الثلاثاء 10 شباط / فبراير 2026
Close

الصهيونية الدينية وصعودها في إسرائيل.. بين الحاخامات والجنرالات

الصهيونية الدينية وصعودها في إسرائيل.. بين الحاخامات والجنرالات محدث 29 أيلول 2025

شارك القصة

جندي مشاة إسرائيلي يرتدي قلنسوة خلال تدريب عسكري، في مشهد يعكس تنامي حضور التيار الصهيوني الديني داخل الجيش الإسرائيلي - غيتي
جندي مشاة إسرائيلي يرتدي قلنسوة خلال تدريب عسكري، في مشهد يعكس تنامي حضور التيار الصهيوني الديني داخل الجيش الإسرائيلي - غيتي
الخط
صعدت الصهيونية الدينية من الهامش إلى قلب الدولة والجيش الإسرائيلي، من الحاخامات والمدارس الدينية إلى وحدات النخبة، بمشروع يقوم على الخلاص والهيكل.

خطابات توراتية مثل "اذكر ما فعله بك عماليق"(1)، و"امحُ ذكر عماليق من تحت السماء"، ورفع رايات "المشيح المخلّص"(2)، والدعوة بين الجنود إلى إقامة "الهيكل"، وإبادة الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، وإقامة "إسرائيل الكبرى" من فلسطين إلى أراضي دولة عربية...

كلها ظواهر كانت من ضمن ما شهدته حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إذ يربط محللون ومراقبون تصاعدها بصعود تيار "الصهيونية الدينية" في الأجهزة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وخاصة جيش الاحتلال.

ما هي الصهيونية الدينية؟

وُلد التيار الصهيوني الديني منذ بدايات القرن الماضي من تبنّي أفكار مجموعة من الحاخامات مثل: إسحاق يعقوب رينس، وأبراهام إسحاق كوك، ويهودا تسفي كوك، وأبراهام شابيرا، ويعقوب شابيرا(3)، وغيرهم؛ الذين سعوا إلى صياغة تيار ديني داخل الحركة الصهيونية التي حملت تعبيرات علمانية في ذلك الوقت.

عبّر عن هذا المسعى مجموعة من الشعارات التي مزجت "الأفكار التوراتية" بمشروع الصهيونية للسيطرة على فلسطين: "أرض إسرائيل لشعب إسرائيل بموجب شريعة إسرائيل". ورأى هؤلاء في قيام إسرائيل بداية تحقيق فكرة "الخلاص" بالمعنى التوراتي اللاهوتي، أي إن قيام الدولة اليهودية هو الخطوة الأولى نحو "الخلاص الكامل" عبر نزول "المشيح المخلّص".

التزم التيار الذي أقام حركة "مزراحي" عام 1920، وانبثق عنها القسم العمالي "هبوعيل مزراحي" الذي نشط داخل "الهستدروت"، بالعمل ضمن المؤسسات الصهيونية، ولاحقًا داخل الحكومة الإسرائيلية. وفي بدايات الحياة السياسية الإسرائيلية كان التمثيل الأبرز للصهيونية الدينية عبر حزب "المفادال/ الوطنيين المتدينين"(4) الذي تحالف مع حزب "مباي" بقيادة بن غوريون ثم مع العمل، قبل أن تتطوّر الأفكار داخله نحو اليمين أكثر، ويميل تيار منه نحو حزب "الليكود" الذي حقّق انقلابًا في السياسة الإسرائيلية عام 1977 بعد فوزه في انتخابات "الكنيست" وإزاحته حزب العمل عن قيادة الحكومة للمرة الأولى.

انخراط في الدولة 

شجّعت الصهيونية الدينية أفرادها على الخدمة في الجيش الإسرائيلي خلافًا لتيارات "يهودية أرثوذكسية" أخرى مثل "الحريديم" و"الحسيديم".

وقد اختلفت التيارات داخل هذين المكوّنين حول الموقف من الحركة الصهيونية بين رافض لها من منطلقات دينية تراها "نقمة" على اليهود، ولأنها "تعتبر الشعب اليهودي شعبًا عاديًا بين الشعوب، وهو ما يتعارض مع الرؤية اليهودية التقليدية التي ترى أن الشعب اليهودي تحت إشراف الله، وأن الصهيونية تمثل تمردًا على إله إسرائيل"(5)، وبين تيارات دخلت الحياة السياسية مثل حزب "شاس" الذي تحول إلى حليف لليمين ورئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو وأصبح جزءًا من قاعدته الشعبية، ويسكن كثير من مؤيديه في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة.

