا عن أولئك الذين تعرضوا في السابق لصدمات، مثل التعنيف في مرحلة الطفولة أو التعرض لاعتداءات جنسية أو لكوارث طبيعية وحروب.
فحينها قد تعود ذكريات الأحداث الصادمة وتختلط بما يسمعونه أو يشاهدونه لدى ضحايا آخرين.
كما يذكر من تغلب عليهم طباع حساسة ويبالغون في ردود فعلهم تجاه الآخرين، ومن يصفهم بالأشخاص "الاستكماليين" أو المثاليين الذين يبحثون عن الكمال، ويشعرون بالذنب إذا اعتقدوا أن أداءهم لم يكن كاملًا.
ويلفت أيضًا إلى أن من اعتادوا العزلة قد يفتقرون إلى متنفسٍ للتفريغ إذا عملوا في مجال تقديم الرعاية مثلًا، مع غياب التواصل مع الآخرين والافتقار للقدرة على التعبير عن مشاعرهم.
ويمضي متحدثًا عن أشخاص يعجزون عن الفصل بين العمل والحياة الشخصية، فيواصلون التفكير والانفعال إزاء الأحداث التي شاهدوها في عملهم خلال الوقت المخصص للراحة.
ما أعراض الصدمة بالإنابة
يقول الطبيب إن من الأعراض الأولية الانسحاب واللامبالاة ونوبات الغضب أحيانًا، مع التبلّد وعدم التفاعل العاطفي مع الأحداث أو المشاهد.
فالجسم، وفق ما يوضح، يبدو وكأنه يحاول استعادة التوازن بعد المبالغة في التعاطف، فتظهر ردود الفعل على هذا النحو.
ما هي التوصيات؟
ينصح الدكتور قيس عثمان بأن يكون العمل لعدد محدد من الساعات، يغادر بعدها المرء إلى أنشطة أخرى.
وفيما يلفت إلى أن من يقدم الرعاية أو يؤدي مهام الإنقاذ قد يُنظر إليه بصورة سلبية إذا مارس أنشطة مختلفة خارج أوقات العمل، أو قد يشعر هو نفسه بالذنب، يذكر بأن الشخص المعني يقدم الرعاية وعليه أن يكون معافى وبصحة جيدة، وإلا أصبح بدوره بحاجة إلى الرعاية.
الإجابة وأكثر في الحلقة المرفقة من "كيف الحال؟"