فتك مرض الطاعون، المعروف بـ"الموت الأسود"، بملايين البشر قبل قرون، ولم يقتصر أثره على أوروبا، بل ضرب كذلك السلطنة العثمانية وبلدان المنطقة العربية، تاركًا وراءه مدنًا مثقلة بالخوف، وأسئلةً بلا إجابات عن سبب الوباء وطرق اتقائه.
في ذلك الزمن، كان الاعتقاد الشائع أن الطاعون يعود "مرّة كل عقد"، يظهر في الربيع ثم يشتدّ في الصيف، وقد يفرض حصارًا يمتدّ سنوات. لكن المؤكد أنّ الناس كانوا يجهلون طبيعة ما يواجهونه؛ فبقوا تحت رحمة الوباء عقودًا طويلة، ومن نجا من الموت شهد محنة مدينته وهي تتبدّل تحت وطأة المرض.
ولم تكن الفاجعة مقتصرة على الموت وحده. كان على الناس أن يتحمّلوا تبعاته كلَّها: العزل، وتعطّل الأسواق، وخفوت الحركة في الشوارع، وانكسار الطمأنينة في البيوت، حتى صار الخوف جزءًا يوميًا من الحياة.
الحجر الصحي في الدولة العثمانية
في مذكرات الطبيب العثماني أنطوان لاغو، يرد وصفٌ لبلادٍ تُقاتل على جبهة غير مرئية.
يكتب أنّ الدولة، رغم قوتها العسكرية، اضطرت إلى خوض "حروب" من نوع آخر ضد أوبئة قاتلة؛ فما إن ينحسر الطاعون حتى تباغت البلاد الكوليرا، وتُسقط آلاف الضحايا.
ويصف لاغو كيف "طرق الطاعون باب كل بيت"، حتى صار الناس يخشون الخروج، وكيف بدا الوباء خارج السيطرة، يفرض إيقاعه على المدن والإدارة والناس معًا.
"لقد عصف الوباء بمناطقنا حدّ الرعب، وكان شيئًا مخيفًا بقي خارج السيطرة، بعد أن طرق الطاعون باب كل بيت، حتى أصبح الناس يخشون الخروج من بيوتهم".
عند مضيق البوسفور، يقف "برج الفتاة" شاهدًا حيًّا على زمن الأوبئة. فقد تحوّل البرج إلى محجرٍ صحي عمل لاغو داخله سنوات، بعدما اختير المكان ملائمًا لعزل المصابين ومنع العدوى من الانتشار.
وقد كُلّف متابعة أعداد كبيرة من المرضى هناك، حيث يكتب عن وجوهٍ متعبة وأجسادٍ منهكة، وعن يقينٍ ثقيل يرافق الطبيب في كل يوم:
"كنت أعلم أن بعضهم سيموت بعد قليل".
ويُطلق على أماكن العزل التي اختارتها الدولة العثمانية اسم "تحفّظ خانة"، إذ كان العزل أقصى ما يمكن فعله في "عام الوباء". وفي مذكرات لاغو، يظهر الحجر الصحي بوصفه الخيار الوحيد الممكن، خصوصًا مع غياب الخبراء المحليين في تطبيقه، ما دفع الدولة إلى الاستعانة بخبرات أوروبية.
ويذكر أنه في عام 1831، خلال عهد السلطان محمود الثاني، بدأ تطبيق الحجر على المدن الكبرى، مع تشديدٍ خاص على السفن القادمة، باعتبارها الخطر الأكبر. ثم اتُخذ قرارٌ باحتجاز السفن المتجهة إلى إسطنبول وفرض حجر صحي عليها، ونقل المصابين إلى مستشفى محدد أو إلى برج الفتاة، مع إلزام المسافرين بتسجيل وضعهم الصحي ضمن وثائق المرور.
ويختم الطبيب هذا المشهد بجملة تكاد تختصر جغرافيا الوباء:
كانت رقعة الإصابات تضرب في كل مكان… الشام، والحجاز، ومصر.
انتشار الطاعون في بلاد الشام
عن بلاد الشام، يكتب الطبيب البريطاني ألكسندر راسل في كتابه "تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر" أنّ الطاعون لم يكن غريبًا عن المنطقة، بل "زيارة" تتكرر بانتظام تقريبًا.
