تبدو "العوّامات"، وهي قوارب على نهر النيل كانت تُستخدم للسكن والترفيه، مفتاحًا دلاليًا بالغ الأهمية في عدد من أفلام سبعينيات القرن الماضي، وأبرزها "ثرثرة فوق النيل" المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للمتوّج بجائزة نوبل في الآداب عام 1988، نجيب محفوظ.
فهي فوق الماء ولا تنتمي إليه. تحاذي اليابسة لكنها لا تقف على أرض صلبة، وتظل نائية بقدر ما هي قريبة، محتفظة بعزلتها عن الأحياء المكتظة، وبنخبوية من يرتادها، كأنها مقذوفة في الفراغ؛ فلا هي في البحر ولا على الأرض، إنما في "أرض الأحلام" والمُتع المحرّمة في السينما على الأقل.
هنا، ليس ثمة قانون بل خروج عليه وعلى مواضعات المجتمع. وفيها يلتقي متمردون وبورجوازيون وطلاب ونساء جميلات، ينظرون إلى مجتمعاتهم التي جاؤوا منها باحتقار تسوّغه لهم عزلتهم، لا عن الأرض وحسب، إنما عن واقعهم الحقيقي الذي غالبًا ما يكون بائسًا. فإلى أين يهربون؟
إلى عوالمهم المتخيّلة في عوّاماتهم على النيل، في القاهرة التي قاربتها سينما السبعينيات بقسوة بالغة، بعد هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967، وقبل انتصار 1973، وما بينهما.
من بين هذه الأفلام، "الظلال في الجانب الآخر"، وهو فيلم نادر تعرّض للمنع بعد إنتاجه. وحتى عندما عُرض، ظل حبيس المهرجانات، ولم يتكرّس واحدًا من أفلام الهزيمة والنصر في تاريخ السينما المصرية إلا على استحياء، وفي أضيق نطاق.
فيلم مصري بإخراج فلسطيني
أكثر من ذلك، فالفيلم هو العمل الروائي الوحيد لمخرجه الفلسطيني غالب شعث، الذي يُعدّ أبرز مخرج فلسطيني أصبح جزءًا من السياق السينمائي المصري بعد الأخوين لاما، بدر وإبراهيم، في عشرينيات القرن الماضي.
يفتتح شعث فيلمه على مشهد "عوّامة" على النيل، وعلى إيقاع أغنية يمكن اعتبارها ثورية، تؤكد أن الليل هو العمر الذي، وإن طال، وإن عوّق "سكته" مليون حجر، فإن المستحيل سيتحقق في نهاية المطاف.
أغنية حزينة يفتتح بها شعث فيلمه وينهيه بها، بينما بطلته روز تخرج من محنتها وهي تصر على المضي قدمًا في هذه الحياة، ولو متوكئة على عكازين من خشب.
تدور أحداث الفيلم حول أربعة أصدقاء يدرسون في كلية الفنون الجميلة، بعد هزيمة عام 1967 وقبل انتصار 1973، ويتنقلون في أغلب مشاهده بين كليتهم وعوّامة على النيل، تمامًا مثل أبطال "ثرثرة فوق النيل" الذي أخرجه حسين كمال عام 1971، قبل نحو ثلاثة أعوام من إنتاج "الظلال في الجانب الآخر" عام 1974، والذي عُرض رسميًا لأول مرة عام 1975.
يكون محمود (محمود ياسين)، الطالب في كلية الفنون، في العوّامة بالبيجاما عندما تدخل عليه صاحبتها وتقول له إنها كانت تفكر في تنظيف الشقة التي يقيمون فيها، فيرد عليها: "هي عمرها حتنضف"، أي أنها لن تصبح نظيفة أبدًا.
تبدو صاحبة العوّامة في عمر والدته، وكمن تراوده عن نفسه. وعندما تفشل في إغوائه أو دفعه إلى الاهتمام بها، تطالبه بأن يقلّل من إحضار الموديلات إلى العوّامة بغرض رسمهن. وعندما تخرج، نرى لوحة "بورتريه" كبيرة لفتاة جميلة بشعر منسدل على الكتفين.