لكنه يرفض فرض الخدمة العسكرية على الشبان الحريديم لاعتبارات دينية لدى الحاخامات الذين يرون وصية حفظ التوراة مقدّمة على وصايا أخرى مثل "حفظ النفس" التي جرى تأويلها لدى بعض حاخامات الصهيونية الدينية باعتبار القتال في الجيش "حماية لشعب إسرائيل".

ومنذ الشهور الأولى لقيام إسرائيل طلب حاخامات من دافيد بن غوريون إعفاء طلاب التوراة والمعاهد الدينية من الخدمة العسكرية(6)، وهو ما تحقّق عبر قانون رسمي، وتوسّعت الإعفاءات مع تحالف "الليكود" مع الأحزاب الحريدية. وما زالت القضية مثار جدل داخل إسرائيل، رغم دخول شبان من الحريديم إلى الجيش وتأسيس وحدات خاصة لهم داخل "الناحال" مثل كتيبة "نيتساح يهودا"(7)، إلا أن النسبة الأكبر ما زالت رافضة للخدمة.

ولعلّ ما يميّز الصهيونية الدينية عن غيرها هو حضور "القومي" إلى جانب "الديني"، وهو ما عبّر عنه يوسف بورغ، رئيس الحزب القومي الديني في السبعينيات، حين سُئل عن العنصر الأهم في الهوية: اليهودية أم القومية؟ فأجاب: "الواصلة"؛ أي "سد الفجوة بين الديانة اليهودية الأرثوذكسية والحركة الصهيونية العلمانية"(8). غير أن الواقع التاريخي يبيّن أن التيار شهد انتقالات واختلافات في النظر إلى إسرائيل والصراع مع العرب والفلسطينيين والدين وغيرها. وظهرت داخله في الثمانينيات حركات مثل "ميماد" التي رأت ضرورة فصل القضايا السياسية عن التوراة بصيغة براغماتية تقترب من العلمانية.

ولم يتبنَّ جزء من حاخامات التيار "الرؤية المسيحانية" التي ترى في إسرائيل طريق الوصول إلى المخلّص، وبعضهم وافق على تفسير فقهي يتيح التنازل عن أراضٍ محتلة لتحقيق السلام ("مصلحة شعب إسرائيل تسبق مصلحة أرض إسرائيل"). ورفضوا النهج المنبثق من "المذهب الصوفي اليهودي" الذي يرى الصراع مع الفلسطينيين والعرب صفريًا وغير قابل للحل إلا بالسيطرة الكاملة على "أرض إسرائيل". ومع ذلك بقيت هذه التيارات والشخصيات معزولة داخل المجتمع الصهيوني الديني الأوسع(9).

وتختلف مراكز الاستطلاع الرسمية الإسرائيلية في تقدير نسبة المحسوبين على التيار "الصهيوني–الديني" أو "الديني الوطني"، وفق أدبيات ودراسات إسرائيلية، بين 11% و22%(10). ويعود الاختلاف إلى أن التيار يضم مجموعات متباينة، تختلف في موقع الحاخامات وطبيعة الطاعة:

  • نموذج تقليدي "أطيع–أفعل" دون نقاش،

  • ونموذج تحليلي/معرفي يعترف بعظمة "الفقيه" لكنه يسمح للفرد بفحص المصادر والأدلة وعدم الطاعة إذا كان القرار واضح الخطأ،

  • ونموذج حواري تشمل فيه الطاعة "الحوار مع الفقيه"،

  • ونموذج "القفز" حيث يتجاوز بعض المتدينين السلطة الحاخامية(11).

شجّعت الصهيونية الدينية أفرادها على الخدمة في الجيش الإسرائيلي خلافًا لتيارات أخرى - غيتي
شجّعت الصهيونية الدينية أفرادها على الخدمة في الجيش الإسرائيلي خلافًا لتيارات أخرى - غيتي

تيارات وطبقات داخل تيار واحد

لعبت مدرسة "يشيفات مركاز هاراف" الدينية التي أسسها الحاخام أبراهام إسحاق كوك عام 1924 دورًا فكريًا تأسيسيًا للصهيونية الدينية بصيغتها التي تبرز حاليًا في إسرائيل مع يتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهما(11). ومرّ مسار تعمّقها الفكري والحزبي بمراحل مختلفة؛ فبعد حرب 1967 انتعشت الأفكار الخلاصية والتوراتية التي رأت في احتلال الضفة الغربية والقدس دفعة نحو "السيطرة على كامل أرض إسرائيل".

