العدوان على إيران.. خدمات مجانية يقدمها ترمب لبوتين
قد تُشكّل أزمة طاقة مُطوّلة، ناجمة عن اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، في ظل العدوان على إيران، شريان حياة اقتصاديًا لروسيا.
فبينما قد يؤدي تعرض النظام في إيران لانتكاسة جراء العدوان الإسرائيلي الأميركي، إلى حرمان الكرملين من أحد أقرب شركائه الإقليميين، إلا أنه يمكن أن يعوّض ذلك بمكاسب اقتصادية هائلة إذا ما دفع هذا الاضطراب المشترين نحو الطاقة الروسية، إلى جانب احتمال تباطؤ إمدادات الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا.
مكاسب اقتصادية لروسيا
وتنقل صحيفة "الغارديان" عن سيرغي فاكولينكو، الباحث البارز في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا والخبير الرائد في قطاع الطاقة الروسي، أنه "عندما يُصبح خُمس إمدادات النفط العالمية، ونحو ربع التجارة البحرية، مُحاصرًا فعليًا، فإن ذلك يُعدّ مكسبًا كبيرًا لروسيا".
وقد ارتفع سعر خام برنت بأكثر من 7% يوم الثلاثاء ليتجاوز 80 دولارًا للبرميل، مُضافًا إلى قفزة يوم الإثنين بلغت 7.2%، وذلك بعد توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز عقب هجمات إيرانية صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية الإقليمية.
وقد دفع هذا الارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوى لها منذ يوليو/ تموز 2024، ومن المتوقع أن تشهد مزيدًا من الارتفاع.
قد تلجأ الهند والصين للنفط الروسي
وستكون الهند والصين، وهما من بين أكبر مستوردي النفط الخام من الشرق الأوسط، الأكثر تضررًا من أي انقطاع مطول في الإمدادات، وقد تُجبران على زيادة مشترياتهما من موسكو.
وفي حين أن بكين تُنَوِّع وارداتها النفطية منذ فترة طويلة عبر الشرق الأوسط وإفريقيا وروسيا، فإن أي انقطاع مستمر في إمدادات الخليج، وخاصة من إيران، قد يُسرِّع من زيادة الاعتماد على النفط الروسي، بحسب فاكولينكو.
وتواجه الهند مهمةً أكثر دقةً في تحقيق التوازن. فإلى وقتٍ قريب، كانت روسيا أكبر موردٍ للنفط الخام لها، وهي علاقةٌ تعمّقت بعد أن أعادت العقوبات الغربية تشكيل تدفقات الطاقة العالمية.
ولكن بعد أن أبرمت اتفاقية تجارية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي، بدأت نيودلهي باستبدال بعض الشحنات الروسية بنفطٍ من الخليج، ما خفّض وارداتها من موسكو إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2022.
وإذا ما تراجعت إمدادات الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يسعى المسؤولون الهنود إلى مزيدٍ من المرونة من واشنطن، ما يفتح الباب أمام زيادة المشتريات الروسية.
واقع يعزز موقف روسيا لرفع الأسعار
ومن شأن هذه التحولات مجتمعةً أن تعزز موقف روسيا التفاوضي لرفع الأسعار.
فخلال الفترة الماضية، اضطرت موسكو إلى تقديم خصوماتٍ كبيرةٍ على النفط، إذ جعل فائض المعروض العالمي ومخاطر العقوبات المستمرة التجار حذرين من استيراد النفط الروسي.
وكانت سعة التخزين تتقلص، وتزايدت المؤشرات على أن روسيا قد تُضطر في نهاية المطاف إلى خفض الإنتاج مع صعوبة إيجاد مشترين للشحنات.
وقال فاكولينكو: "من المؤكد أن بعض النفط الروسي المُكدّس في ناقلات النفط سيجد مشترين الآن".
أسواق الطاقة تتأثر وفق أمد الأزمة
ويتوقف الكثير على مدة استمرار الأزمة. عادةً ما تحتفظ الدول المستوردة بمخزون نفطي يكفي لثلاثة أشهر مقدمًا، ولم يكن للعدوان الذي استمر 12 يومًا على إيران الصيف الماضي سوى تأثير عابر على أسواق الطاقة.