روز الضحية المثقلة بالرموز
إنها روز، التي تؤدي دورها نجلاء فتحي، ويعود محمود بذاكرته إليها منذ لحظة تعرفه إليها.
كان يبحث عن سكن، فأخذه السمسار إلى شقة إحدى الأجنبيات اللواتي يعشن في القاهرة. تفتح روز الباب لمحمود، وفي الوقت نفسه للمجهول الذي سيعبث بحياتها غير عابئ بعواقب ما يفعله.
تكشف شخصية روز في الفيلم صورة بلد يُخذل ثم يحاول النهوض بما تبقّى له من قدرة على المقاومة
روز ابنة صاحبة الشقة بالتبني. شابة صغيرة السن، جميلة وساذجة.
سرعان ما تُفتن بالشاب الذي يقترح عليها أن يرسمها، وإذ يفعل ينتهي بها الأمر في سريره، وحاملًا بطفلته، قبل أن تطرده أمها بالتبني، فيذهب للإقامة في العوّامة مع زملائه في كلية الفنون. هناك، يبدأ رحلة التهرّب من روز، بل التخلي عنها، حتى بعد أن تنجب طفلته التي سرعان ما تموت من دون أن يعيرها، أو يعير أمها روز، أي اهتمام.
في العوّامة يقيم محمود مع مصطفى، الذي يؤدي دوره أحمد مرعي، وهو الشاب المثالي والمتمسك بالقيم، ومع طالبين آخرين أحدهما فلسطيني من القدس. وهؤلاء يكترثون بروز ومصيرها على خلاف محمود.
لا تبدو حيوات زملاء محمود ظلالًا في صورته، إنما جزءًا من أشواق جيل صاعد آنذاك، خارج من أكثر هزائم المنطقة إذلالًا. فبينهم من يكون مشروع تخرجه عن اللاجئين، وآخر عن المقاومة الفلسطينية، ووحده محمود يبدو ضائعًا ولا مباليًا، لا يُعنى إلا بمتعته.
أين هي الظلال إذن؟ وما هو الجانب الآخر؟
ذلك ما يرصده غالب شعث بذكاء بالغ في فيلمه. فخلف هذه اللا مبالاة والانفصام في الشخصية، ثمة ظلال كوّنت هذا المسخ، إن جاز الوصف، بحيرته الوجودية وعدم رضاه أو توافقه مع المجتمع أو حتى مع شرطه الإنساني.
ثمة جرح قديم، وأم لا نعرف عنها شيئًا، وشكوك يحملها الابن حيالها وحيال زوجة أبيه في الأرياف.
ثمة جرح قديم، أمٌ لا نعرف عنها شيئًا، وثمة شكوك الابن فيها وفي زوجة أبيه في الأرياف.
ثمة جرح يُقيم فيه ويشدّه إليه، فيجعله يحتقر الأب في الفن والحياة.
يمثل محمود جيلًا مأزومًا، تتحرك داخله ظلال الماضي والهزيمة والتمرّد الناقص
عندما يتوقف عنده أستاذه في كلية الفنون ويسأله باستنكار عمّا يرسمه، رافضًا طريقته وأسلوبه، ومعتبرًا لوحته "كلامًا فارغًا لا علاقة له بالمدارس الفنية المعروفة"، يرد محمود بأن الناس تعاملت مع أعمال بابلو بيكاسو وجورج براك، وهما من روّاد المدرسة التكعيبية في التشكيل الغربي، باعتبارها "كلامًا فارغًا" قبل أن تدخل التاريخ.
جيل ضائع ولا مبال
لكنّ الثورة على الأب هنا لا تشبه ثورته على الأب البيولوجي. ثمة أب تقليدي في ثنايا الظلال المعتمة لشخصية محمود: متغطرس، مُخان، يتم التمرد عليه ظاهريًا، فيما يجري الخضوع له في الحياة وفي أعماقها. فعدم ارتباط محمود بروز، ثم تخلّيه عنها وخذلانه لها، كان مردّه اعتقاده أن والده، هناك في الأرياف، وربما في الماضي وفي أعماق اللاوعي، لن يقبل بعلاقة آثمة كهذه.