ويروي أنه في صيف عام 1741 انتشر الوباء في خليج الإسكندرون، ثم أخذ يجتاح المناطق المجاورة زاحفًا نحو بلاد الشام. ولم يلبث أن وصل إلى حلب، قبل أن ينتشر في أنحاء المدينة وضواحيها خلال أيام قليلة. ومع اتساع العدوى، بدأت الجنازات تظهر على نحو لافت، بما يوحي بأن الموت سكن المدينة.
ومن أكثر ما استوقف راسل (كما يروي في مذكّراته) حالات موتٍ مباغتة من دون مقدمات واضحة؛ إذ قد تبدأ الأعراض بشكل لا يثير الذعر ثم تنتهي بالوفاة خلال ساعات. ويصف الطبيب مشهدًا "مرعبًا"، عندما ماتت إحدى الفتيات في أقلّ من خمس ساعات بعدما غطّلت بقع سوداء كامل جسدها بسرعة.
"كان منظرًا مرعبًا، لم نستطع فعل أي شيء".
ويقول راسل إنه حاول وصف علاجات عديدة، وجرب مستحضرات كثيرة، واعتمد على تقارير ينقلها له شخصٌ عيّنه لزيارة المرضى لأنه فضّل الاعتكاف. غير أنّ تلك التقارير كانت غالبًا غير دقيقة، فاضطر لاحقًا إلى زيارة المرضى بنفسه رغم محاولة تفادي ذلك ما استطاع.
أما الناس، فكانوا يلجأون إلى الاعتكاف داخل البيوت. أُغلقت الأبواب بإحكام، ولم يسمح أصحاب المنازل بدخول أي شيء سوى المؤن. وكان بعضهم يكلّف شخصًا بالبقاء خارج المنزل لجمع الأخبار ونقل الرسائل.
ويذكر راسل أن الخوف امتد إلى الكلاب والقطط، باعتبارها "زوارًا" قد تنقل العدوى من بيت إلى آخر، فقرر بعض السكان قتلها خوفًا من انتقال المرض. وفي حلب أيضًا، يشير إلى أيامٍ صعبة "تفوح فيها رائحة الموت"، ومع ذلك ظل كثيرون يفضّلون البقاء وعدم المغادرة خشية توسيع نطاق انتشار الوباء.
من أين جاء الطاعون؟
حول مصدر الطاعون، يكتب أنطوان لاغو في مذكراته أنه لا يستطيع الجزم بمكان البداية، لأن البشر لا يعيشون في عزلة.
ويرجّح أن طرق التجارة والحركة الكبرى كانت وسيطًا مثاليًا لانتقال العدوى: القوافل، والتجار، والجيوش، والبحارة، وحتى الحجاج…
جميعهم ساهموا، دون قصد، في توسيع خرائط المرض.
الطاعون في الحجاز
كان خطر العدوى يزداد في موسم الحج. ففي عام 1814 انتشر الطاعون في أرض الحجاز، وبات عشرات الحجاج يموتون يوميًا. ومع تصاعد الهلع، تُروى قرارات رسمية بوقف الموسم.
الرحالة والمؤرخ السويسري جون لويس بيركهارت يكتب في "رحلات إلى شبه الجزيرة العربية" عن أيامٍ سادت فيها "حمّى خبيثة" الحجاز كله. ويقول إنه شكّ بالطاعون دون أن يمتلك دليلًا، وحين ذكر كلمة "طاعون" أمام بعض أهل الحجاز قوبل بإنكارٍ شديد، إذ اعتقدوا أن الله حمى الأراضي المقدسة من هذا الداء.
لكن الأرقام كانت تتصاعد: عشرات الوفيات يوميًا.. ثم العشرات دفعة واحدة، حتى بلغ الهلع ذروته.
ويشير بيركهارت إلى أن جدة شهدت موجة أكثر قسوة، حيث ارتفع عدد الوفيات إلى مئات يوميًا. ودفع ذلك كثيرين إلى النزوح نحو مكة المكرمة طلبًا للأمان، لكن حركة البشر نفسها نقلت المرض إلى المدينة، فمات عدد كبير من أهلها.
وفي وصفه لردود الفعل الشعبية، يورد ومحاولات "رمزية" لمواجهة الوباء، إلى جانب تفسيرٍ ديني واسع الانتشار يرى الطاعون ابتلاءً مرتبطًا بفساد العباد وظلم الحكام.