وفي السبعينيات وُلدت حركة "غوش إيمونيم"(12)، الذراع الضارب للاستيطان، التي استغلّها لاحقًا أرئيل شارون، أحد كبار قادة "الليكود"، لدفع المشروع الاستعماري في الضفة وغزة. وقرأ التيار حرب 1973 هزيمةً لمشروع حزب العمل الذي تلقّى الجيش في عهده ضربة كبيرة من الجيشين المصري والسوري وبقية الجيوش العربية المشاركة.

في القراءة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي وفق نموذج "المركز" و"الضواحي"، يرى مختصون أنّ نسبةً من أبناء الصهيونية الدينية تنتمي إلى مجتمع الأطراف والفئات اليهودية الشرقية، التي اعتبرت أن النخبة العلمانية، ومعظمها من سكان كتلة "غوش دان"/تل أبيب الكبرى، سيطرت على مؤسسات الدولة لعقود، بينها الجيش، ورسمت الاستراتيجيات وفق اعتقادات تراها هذه الفئات مخالفةً لفهمها للنصوص التوراتية، وأبرزها منع الانسحاب من "أي جزء من أرض إسرائيل". وقد عارضت اتفاقات السلام والتسوية؛ وكان الفعل المعارض الأبرز اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، إسحاق رابين، على يد إيغال عمير الذي اعتبر توقيع اتفاقية أوسلو "خيانة"(13).

لكن داخل الصهيونية الدينية نفسها، ثمة تدافع اجتماعي بين الطبقة "البرجوازية" التي شكّلت النسبة الأساسية من أعضاء "المزراحي"، وبين مهمّشين سعوا إلى تعزيز تأثير حاخامات "مركاز هاراف" وعلى رأسهم تسفي يهودا هكوهن كوك. وبعد 1967 بدأ "المركز" الديني يؤثر في قطاعات واسعة من الصهيونية الدينية. ومع ذلك بقيت الطبقة البرجوازية مسيطرة وسعت إلى الاستيطان في غزة والضفة والقدس وسيناء والجولان "من إعجاب بالعودة إلى أجزاء كانت نواة أرض اليهود قديمًا، لا من رؤية مسيحانية"، بينما دفعت الرؤية الخلاصية الشبان التوراتيين ممثلين في "غوش إيمونيم" وكتلة الشباب في "المفدال". واستفادت هذه المجموعات من مشروع الاستيطان وصعود "الليكود" لتحويل الصهيونية الدينية من وعي هامشي إلى قيادي وريادي(14).

سموتريتش وبن غفير.. من سجناء إلى مسؤولين

منذ بدايات التسعينيات عزّزت الصهيونية الدينية حضورها في الجيش الإسرائيلي وتصادمت مع النخبة العلمانية. ويبرز التحول في حالة إيتمار بن غفير(15) الذي كان ملاحقًا أمنيًا في التسعينيات بسبب تحريضه وأعمال الشغب، متأثرًا بأفكار الحاخام مائير كاهانا(16)، ويرى في إرهابيين مثل باروخ غولدشتاين، منفذ مجزرة المسجد الإبراهيمي(17) عام 1994 ، "أبطالًا". واليوم بات وزيرًا في حكومة نتنياهو. أما بتسلئيل سموتريتش فتعرض للاعتقال سابقًا بسبب تخطيطه لأعمال عنيفة احتجاجًا على الانسحاب من قطاع غزة عام 2005(18).

شكّل الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة عام 2005، ضمن خطة أرئيل شارون، حدثًا مفصليًا في تاريخ الصهيونية الدينية التي رأت في إخلاء الكتلة الاستيطانية "ضربة" لـ"أرض إسرائيل كاملة". وجُدّد النقاش الفقهي بين الحاخامات: بين من دعا الجنود إلى التمرّد على أوامر إخلاء المستوطنات وعدم تسليمها لـ"الأغيار"، مثل شلومو غورين (مؤسس الحاخامية العسكرية) وشاؤول يسرائيلي، وبين من رفض الدعوة إلى التمرّد بدعوى "قداسة إسرائيل وجيشها" كطريق لتحقيق "الخلاص المسيحاني"، مع إصدار فتاوى تحظر تسليم أراضٍ للفلسطينيين "لا تُعطِهم مأوى". وذهب الحاخام يعقوب ميدان، من مدرسة "هار عتصيون"، في مقال "بين الرفض والدموع" إلى "وجوب إيجاد طريقة لا يكون فيها رفض صريح للأوامر، ومن ناحية أخرى يُنفّذ الجنود الأوامر وهم يبكون وبضعف، ولا يساهمون في الفعل نفسه"؛ وهو النهج الذي ساد خلال إخلاء مستوطنات غزة(19).