ثمة ظلال أخرى تكشف عدم إيمان بالإنسان نفسه، بالحب، وبتبني أي قضية. كل ذلك عبث. والحال هذه، تقوم مقاربة هذا العالم على خيانته وتضليله بصورة الفنان المتحرر، المؤمن بقضية ما، فيما تكون حقيقة محمود في مكان آخر: في الخيانة نفسها، وفي اللامعنى نفسه.
هل كان محمود يعي صراع الداخل وحركة ظلاله التي أعتمت وحوّلته إلى لا مبالٍ، وأقرب إلى المسخ الأخلاقي؟
يعتمد الفيلم على الضوء والظل لا كعنصر بصري فقط، بل كمدخل إلى المناطق المعتمة في شخصياته
يتعرّف محمود إلى إحدى زميلاته الجميلات في الكلية، وعندما تطلب منه مساعدتها في رسم "البورتريه" بعد أن جرّبت وأخفقت، يخبرها بما تعتبره بديهيات في الرسم، ومنها النسب وتوزيع الضوء والظل. يقول لها إن المناطق البارزة في منطقة الضوء تأخذ نورًا أكثر في اللوحة، على خلاف مناطق الظل التي تصبح أكثر عتمة.
في ذلك الإعتام كانت دوافع محمود في الحياة. كانت ظلاله تزداد عتمة، وتقوده إلى الظلام كله، ثم إلى اللامعنى.
في مفتتح الفيلم يلمّح إلى أنها لم تكن نظيفة يومًا. هل كان يقصد الحياة نفسها؟
على الأغلب نعم، لأن الظلال كلها، عندما تتجمّع، كانت تقوده إلى ماضيه، حيث ثمة أم تُغيّب ويُشك فيها، وأب معرّض للخيانة أو لاحتمالاتها. فكيف له، والحال هذه، أن ينتصر أو يقيم علاقة عاطفية سوية مع روز، الطفلة التي أحبت ومنحت؟
في نهاية الفيلم يبدأ محمود بالهذيان. يتحدث عن القومية العربية والاشتراكية واليهود. يصرخ، ويقول إن الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر، ثم يسأل: كيف له أن يكون حرًا والمجتمع نفسه ليس كذلك؟
ينتهي بطل الفيلم وحيدًا غارقًا في ظلال ماضيه حين ينقضّ على حاضره
على نحو ما، تبدو روز هي المعادل الموضوعي لمصر نفسها؛ تلك التي ماتت طفلتها، لكنها أصرت على المضي في طريقها.
ولا يحدث هذا إلا بعدما تتخلى عن فكرة التعلّق بمحمود وربط مستقبلها به. كأن محمود القادم من قلب ظلال الهزيمة، وهي معتمة تمامًا، رسول هزيمة مقيمة. كأن تخلّيه عن روز هو ما يضيء ظلاله هو ومجتمعه وانكسارهما الذي لا يمكن أن ينتج نصرًا.
كأن محمود هو الماضي الذي انتصر عليه وفيه في آن، ثم شكّله على هذا النحو الذي لا يسمح له بأن ينتصر.
فبينما يقرر الطالب الفلسطيني أن يلتحق بالمقاومة، يكمل مصطفى مشروع تخرجه عن المعذّبات، وتصر روز على المضي في حياتها بعد محاولة انتحار فاشلة، ولو سارت على عكازين.
وحده محمود من يظلّ مقذوفًا في فراغ المعنى، تمامًا مثل "العوّامة" التي كان يعيش فيها؛ فلا هي في البحر، ولا على الأرض الصلبة.
غالب شعث.. من القدس إلى فيينا فالقاهرة
ولد غالب شعث عام 1935 في القدس، وعاش في البلدة القديمة ثلاثة عشر عامًا قبل أن يُهجّر مع عائلته إلى قطاع غزة عام 1948.
درس شعث هندسة العمارة في القاهرة، وسافر إلى النمسا عام 1957 لدراسة السينما. وبسبب ممانعة عائلته لهذا الخيار، درس الهندسة المعمارية أولًا، قبل أن يواصل دراسته العليا في معهد السينما في فيينا، ويتخرج منه عام 1967.