بين التفسير الديني وبدايات الفهم الطبي
في كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون، تناول ابن حجر العسقلاني الطاعون في سياقٍ ديني، وربط فهمه بمروياتٍ تجعل الموت به شهادة.
لكن في المقابل، فإنّ تراث الطب الإسلامي احتوى مبكرًا وصفًا طبيًا أدق للطاعون، ومنه ما يُنسب إلى أبي بكر الرازي من توصيف للأعراض والتنبيه إلى انتقال العدوى عبر المخالطة وبعض الأدوات، ما يقارب فهم "العدوى" بمنطق سابق لزمانه.
الطاعون في مصر
الرحالة البريطاني ألكسندر كينغليك، في كتابه "رحلة إلى المشرق"، يتوقف بدوره عند انتشار الطاعون في مصر. يكتب أنه قرر التوجه إلى القاهرة عام 1835 من دون أن يعلم أنّ الوباء سبقَه إليها. وعند اقترابه، حذّره رجلٌ يرتدي اللباس التركي من دخول العاصمة.
لكن كينغليك دخل القاهرة على أي حال، ليجد المدينة تُحصي مئات الوفيات يوميًا، فيما تمتد الجنازات منذ الفجر حتى الظهر. والمفارقة التي يلتقطها الرحالة أنّ الاستعدادات لعيد الأضحى لم تتوقف: خيامٌ تُنصب ومراجيح تُعلّق لتسلية الأطفال، وكأن المدينة تحاول - بعنادٍ أو بيأس أن تُمسك بشيء من الحياة وسط انتشار الموت.
الكرنتينا.. حين صار العزل سياسة
ينقل الباحث الأسترالي جوزيف بيرن في كتابه "الموت الأسود" أن فكرة العزل الإجباري ظهرت في القرن الرابع عشر الميلادي لحماية المدن الساحلية من الطاعون. ويشرح أن السفن القادمة إلى ميناء البندقية كانت تُجبر على الانتظار أربعين يومًا قبل السماح لها بالدخول، وهو ما أسس لفكرة الحجر الصحي.
ومن هنا جاءت تسمية "الكرنتينا": منطقة عزلٍ مخصصة، مشتقة من الإيطالية وتعني "أربعين يومًا".
ويشرح بيرن أن الكرنتينا مناطق للعزل على المدن الساحلية موجودة في كل دولة، تحديدًا في المدن الساحلية، أشهرها في مدينة جدة، حيث ميناء الحجاج الذين يفرزون إلى تلك المنطقة المحجورة زمن الوباء.
أما الكرنتينا في الإسكندرية فلها قصة أخرى تعود إلى عصر محمد علي باشا. ففي عام 1831، ومع توالي الأوبئة (الطاعون ثم الكوليرا)، طُرحت فكرة تنظيم مجلس لحماية المدينة الساحلية وتأسيس مجلس حجر صحي بالإسكندرية، قبل أن تُعمّم الفكرة وتُبنى كرنتينات أخرى في أنحاء مصر.
مصطلحات سريعة:
-
الحجر الصحي: عزل الأشخاص/السفن لمنع انتقال العدوى.
-
الكرنتينا: منطقة عزل، أصلها مرتبط بأربعين يومًا.
-
"تحفّظ خانة": تسمية عثمانية لأماكن عزل المرضى.
ويروي عبد الرحمن الجبرتي في "تاريخ الجبرتي" مشاهد عنف الوباء ولغته القاسية في الحياة اليومية، حتى بدت بعض القرى وكأنها تُهجّر بالكامل. وفي الوقت نفسه، تظهر قرارات السلطة بمزيجٍ من الإجراءات والطقوس: كرنتينات وعزل، إلى جانب قراءات دينية في المساجد طلبًا لرفع البلاء، في محاولة لتطويق الخوف بما هو ممكن من أدوات ذلك الزمن.
ولم تكن تلك أول مرةٍ يضرب فيها الطاعون مصر. فقد كان الوباء عاملًا مؤثرًا في تصدّع الحكم المملوكي، كما أنّ آثاره الاجتماعية والسياسية كانت عميقة، قبل أن يستمر حضوره المتقطع في المنطقة خلال العهد العثماني وحتى الحملة الفرنسية.