منذ الشهور الأولى لقيام إسرائيل طلب حاخامات من دافيد بن غوريون إعفاء طلاب التوراة والمعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، وهو ما تحقّق عبر قانون رسمي، وتوسّعت الإعفاءات مع تحالف "الليكود" مع الأحزاب الحريدية.

تعزّز التوجّه نحو "الدخول بقوة في الدولة" بعد الانسحاب. ويربط محللون بين ظهور مجموعات "تدفيع الثمن" الإرهابية وبين تفكيك مستوطنات غزة، مع فتاوى وكتب لحاخامات، بينهم دوف ليئور، حاخام مستوطنة "كريات أربع" السابق، يعلن فيها استباحة دماء الفلسطينيين والعرب بمن فيهم الأطفال والنساء(20).

وفي السياسة، شقّت الصهيونية الدينية طريقها؛ فكان نفتالي بينيت، رئيس "البيت اليهودي" سابقًا، أول شخصية من هذا التيار تعلن نيتها الوصول إلى رئاسة الحكومة، وسعى إلى تولي وزارة الأمن، وضمّ إلى حزبه شخصيات يمينية علمانية مثل أييليت شاكيد التي عملت على تغييرات عميقة في القضاء خلال تولّيها وزارة العدل، برؤية تتجاوز جمهور الصهيونية الدينية وحده، خلافًا لسموتريتش وآفي معوز ("نوعام") وبن غفير الذين ارتكزوا غالبًا على ناخبي المستوطنات(21).

تبرز الصهيونية الدينية حاليًا في إسرائيل مع يتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهما - غيتي
تبرز الصهيونية الدينية حاليًا في إسرائيل مع يتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهما - غيتي

رحلة الصعود في الجيش.. حاخامات ومدارس دينية 

اعتبر حاخامات أن تأسيس الجيش الإسرائيلي، الذي وصفوه بـ"الجيش اليهودي"، "حدث عظيم"، وكتبوا مؤلفات عن الحرب والجيش لتأسيس قواعد توراتية لاهوتية للعمل العسكري، بينما توجه جزء منهم إلى بن غوريون لطلب إعفاء طلاب التوراة من الخدمة العسكرية، تزامنًا مع توجيه القيادة العسكرية لتوفير "الأجواء للجنود المتدينين لممارسة طقوسهم". وقد رفض مؤسس إسرائيل إقامة وحدات دينية خاصة منعًا لانقسام الجيش بين علماني ومتدين.

ومنذ مرحلة العصابات الصهيونية إلى تأسيس الجيش، التزم أبناء الصهيونية الدينية بالخدمة العسكرية تطبيقًا لفتاوى حاخاماتهم، كما في فتوى الحاخام كوك: "الحاجة للحرب لا يجب أن تلغي مسألة يزيد التوراة ويعظمها، فهاتان وصيتان على مستوى كل إسرائيل، ويجب تقويتهما معًا. تكبير التوراة في إسرائيل لا يتعارض مع وصايا الحرب ولا مع وصايا الاستيطان".(23)

وفي تحليلات حاخامات الصهيونية الدينية للتوراة، انتقل "ارتباط شعب إسرائيل بالرب من الألم أمام معاناة شعبه"، كما في الفهم القديم لأقوال الحاخامات، إلى "إيقاظ الفداء والضوء الذي بدأ يشق الأرض"، وهو مفهوم يُلقي قداسة على الجيش الذي يُنظر إليه باعتباره "ممثل سيادة الرب على الأرض".(24)

مرت تجربة أبناء الصهيونية الدينية في الجيش الإسرائيلي بعدة مراحل. في البداية كانت الخدمة مع القبول بالدور الهامشي؛ ففي السنوات الأولى للجيش اشتكى الجنود المتدينون من "الأجواء العلمانية" التي لا توفر لهم الالتزام بالوصايا التوراتية، وهو ما دفع نسبة تقدر بنصف خريجي المدارس التوراتية، وفقًا لاستطلاع رأي سابق، إلى ترك التدين. ويروي ناحوم لف، أول ضابط متدين في وحدة "سيريت متكال" النخبوية، كيف اضطر لخلع "القلنسوة/ الكيباه" خلال الخدمة العسكرية.(25)