ولد غالب شعث في القدس، ودرس السينما في فيينا، قبل أن يصبح جزءًا من تجربة سينمائية مصرية جديدة بعد هزيمة 1967
في فيينا، تعرّف شعث إلى السينما الأوروبية واتجاهاتها، وعرف من كثب خطورة تغلغل الرواية الصهيونية في السينما، وتأثيرها في الرأي العام الغربي، ما جعله يُعلي من شأن السينما في الصراع مع إسرائيل، وينضم إلى حركة فتح.
ساهم شعث لاحقًا في تأسيس واحدة من أهم الجماعات السينمائية الرائدة في مصر، وهي "جماعة السينما الجديدة"، التي سعت إلى تحديث الإنتاج السينمائي المصري والارتقاء به وربطه بواقع الناس.
تأسست الجماعة عام 1968، وضمت علي عبد الخالق، ورأفت الميهي، ومحمد راضي، وأحمد متولي، وسمير فريد، ومحمود عبد السميع، وسواهم.
جماعة السينما الجديدة في القاهرة
ربما كان إنشاء "جماعة السينما الجديدة" أحد ردود الفعل الثقافية والفنية على هزيمة عام 1967، وعلى شعور السينمائيين آنذاك بأن السينما المصرية تدور في مدار مختلف عن واقع بلادها، ولا تؤدي الدور المفترض فيها. من هنا، بدت مهمة تغيير هذه السينما عملًا ثوريًا أيضًا.
على أن غضب ذلك الجيل الذي أنشأ "جماعة السينما الجديدة" لم يدفعه إلى المباشرة والشعاراتية، إنما إلى التأكيد على أن السينما فن له أدواته، وأن السينما المصرية، في عمومها، قامت على "مجموعة من الأسطوات"، وأعلت شأن النجم على حساب العمل الفني، وجعلت "الفيلم المصري حبيسًا داخل البلاتوه ويقدّم واقعًا مصطنعًا مزيفًا".
في بيانها التأسيسي، قالت الجماعة إن السينما المصرية حوّلت النجم إلى بضاعة استهلاكية، وأصبحت "مجرد ديكورات فسيحة غير واقعية غارقة في الأضواء المبهرة التي لا وجود لها إلا في خيالات أبطال ألف ليلة وليلة".
وقال أعضاؤها إنهم يريدون سينما مصرية "تتعمق في فهم حركة المجتمع المصري، وتحلّل نمط العلاقات، وتكشف عن معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات".
وقالوا إنهم يريدون سينما مصرية "تتعمق في فهم حركة المجتمع المصري، وتحلّل نمط العلاقات وتكشف عن معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات".
كما دعوا إلى سينما معاصرة "تمتص خبرات السينما الجديدة على مستوى العالم كله"، وإلى أن يحتضن السينمائي المصري كل ما يطرأ على مجتمعه من علاقات، وأن يعطيها الصيغة الدرامية الملائمة، ويبحث في أدواته التعبيرية عن لغة سينمائية جديدة تعبّر عن الأوضاع الجديدة. ومن هنا جاءت دعوتهم إلى الخروج إلى الشارع لتصوير الأفلام.
أنتجت جماعة السينما الجديدة في مصر فيلمين لافتين، بينهما "أغنية على الممر" لعلي عبد الخالق
طرحت جماعة السينما الجديدة أفكارها في "مجلة الغاضبين" التي صدرت عام 1968، وكانت عمليًا صفحتين داخل مجلة "الكواكب" التي كان يرأس تحريرها آنذاك الناقد رجاء النقاش.
يروي غالب شعث في مذكراته "من أوراق مهاجر"، الصادرة عام 2019، أنه ترجم ونشر بيان "حركة السينما الألمانية الجديدة" التي نشأت مطلع الستينيات، ومما جاء فيه:
"نحن هنا نجاهر بالتمسك بالدعوة إلى حريات جديدة. حرية من عبودية السينما التقليدية. حرية من سيطرة الشبّاك والربح. حرية من كل وصاية".
كما يتحدث عن نشرهم بيان حركة السينما الجديدة في الولايات المتحدة/الشاطئ الشرقي في "مجلة الغاضبين"، وفيه تدعو الحركة إلى الثورة على سينما الشاطئ الغربي، أي هوليوود، وتتهمها بتزييف الواقع. وقال القائمون على الحركة إنهم لا يريدون أفلامًا وردية، بل سينما حمراء مثل الدم.
