منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، عادت معه أسلحته المفضلة، المتمثلة بالرسوم الجمركية، والقرارات المفاجئة، والتهديدات المفتوحة، وحلفاء لا يعرفون متى يأتيهم الدور.
وقد ارتفعت الرسوم الجمركية بشكل حاد لتصل إلى نحو 17% في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وهي مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عام 1935.
"القلق الغربي"
وصحيح أن إيرادات الرسوم الجمركية درّت على الخزينة الأميركية 236 مليار دولار مع نهاية العام الماضي، لكن هذا الحصاد كان يخفي وراء الكواليس الاقتصادية تحركات عديد العواصم نحو العملاق الآسيوي، أي الصين.
ويشهد العالم زيارات مكوكية لدول العالم إلى بكين، من بريطانيا وألمانيا وحتى كندا، التي لطالما كانت علاقتها مع الصين متوترة.
وقد أصبح البحث عن شريك اقتصادي آمن ضرورة قصوى للهروب من فوضى وابتزاز ترمب، الذي تسبب في تراجع الاستثمارات الأوروبية في الولايات المتحدة إلى نحو 50%، وتجارة كندا بحوالي 6% في عام 2025.
والقلق الغربي من بكين قديم ومتراكم، من أمن التكنولوجيا والبيانات، إلى دور الدولة الصينية في الاقتصاد، وصولًا إلى هواجس النفوذ والتدخل. لذلك، التحركات لا تتجه شرقًا فقط، بل في كل الاتجاهات: آسيا، أميركا اللاتينية، اتفاقات جديدة، وسلاسل إمداد بديلة. أمام عالم يحتمي بالصين، أو عالم يتعلم درسًا قاسيًا: لا تضع كل اقتصادك في سلة واحدة.
وأمام ذلك، فإنّ خطاب صاخب يسوده التهديد، اعتاد ترمب استعماله مع خصومه، تحول اليوم إلى حلفائه التاريخيين، وجيرانه من دول الاتحاد الأوروبي وكندا، التي وجدت نفسها في مواجهة الرسوم الجمركية الأميركية، التي تتضاعف كلما أراد ترمب الضغط عليهم في معادلة جديدة تُدار بالابتزاز.
وتغيّرت لغة التحالف إلى لغة المصالح، فترمب الذي يرى أن أوروبا مدينة بالكثير للولايات المتحدة، دفع بدول الأعضاء وكندا للاحتماء خلف سور الصين من هجمات ترمب المتكررة.
وكانت البداية بزيارة رئيس الوزراء الكندي ماركارني إلى بكين بعد سنوات من الجمود بين البلدين، ما أثمر عن إطلاق شراكة إستراتيجية تشمل قطاعات الطاقة والزراعة والتجارة، مع خفض الرسوم الجمركية إلى النصف على السيارات الكهربائية الصينية.
خطوة رأى ترمب أنّها تزيد من تدفّق السلع الصينية عبر الحدود الشمالية للولايات المتحدة. فأطلقت تصريحات أكثر حدة، وهدّدت كندا من جديد برفع الرسوم الجمركية على الواردات الكندية إلى 100%.
قبلة أكثر أمانًا
وأوروبا هي الأخرى ترى في الصين القبلة الأكثر أمانًا اقتصاديًا، بعد أن أعرب كل من المستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني عن استعدادهما لزيارة الصين خلال الأيام المقبلة، لتعزيز التبادل التجاري وتعميق التعاون الاقتصادي مع العملاق الآسيوي.
وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ، ففي الوقت الذي يعاني فيه الأوروبيون من تقلب مزاج سيد البيت الأبيض بين الضغوط السياسية والاقتصادية، تبقي بكين قنوات التجارة والاستثمار مفتوحة حتى أمام الخلافات، ما أسهم في تجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي مستوى 800 مليار دولار، وشركات حققت فائضًا تجاريًا قياسيًا تجاوز ترليون دولار.
وبدا واضح تصدع واضح في العلاقات الأميركية مع جيرانها وحلفائها عبر الأطلسي يعيد رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، ويخرج حلفاء أمس، ويدخل حلفاء اليوم، في عالم تحكمه المصالح المتغيرة، لا ثوابت التحالفات.
"أكبر ضربة للحلفاء"
وضمن هذا السياق، قال الدكتور مصطفى شاهين، أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية، في حديث لبرنامج "اقتصادكم" من التلفزيون العربي من ميشيغان، إنّ "أميركا الآن مع الإدارة الحالية لا تنظر بالقلق فقط، بل تنظر بالخوف، وانهيار التحالفات التي استمرت لأكثر من 80 سنة".
وأضاف شاهين أنّ "الإدارة الحالية تدفع كل الدول التي كانت متحالفة معها، مثل حلف الناتو أو الشركاء التجاريين مثل إنجلترا أو أوروبا، نحو اللجوء إلى الصين. فهي من جهة تغلق على أسوأ، ومن جهة أخرى تقلق من هذا الرد الفعل الغربي".
واستدرك: "الإدارة الحالية في أميركا هي أكبر من ضرب الحلفاء، وهي التي دفعت الحلفاء دفعًا نحو العلاقة مع الصين".
ورأى شاهين أن "الصين لا تمثل شريكًا آمنًا بالكامل، لكنها توفر فرصًا تجارية للدول مثل كندا، التي تصدر سنويًا زيت الكانولا بقيمة 40 مليار دولار تقريبًا، وكانت تفرض قيودًا على الصين، والآن الصين تفتح لها الباب، فتشتري الصين المنتجات، وتبيع الدول المصنعة مثل السيارات الكهربائية الصينية".
وأردف: "هذا يخلق إرباكًا شديدًا داخل أميركا، حيث أن المواطن الأميركي يخسر بسبب الرسوم الجمركية، فهي من يدفعها، وليس الشركات الصينية أو الكندية".
وتابع قائلًا: "حتى الفلاح الأميركي المتخصص في فول الصويا، أكبر دولة مستوردة له كانت الصين، وجد نفسه مضطرًا للبيع لدول أخرى مثل الأرجنتين، ما أدى في بعض الولايات إلى حالات انتحار بين الفلاحين نتيجة تراكم المحاصيل وعدم القدرة على بيعها".
وذهب شاهين للقول: "الانتخابات المقبلة في أميركا ستكون حاسمة، وترمب وحزبه سيواجهان خسائر كبيرة إذا لم تتغير السياسات التجارية المتشددة التي قامت على الحماية الأميركية أولًا".
ومضى يقول: "الدول الأوروبية تتجه أيضًا إلى التنويع، وليس فقط نحو الصين، وهذا أفضل لضمان شريك اقتصادي كبير، رغم أن الصين أصبحت تنتج منتجات عالية الجودة وبأسعار منخفضة جدًا، ما أدى إلى احتجاجات في فرنسا بسبب ضعف القدرة على دفع معاشات مناسبة للمواطنين ورفع سن التقاعد".