ومع خوف الحاخامات من ترك الجنود للتدين، وجّهوا نحو إقامة إطار دراسي وعسكري منفصل لهم، منها مسار الخدمة في لواء "الناحال" الذي وفّر للمتدينين التدريبات العسكرية مع التدريب الزراعي ثم الاستيطان في "الكيبوتسات الزراعية"(26)، بطلب من "هبوعيل همزراحي" الذي كان يخدم نحو 8000 من شبانه في الجيش. وتأسست في هذه السنوات أيضًا مدرسة تسمى "يشيفاه كرم يبنه" التي تعتبر مسارًا "لاحق التنفيذ"، أي أن الجندي يخدم ثم يعود لتعلم التوراة، لكن خدمة الجندي المتدين كانت فعليًا أقصر من غيره، إذ يستغرق أغلب الفترة في التعليم الديني داخل مجتمع منفصل، وهو ما عرقل وصول نسبة من أبناء التيار إلى مراكز عليا في الجيش.(27)

بعد حرب 1967، تأسست مدارس داخل مستوطنات الضفة الغربية تقدم التعليم التوراتي مع الخدمة العسكرية، مثل مدرسة "هار عتصيون" عام 1968. ثم ظهرت المدارس والأطر التحضيرية ما قبل الخدمة العسكرية، وكانت أولها في مستوطنة "عيلي" عام 1988 على يد تلميذين للحاخامين إيلي سادان ويغئال لفينشاطاين، المسؤولين عن "مركاز هراف"، وجذبت هذه المدارس آلاف الطلاب من التيار الصهيوني الديني.(28)

وتأسست مخيمات تحضيرية لشبان الصهيونية الدينية قبل الخدمة العسكرية، مرتبطة بتجربة "غوش أمونيم"، تقدم للطلاب الدروس التوراتية، ومن بينها وصايا متعلقة بالحرب والجيش. وتشير إحصائيات إلى أن نحو 50% من خريجيها التحقوا بوحدات قتالية متقدمة، و55% وصلوا إلى وظائف قيادية عالية، وكان الهدف واضحًا من قبل الحاخامات: "تغيير الجيش والدولة".(29) ويذهب محرر صحيفة "بشيفاع" الصهيونية الدينية إلى القول إن الجيش "بحاجة إلى أكثر من إعادة تأهيل، بل إلى تنشيط ومحور القرص الصلب الذي كُتب خلال 20 سنة، ومن خلاله جرى تربية جيل كامل من القادة الكبار على مبادئه، ولو كان ممكنًا لوجب إرسال كل طبقة الضباط من رتبة عميد وما فوق إلى التقاعد".(30)

"القلنسوة المنسوجة" تظلل الجيش

تعكس الإحصائيات الإسرائيلية حجم ارتفاع أعداد الضباط من التيار الصهيوني الديني أو أبناء "القلنسوة المنسوجة"، بالتعبير الإسرائيلي، إذ إنّ 35% من خريجي كلية الضباط هم من المتدينين. ويتوجه جندي واحد من بين كل أربعة من مستوطنة "إفرات" المقامة على أراضي بيت لحم نحو دورة الضباط، و70% من وحدة "ماغلان" الخاصة ينتمون إلى هذا التيار. أما لواء "غولاني" فهو الأكثر تدينًا من بين ألوية المشاة الخمسة، يليه المظليون، ثم جفعاتي، وكافير، والناحال، فيما يشكل المتدينون 40% من الطاقم القيادي في لواء المظليين.(31)

كما ارتفعت نسب الشابات من الصهيونية الدينية اللواتي يتوجهن للخدمة العسكرية. وتذكر البيانات الرسمية لإدارة شؤون الأفراد في الجيش الإسرائيلي أن 935 من خريجات التعليم الديني الرسمي انضممن إلى الخدمة عام 2010، وارتفع العدد عام 2013 إلى 1616، وفي 2014 إلى 1830، وفي 2015 إلى 2010. أي أن نسبة ارتفاع عدد المجندات المتدينات تجاوزت 100%، رغم معارضة الحاخامات الذين يرفضون خدمة النساء في الجيش.(32)

