يواصل المستوطنون حصار منزل في بلدة قصرة جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة منذ أكثر من أسبوع، رغم الضغوط الأميركية والنداءات الدولية لإنهاء الحصار.
ولم يعد استهداف المنازل الفلسطينية الواقعة على أطراف القرى يقتصر على هجوم عابر أو اعتداء ليلي، بل بدأ يتحوّل إلى أسلوب منظّم لفرض الحصار وعزل العائلات وقطع مقومات الحياة عنها، تمهيدًا لدفعها إلى الرحيل والاستيلاء على المكان.
حصار قصرة
ففي منطقة جبل رأس العين في بلدة قصرة، الواقعة على بعد 24 كيلومترًا جنوب نابلس، يُحاصر المستوطنون عائلات فلسطينية في محاولة لتحويل وجودهم المؤقت أمام أبواب منازلها إلى بؤرة استيطانية دائمة.
ولا تنفصل محاولة السيطرة على المنازل عن أهمية جبل رأس العين الجغرافية، فالمنطقة تقع ضمن المنطقة المُصنّفة "ب" وفق اتفاق أوسلو، ويبلغ ارتفاعها نحو 930 مترًا عن سطح البحر، وتُعدّ منطقة إستراتيجية تربط بين 3 قرى هي قصرة وتلفيت وجلّود، عبر شارع رئيسي قطعه المستوطنون.
وبحسب رئيس بلدية قصرة، حاول المستوطنون إقامة بؤرة استيطانية في الموقع 8 مرات سابقًا، إلا أنّ الأهالي أفشلوا تلك المحاولات. والآن يُعيد المستوطنون المحاولة عبر تصعيد هجماتهم، في ظل حماية الجيش الإسرائيلي ودعم حكومي، قبل نحو شهرين ونصف من انتخابات الكنيست.
إلى جانب ذلك، تُمثّل المنطقة خزانًا مائيًا حيويًا، إذ تضمّ نبعًا يُغذّي ينابيع القرى الثلاث، ما يعني أنّ السيطرة عليها تؤدي إلى التحكّم في شريان الحياة المائي للمنطقة.
وتقود هذه المعطيات إلى استنتاج مفاده أنّ الحصار يتعدّى استهداف المنازل الفلسطينية بحد ذاته، إذ ينظر المستوطنون إليها باعتبارها عائقًا أمام السيطرة على موقع مرتفع ذي أهمية جغرافية، بما يُمهّد لإقامة حزام استيطاني يخنق المنطقة الجنوبية لنابلس.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 2200 فلسطيني من منازلهم منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية يونيو/حزيران الماضي، جراء عنف المستوطنين وقيود أخرى منعتهم من الوصول إليها.
"معركة وجود حقيقية"
وضمن هذا السياق، قال أدهم مناصرة الصحفي في التلفزيون العربي، إن المستوطنين يُركّزون على المرتفعات لأسباب عسكرية واستيطانية، مشيرًا إلى أنّ المستوطنات والبؤر الاستيطانية والمعسكرات تُقام عادة على أعالي التلال والجبال في الضفة الغربية.
الضفة الغربية تحت سياسات "الضم الزاحف" من قبل المستوطنين وبدعم من جيش الاحتلال الإسرائيلي pic.twitter.com/HX2s16PpBu
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 16, 2026
وأضاف مناصرة أن الجبال والمرتفعات تمثّل عمودًا رئيسيًا في مشروع الاستيطان وخنق المحافظات والوجود الفلسطيني، معتبرًا أنّ ما يجري في قصرة يختزل "معركة وجود حقيقية" في الضفة الغربية، وذلك قبل نحو شهرين ونصف من انتخابات الكنيست المقبلة.
وأوضح أنّ هذه التحركات تأتي في سياق تكريس البؤر الاستيطانية على نحو يصعب تغييره، مشيرًا إلى أن الإجراءات التي تتسارع قبل الانتخابات تهدف إلى فرض وقائع على الأرض يصعب التراجع عنها في حال خسر الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي الانتخابات.
ونوّه مناصرة إلى أنّ هذه الإجراءات الإسرائيلية تتصاعد أفقيًا وعموديًا من شمال الضفة الغربية مرورًا بوسطها وصولًا إلى جنوبها، مشيرًا إلى مناطق عدة، من بينها نابلس ورام الله والخليل.
ومضى يقول إنّ القرى الشمالية الشرقية والقرى الشرقية لمحافظة رام الله تحظى بتركيز إسرائيلي، نظرًا إلى وقوعها بمحاذاة شارع ألون الاستيطاني، مشيرًا إلى أن الهجمات والبؤر الاستيطانية واعتداءات المستوطنين المتصاعدة تهدف إلى منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الواقعة شرق هذا الشارع، بما يحصر الوجود الفلسطيني في المناطق الواقعة غربه.
وأضاف أنّ سلسلة المرتفعات في تلك المنطقة تُمثّل محورًا طوليًا يفصل محافظة رام الله عن الأغوار الشرقية أو الأغوار الوسطى.
حصار منذ أكثر من أسبوع.. لماذا يركز المستوطنون وجيش الاحتلال حصارهم على منطقة جبل رأس العين غربي قصرة بنابلس؟ pic.twitter.com/fVb3JeqInj
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 16, 2026
وأشار إلى أنّ الأمر نفسه ينطبق على القرى والبلدات الجنوبية والجنوبية الغربية لمحافظة نابلس، حيث يسعى المستوطنون، وفق تقديره، إلى إحكام الطوق والعزل حول المحافظة وضرب مقومات الوجود الفلسطيني في شمال الضفة الغربية.
"ضرب ما تبقى من أراض قابلة للتنمية الفلسطينية"
يشير مناصرة إلى أن عودة الاستيطان في أقصى شمال الضفة الغربية، ولا سيما في جنين، إلى جانب التركيز على مسافر يطا، معتبرًا أن الهدف يتمثل في ضرب ما تبقى من أراض قابلة للتنمية الفلسطينية.
ويضيف أن الأراضي الشرقية لمحافظة الخليل، الممتدة من مسافر يطا إلى مسافر بني نعيم، تمثل امتدادًا جغرافيًا يمكن أن يوفر تواصلًا من الناحية الشرقية، ولذلك تسعى إسرائيل، من خلال الاعتداءات وتصعيد إقامة البؤر الاستيطانية في مسافر يطا والمناطق الشرقية، إلى ضرب هذا الامتداد ومنع أي إمكانية لوجود أراض متصلة يمكن أن تشكل رصيدًا للتنمية الفلسطينية.
ويتابع أن هذه الإجراءات تهدف، في نهاية المطاف، إلى قطع أي أمل في قيام كيان فلسطيني متواصل أو إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وبشأن منطقة قصرة، أوضح أن قصرة وتلفيت وجلّود تقع على خط واحد، ما يجعل المرتفعات المحاذية لقصرة ذات أهمية في مسار السيطرة على المنطقة.
وختم بالقول إن إسرائيل تسعى، وفق تقديره، إلى السيطرة على هذا المرتفع، باعتبار أن وجودًا فلسطينيًا عليه قد يحول دون استكمال الطوق المفروض حول المنطقة، ولذلك تتركز الاعتداءات والحصار على المنازل والأراضي الفلسطينية هناك.