وبسبب ذلك، يقول شعث في مذكراته، اتُّهمت جماعة السينما الجديدة المصرية بأنها "شوية عيال شيوعيين".
ورغم أنه لم يُقيّض لجماعة السينما الجديدة الاستمرار طويلًا، فإنها أنتجت فيلمين لافتين هما: "أغنية على الممر" الذي أخرجه علي عبد الخالق عام 1972، و"الظلال في الجانب الآخر" لغالب شعث عام 1974.
لماذا منعت الرقابة عرض فيلم شعث؟
بينما أخذ عبد الخالق فيلمه عن مسرحية بالاسم نفسه للكاتب علي سالم، أخذ شعث فيلمه "الظلال في الجانب الآخر" عن رواية قصيرة بالاسم نفسه للمسرحي المصري الراحل محمود دياب، مضيفًا إلى أبطالها طالبًا فلسطينيًا.
لكنّ الفيلم واجه عقبات عدة قبل عرضه. فقد حورب بذريعة أنه دعوة إلى الاستسلام واليأس والهزيمة، فمنعته الرقابة قبل أن تجيز عرضه بعد نيله جائزة العالم الثالث في مهرجان كارلوفي فاري في تشيكوسلوفاكيا عام 1974.
غير أن عرضه لم يستمر طويلًا، إذ سرعان ما قامت الرقابة بمنعه مجددًا بعد أسبوع من عرضه، كما روى شعث في مذكراته.
وفي الفترة نفسها، منعت الرقابة أفلامًا أخرى، منها "العصفور" ليوسف شاهين، و"زائر الفجر" لممدوح شكري، أحد مؤسسي جماعة السينما الجديدة، الذي توفي عن 34 عامًا، ويُعتقد أن منع فيلمه كان سببًا في وفاته.
واجهت أفلام ما بعد هزيمة حزيران رقابة قاسية، لأنها طرحت سؤال الهزيمة ومن المسؤول عنها
هزيمة حزيران في السينما المصرية
ينتمي فيلم "الظلال في الجانب الآخر" إلى الأفلام التي قاربت هزيمة عام 1967 وانتصار عام 1973، وما بينهما من تغييرات كبرى عصفت بالمجتمع المصري آنذاك.
وتبدو قرابة "الظلال" بـ"ثرثرة فوق النيل"، من إنتاج عام 1971، و"الحب تحت المطر" عام 1975، وكلاهما من إخراج حسين كمال، أكبر بكثير من قرابته بـ"العصفور" الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1972، رغم أن هذه الأفلام جميعها تركز على دور الإنتلجنسيا المصرية في إنتاج هزيمة عام 1967.
تدور أحداث "ثرثرة فوق النيل" في أعقاب هزيمة حزيران 1967، بينما تجري أحداث "الحب تحت المطر" في الفترة التي عُرفت بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى عبور قناة السويس في حرب عام 1973.
أما "العصفور"، فتدور أحداثه في الفترة التي سبقت الهزيمة وصولًا إلى إعلان الرئيس جمال عبد الناصر اعتزاله العمل السياسي واستقالته، وهو ما رفضته الجماهير في الفيلم والحياة.
وفي هذه الأفلام، يقوم شاهين وكمال بتشريح أسباب الهزيمة بقسوة جارحة، عبر تناول مواقف النخب المصرية التي اتسمت باللامبالاة أو الغرق في الفساد، بما أدى إلى الهزيمة.
على خلاف شاهين وكمال، تناول فيلم غالب شعث شريحة أصغر، هي الطلبة، وزاوية أضيق وأكثر تحديدًا، هي اللاوعي المعتم والمنفصم في شخصية المصري، حيث الماضي ينقضّ على الحاضر ويعوّق تقدمه ويفجّر تناقضاته. ورغم ذلك، انتهت أفلام شاهين وكمال وشعث بإعلاء شأن المقاومة رغم كل شيء.
لا تستسلم. تقاوم. تغادر سرير المرض. تمشي على عكازين.
يقول في رسالته إننا لا نملك إلا أن نخوض هذه الحرب، فلم يبق ما نخشى أن نفقده.