"كتيبة شمشون لا تُخلي في حومش"، كانت هذه لافتة رفعها جنود جدد في لواء كافير خلال حفل تخرجهم عام 2011، أعلنوا فيها أنهم لن يستجيبوا لأوامر الجيش والحكومة في حال طُلب منهم إخلاء مستوطنين من بؤرة استيطانية. وتبيّن لاحقًا أن هؤلاء الجنود من خريجي مدرسة مستوطنة "هار براخا".(33)

ووفقًا لتحليلات مديرية القوى العاملة في الجيش الإسرائيلي عام 2010، فإن 96.4% من الشبان في مستوطنات جبل الخليل يتجندون للجيش، 83.3% منهم يخدمون في وحدات قتالية، و61% من المجندين من مستوطنات ما يعرف إسرائيليًا بـ"السامرة" خدموا في وحدات قتالية، مقابل 36% فقط من مجندي منطقة "تل أبيب".(34)

تقول هذه الأرقام الكثير عن التغييرات العميقة في الجيش الإسرائيلي؛ فبعد سنوات قليلة فقط من طرد جنود متدينين من دورة عسكرية بسبب طلبهم مغادرة القاعة عند صعود مغنية في حفل التخرج، أصبح قادة الدورات هم أنفسهم من واضعي "القلنسوة"، ووصل ضباط يحملون أفكار الصهيونية الدينية إلى مناصب عليا في الجيش، مثل اللواء عوفر فينتر قائد لواء "جفعاتي" السابق في عدوان 2014 على غزة، الذي استخدم نصوصًا توراتية لتحريض جنوده على قتل أهالي القطاع.(35)

وتزامن ذلك مع تزايد سيطرة الحاخامات العسكريين الذين أصبحوا مرجعية للجنود المتدينين متجاوزين قادتهم في التسلسل التنظيمي العسكري. وهو ما يسميه الباحث في شؤون الجيش والمجتمع في إسرائيل ياغيل ليفي "الأدلجة الثيوقراطية"، أي انتقال مهمة الحاخام العسكري من توفير "الكوشير" للجندي المتدين وتهيئة الظروف لممارسة الطقوس، إلى مرافقة الجنود في ساحات القتال.

ولم يكن هذا التوجه حكرًا على المتدينين، بل شجّع عليه أيضًا قادة محسوبون على العلمانيين مثل رئيس الأركان السابق موشيه يعالون، الذي اعتبر أن "تعزيز الروح اليهودية" يقوي الجنود في القتال ويزيل آثار "مرحلة أوسلو" التي أدخلت الجيش، بحسب رأيه، في حالة من عدم "الحسم". ومثله اللواء عميرام متسناع، القائد السابق للمنطقة الوسطى خلال الانتفاضة الأولى، الذي دعا أبناء الصهيونية الدينية للانضمام بكثافة إلى الجيش.(36)

مجتمعات داخل جيش واحد

يقول رؤوفين غال، النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي والمشارك في كتاب "بين الكيباه والقلنسوة"، عن تأثير الحاخامات على الجنود: "في 1962 كنت قائد فصيلة وسرية في الناحال، وكان حولي عدد قليل من الجنود والضباط المتدينين الذين يرتدون الكيباه. لم يكن حينها الموضوع الديني بارزًا، ولم يكن هناك تدخل من جهات دينية خارجية مثل الحاخامات المدنيين ورؤساء المدارس الدينية. اليوم الحاخامات لهم تأثير قوي جدًا على طلابهم الذين أصبحوا جنودًا، وعلى الطريقة التي يفسرون بها تعليمات المسموح والممنوع".(37)

واكتسب الحاخامات، بفضل الصلاحيات التي منحهم إياها يعالون، قدرة على التأثير في التعليم والتعليمات داخل الجيش. وصار التركيز على تقديم "التاريخ اليهودي"، خاصة في شقه العسكري، على الجانب التوراتي–التراثي، على حساب التفسير العلماني. وبات جهاز الحاخامية العسكرية ينافس جهاز التربية الرسمي الموكل إليه داخل الجيش تقديم التعليم والمفاهيم للجنود.(38)