لكن الأمر يتعلق أيضًا بمدى الضرر الذي سيلحق بالبنية التحتية للطاقة في الخليج - من جميع الأطراف عند نهاية الحرب.
وقال فاكولينكو: "إذا استمر القتال أسبوعين، فلن يكون له تأثير كبير. أما إذا امتد لفترة أطول، فستصبح الأمور مثيرة للاهتمام".
صدمة إمدادات الغاز تخدم مصالح روسيا
وإلى جانب النفط، قد تستفيد روسيا أيضًا من صدمة في إمدادات الغاز. فتوقف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري سيخلق فجوة في الإمدادات العالمية، قد يسدها المنتجون الروس جزئيًا، على الرغم من أن تدفقات الغاز أقل مرونة من النفط، ويصعب تغيير مسارها في وقت قصير.
وقد تفاعلت أسهم شركات الطاقة الروسية بالفعل، حيث كانت شركتا غازبروم ونوفاتك من بين أبرز الرابحين في بورصة موسكو.
وتراجعت عائدات النفط والغاز الروسية إلى أدنى مستوى لها في خمس سنوات عام 2025، مع انخفاض أسعار النفط الخام وتراجع الصادرات نتيجة للعقوبات.
وقد أثار هذا التراجع آمالاً في كييف بأن موسكو قد تواجه صعوبة في الحفاظ على هجومها العسكري بالشدة نفسها حتى عام 2026.
أوروبا قد تضطر لإعادة النظر بنهجها تجاه روسيا
وبالنسبة لأوروبا أيضًا، تُنذر الأزمة بإعادة فتح مسألة الخلافات حول نهجها تجاه موسكو. وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري الروسي، وهي سياسة تعارضها حكومات موالية لموسكو في المجر وسلوفاكيا، وتنتقدها أحزاب اليمين المتنامية في جميع أنحاء التكتل.
وأقر وزير الطاقة النرويجي، تيرجي آسلاند، يوم الثلاثاء، بأن التصعيد في الشرق الأوسط قد يُعيد إحياء النقاش داخل الاتحاد الأوروبي بشأن حظر استيراد الغاز الروسي.
وقال آسلاند في مؤتمر عُقد في أوسلو: "لقد كان موقف الاتحاد الأوروبي واضحًا للغاية بشأن رغبته في التحرر من النفط والغاز الروسيين، لكن أحداث الأيام الثلاثة أو الأربعة الماضية كانت صعبة. ومع الوضع الجيوسياسي الراهن، أعتقد أن النقاش سيعود إلى الواجهة".
عدوان إيران يهدد الدعم العسكري لأوكرانيا
وتشعر كييف أيضًا بالقلق إزاء التداعيات العسكرية. فقد صرّح فولوديمير زيلينسكي يوم الإثنين، بأن أوكرانيا قد تواجه صعوبات في تأمين أنظمة الدفاع الجوي، ولا سيما صواريخ باتريوت الأميركية الصنع، إذا ما أعطت واشنطن وحلفاؤها الإقليميون الأولوية لاحتياجاتهم الخاصة.
وقال الرئيس الأوكراني لصحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية: "قد نواجه صعوبات في الحصول على صواريخ وأسلحة للدفاع عن مجالنا الجوي. قد يحتاجها الأميركيون وحلفاؤهم في الشرق الأوسط للدفاع عن أنفسهم".
وأضاف أن الرد الإيراني على إسرائيل في يونيو/ حزيران الماضي قد أخّر بالفعل بعض الشحنات.
ووفق "الغارديان"، يسود جو من الترقب والانتظار في الكرملين، بحسب مصدر مطلع في موسكو. وأضاف المصدر: "العالم في حالة اضطراب، لكننا لسنا في مركزه هذه المرة".
وحرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عدم توجيه انتقادات لاذعة لدونالد ترمب بشأن العدوان على إيران، خشية استعداء رئيس أميركي يعتبره بوتين محوريًا في الضغط على أوكرانيا لقبول شروط السلام وفقًا لشروط موسكو.
بل على العكس، مع كل ارتفاع في أسعار النفط، يظهر ارتياحٌ واضحٌ بين النخبة الروسية. وقد كتب كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادية الروسي، على موقع "إكس": "سيصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 100 دولار قريبًا".