بينما تتصاعد ألسنة اللهب في سماء طهران، بدأت تداعيات العدوان تضرب العمق الأميركي، مخلفةً وراءها تساؤلات حارقةً حول كلفة الانخراط العسكري المباشر لواشنطن وتل أبيب في المواجهة ضد إيران.
لم يعد الداخل الأميركي بمنأى عن تبعات هذه المواجهة، إذ تضع التقلّبات الكبيرة في أسعار الوقود، واضطراب سلاسل التوريد عبر مضيق هرمز، الإدارة الأميركية أمام مأزقٍ اقتصادي واجتماعي حاد، وسط انقسام سياسي يهدد بتبديد المكاسب السياسية للرئيس دونالد ترمب.
ويكمن الخطر الحقيقي في أن الحرب تُضعف تدريجيًا القدرة المالية لأكبر قوة في العالم، والتي بلغ دينها العام مستوياتٍ قياسيةً تاريخيةً تجاوزت 38 تريليون دولار، في وقت لم تعد فيه أسعار الفائدة قريبةً من الصفر، ما يفاقم أعباء الاقتراض والإنفاق العسكري.
كلفة الحرب المباشرة: أرقام فلكية
بحسب صحيفة "فوربس"، يتجاوز حجم القوة الجوية الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط حاليًا حجم الحشد الجوي الذي سبق غزو العراق عام 2003.
ويشمل هذا الاستنفار مجموعتين ضاربتين لحاملات الطائرات: الأولى بقيادة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي تعمل في بحر العرب، والثانية بقيادة "يو إس إس جيرالد فورد" التي انضمت مؤخرًا بعد مشاركتها في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.
ووفقًا لبيانات مركز الأمن الأميركي الجديد، تبلغ تكلفة تشغيل مجموعة حاملات طائرات ضاربة واحدة حوالي 6.5 مليون دولار يوميًا، ما يرفع كلفة الوجود العسكري المباشر في الخليج إلى نحو 13 مليون دولار يوميًا.
وإذا أضيفت تكاليف السفن والمعدات الملحقة بـ "أسطول ترمب"، فإن كلفة إبقاء هذه القوات "متمركزةً" جنوب الخليج بلغت في الشهر الماضي وحده ما يقارب 200 مليون دولار.
وتشير التقديرات إلى أن كلفة هذا الوجود المعزز ستتخطى حاجز نصف مليار دولار بحلول منتصف مارس/ آذار الجاري.
يأتي ذلك بالتوازي مع كلفة عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نفذتها واشنطن العام الماضي ضد البرنامج النووي الإيراني، والتي استمرت 37 ساعةً وكبدت الخزينة الأميركية نحو 2.25 مليار دولار.
قرار الحرب لا يحظى بتأييد شعبي
على الصعيد السياسي، لا يحظى العدوان على إيران بتأييد شعبي، حيث كشف استطلاع حديث لشبكة "سي أن أن" بالتعاون مع "أس أس آر أس" أن نحو 60% من الأميركيين يرفضون قرار العمل العسكري ضد إيران، معربين عن تخوفهم من صراع طويل الأمد.
كذلك، أدان المرشحون الديمقراطيون عن الدائرة التاسعة في ولاية إلينوي الحرب التي شنها ترمب. وفي بيان صحفي، أكدت النائبة الديمقراطية جان شاكوفسكي أن "الشعب الأميركي لا يريد حرباً أخرى في الشرق الأوسط"، مشددةً على أن الدبلوماسية، والعودة للاتفاق النووي الذي انسحب منه ترمب أحاديًا، هي السبيل الوحيد للحفاظ على سلامة الأميركيين.
وفي السياق ذاته، دعا مايك سيمونز، المرشح للكونغرس وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية شيكاغو، إلى "إنهاء سريع" للعمليات العسكرية، محذرًا من الانزلاق إلى "حرب أخرى لا نهاية لها". كما انتقد المعارضون بشدة تجاوز ترمب للكونغرس، ووصلت حدة المطالب لدى بعضهم إلى الدعوة لعزله.
البرنامج النووي "تهديد وجودي"
قد يواجه ترمب استياءً شعبيًا واسعًا من الديمقراطيين والناخبين المستقلين، إذا أسفرت الحرب عن سقوط قتلى أميركيين، أو هجمات في الداخل أو الخارج، أو حتى ارتفاع حاد في أسعار النفط.
فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية مقتل أربعة جنود أميركيين منذ بدء العدوان على إيران. كما قفزت أسعار النفط العالمية بعد أن عطلت الضربات الإيرانية حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وارتفع سعر النفط إلى أكثر من 80 دولارًا للبرميل - الإثنين، وفق وكالة "بلومبيرغ".
وفي بيان صحفي صدر يوم السبت، انتقد المرشح للكونغرس والمفاوض السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن الرهائن، فيل أندرو، الرئيس ترمب، لكنه وصف سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية بأنه "تهديد وجودي للولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، وخطر جسيم على الاستقرار الإقليمي والعالمي".
وبينما لم يدعُ أندرو إلى عزل الرئيس، شدّد على ضرورة "الاستراتيجية المنضبطة والرقابة البرلمانية" بدلاً من القرارات المنفردة.
وتُظهر استطلاعات الرأي أن معظم الأميركيين يعتبرون البرنامج النووي الإيراني تهديدًا. لكن في استطلاع أُجري في يناير، أعرب 70% من الأميركيين (و80% من المستقلين) عن معارضتهم للحرب على إيران. وأكدت نسب مماثلة من كلا المجموعتين على ضرورة حصول أي رئيس على موافقة الكونغرس قبل الشروع في أي عمل عسكري.
هل تتحول الحرب إلى عبء سياسي؟
يراهن ترمب على "إسقاط النظام" في طهران لتعزيز شعبيته، لكن حتى هذا قد لا يدوم. فالتجارب السابقة، مثل اعتقال مادورو، لم تمنحه زخمًا مستدامًا، وفق "بلومبيرغ".
ويعتقد العديد من الناخبين الذين دعموا ترمب في ولايته الثانية عام 2024 بسبب استيائهم من التضخم أنه ركز على كل شيء تقريبًا باستثناء ما انتخبوه من أجله.
ولم يُقدّم ترمب تفسيرًا يُذكر لأسباب اعتباره الحرب ضرورية؛ ولم يُحدّد كيف سيُعرّف النجاح؛ كما أبدى لامبالاةً تجاه التواصل مع الكونغرس. ورغم طول خطابه عن حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، لم يُشر ترمب إلى الحرب إلا إشارةً عابرة.