هذا الصراع والتحولات داخل الجيش يعكس بدوره تدافعًا داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بين النخبة القديمة العلمانية الأشكنازية التي كانت مسيطرة في السابق، وبين التيارات الصاعدة. ومع التحولات الاقتصادية والرفاه الذي حققته إسرائيل منذ الثمانينات، تراجعت دافعية النخبة القديمة نحو الخدمة العسكرية، وفضّل أبناؤها الالتحاق بوحدات النخبة التكنولوجية والاستخباراتية التي تفتح لهم أبواب الشركات بعد الخدمة. في المقابل، توجه أبناء التيار الصهيوني الديني بكثافة إلى الوحدات القتالية.(39)

ويرى الباحث الإسرائيلي ياغيل ليفي أن مجموعتين من اليهود حلت مكان النخبة القديمة: الشرقيون "المزراحيم" والتيار الصهيوني الديني. فقد رأى الشرقيون في الخدمة العسكرية فرصة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ودخلوا الجيش فرادى، بينما سعى الصهيونيون الدينيون إلى السيطرة على الدولة والمجتمع من خلال الخدمة، فانضموا إلى الجيش كتكتل منظم.

ويؤكد ليفي أن الجيش الإسرائيلي منقسم في الواقع إلى كتلتين: "الجيش الرسمي" ويضم سلاح الجو والبحر والاستخبارات والسايبر، و"جيش الشرطة" ويضم قوات المشاة والمدرعات المسؤولة عن قمع الفلسطينيين في الضفة الغربية، والذي يسيطر عليه المستوطنون وحاخامات المدارس العسكرية. وتشير تقارير وتحذيرات ضباط إلى أن جنود هذا الجيش يتعاونون مع المجموعات الإرهابية الاستيطانية في الهجمات على الفلسطينيين. (40)

وصل ضباط يحملون أفكار الصهيونية الدينية إلى مناصب عليا في الجيش - غيتي
وصل ضباط يحملون أفكار الصهيونية الدينية إلى مناصب عليا في الجيش - غيتي

"يطلقون النار ولا يبكون"

وتزامنت التغييرات الاجتماعية داخل الجيش مع توجه لدى قيادته العليا، خاصة منذ انتفاضة الأقصى، نحو عنف وتوحش أكبر في قمع الفلسطينيين. فبينما وصفت الأدبيات الإسرائيلية جنود الانتفاضة الأولى بأنهم "يطلقون النار ويبكون"، بات الجنود في السنوات الأخيرة "يطلقون النار ولا يبكون"، بعد أن تعززت الأفكار التوراتية على حساب "القيم الليبرالية".(41)

تهاجم الصهيونية الدينية الأفكار التي سادت في القيادة العليا للجيش منذ التسعينات حول "الجيش الصغير والذكي"، القائم على التكنولوجيا لا على التجنيد الكثيف للقوى البشرية، وترى هذه العقيدة غير "مناسبة" لحسم الصراع ضد الفلسطينيين والعرب. ولذلك تطالب ببناء جيش "قاتل وفتاك"(42)، لا يلتزم بالقوانين الدولية أو بتجميل عملياته العسكرية في إطار مقبول للمجتمع الدولي، بل ينفذ ما يلزم من أجل "تدمير العدو" وتحقيق "السيادة على أرض إسرائيل كاملة".

وقد ظهرت تجليات هذا الخطاب في حرب غزة، حيث ارتكب جيش الاحتلال جرائم قتل وتدمير واغتصاب وأعمالًا وصفتها المؤسسات الإنسانية والدولية بأنها إبادة جماعية، وسط تشجيع من حاخامات بارزين في الصهيونية الدينية. وتفاخر سموتريتش بأن نحو 60% من قتلى الجيش في الحرب(43) هم من المستوطنين وأبناء هذا التيار، الذين رفعوا خلال القتال شعارات "المشيح المخلص" و"الهيكل"، ودعوا علنًا في الجنازات والمناسبات المختلفة إلى إبادة الفلسطينيين.

ويأتي هذا الاندفاع نحو السيطرة على الجيش في إطار مشروع متكامل للهيمنة على الأجهزة الإسرائيلية كافة، يهدف إلى منع قيام أي دولة فلسطينية حتى على جزء صغير من الأرض(44)، وإلى تغيير القضاء، خاصة المحكمة العليا، التي يراها التيار معادية لليمين. كما يشمل المشروع أهدافًا توراتية–مسيحانية مثل إقامة "الهيكل"، واحتلال "إسرائيل الكبرى"، وصولًا إلى مرحلة "المشيح المخلص".


مراجع

  1. نص من سفر التثنية في العهد القديم استخدمها نتنياهو وقادة إسرائيليون في بداية الحرب وخلالها، ويربطون بين "العماليق" في النصوص الدينية اليهودية بالشعب الفلسطيني حالياً.
  2. حول تاريخ التيار في الحركة الصهيونية وصعوده – مؤسسة الدراسات الفلسطينية: https://www.palestine-studies.org/ar/node/1655743
  3. حزب المفدال ودوره في تشكيل السياسة الداخلية في دولة إسرائيل، عادل محمد عايش الأسطل، جامعة القدس، رسالة ماجستير.
  4. موقف الطائفة الحريدية من الصهيونية والدولة الإسرائيلية، بودراع فضيلة، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.
  5. דת ומדינה בישראל: אתגרי העבר והעתיד (الدين والدولة في إسرائيل: تحديات الماضي والمستقبل)، جدعون سايبر.
  6. "ציונות-דתית" (الصهيونية الدينية)، حاييم كاتسمان، مجلة مفتاح، معهد فان لير في القدس.
  7. ממשגיח הכשרות לנהג הקטר? הציונות הדתית והחברה הישראלית (مُشرف كوشير أم سائق قاطرة؟ الصهيونية الدينية والمجتمع الإسرائيلي)، معهد إسرائيل للديمقراطية.
  8. "السلطة الحاخامية في العالم الصهيوني الديني: بين التسلسل الهرمي والديمقراطية"، الحاخام الدكتور يائير هرئيل، مجلة "أكادمي".
  9. مقال "اغتيال رابين والهوامش الإثنية للصهيونية"، ميخائيل فايغه، معهد فان لير في القدس.
  10. عوفر جروزبارد، "البرجوازية الدينية القومية: القصة الكاملة"، من كتاب دينيون؟ قوميون!، معهد إسرائيل للديمقراطية.
  11. عن بن غفير المحرض على رابين الذي أصبح وزيراً في الحكومة الإسرائيلية – صحيفة الأيام: https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/376500/register.php
  12. عن حركة كاخ وأفكار مائير كاهانا – مؤسسة الدراسات الفلسطينية: https://www.palestine-studies.org/ar/node/35006
  13. عن تفاصيل اعتقال سموتريتش – موقع INN: https://www.inn.co.il/news/582720
  14. موشيه هلينغر ويتسحاق هيرشكوفيتس، طاعة وعدم طاعة في الصهيونية الدينية من غوش إيمونيم إلى تدفيع الثمن، معهد إسرائيل للديمقراطية.
  15. مصدر سابق.
  16. الحاخام ألتر ديفيد ريغنسبرغ، القانون العسكري (1949).
  17. השירות הצבאי בישראל: אתגרים, חלופות ומשמעויות (الخدمة العسكرية في إسرائيل: تحديات، بدائل، دلالات)، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
  18. شلومو أفينر، שיעורים במחשבת הרב (دروس في فكر الحاخام).
  19. آشير كوهين ودوف شفارتس، מרוממות לחרדה: הציונות הדתית בעשור הראשון של המדינה (من سمو إلى قلق: الصهيونية الدينية في العقد الأول من الدولة).
  20. مصدر سابق.
  21. مصدر سابق.
  22. مصدر سابق.
  23. يعقوب كاتس، ישיבות ההסדר והציונות הדתית: מוסד ייחודי בין הליכי התמסדות להתבדלות (مدارس هسدر الدينية والصهيونية الدينية: مؤسسة فريدة بين عمليات المؤسسة والانعزالية)، معهد إسرائيل للديمقراطية.
  24. مصدر سابق.
  25. أودي ليفيل وشوشانا لوفيتش-عومر، القبّعات (أصحاب القلنسوات)... العودة إلى ما كنا عليه: القتلى في الجيش الإسرائيلي كمعارضة محافظة للجيش ما بعد الحداثي.
  26. مصدر سابق.
  27. رانيت بوداي - هايمان، الهويات النسائية: بين الدين والجيش في إسرائيل، رسالة دكتوراة.
  28. مصدر سابق.
  29. مصدر سابق.
  30. مصدر سابق.
  31. مصدر سابق.
  32. ياغيل ليفي، تديين الجيش مقابل الأدلجة الثيوقراطية.
  33. مصدر سابق.
  34. مصدر سابق.
  35. تقرير – صحيفة مكور ريشون: https://www.makorrishon.co.il/news/715847/
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة