بعد أسبوع من اندلاع العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجموعة متزايدة من المخاطر العسكرية والسياسية والاقتصادية، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن قدرته على تحويل المكاسب العسكرية إلى إنجاز جيوسياسي واضح.
ورغم الضربات التي استهدفت القوات الإيرانية واغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، فإن الصراع اتجه بسرعة نحو التصعيد الإقليمي، ما يزيد احتمالات تورط أميركا في مواجهة أطول وأكثر تعقيدًا، قد يُصعب على إدارة ترمب السيطرة على تداعياتها.
وترى لورا بلومنفلد، الباحثة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن، أن الحملة العسكرية ضد إيران تبدو "فوضوية"، وقد تستمر لفترة أطول مما يتوقعه البعض.
دعم حركة "ماغا"
وتحذّر بلومنفلد من أن ترمب يخاطر ليس فقط بالاستقرار الإقليمي، بل أيضًا بالاقتصاد العالمي، إضافة إلى تداعيات سياسية قد تطال الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
وإذ تؤكد الإدارة الأميركية أن أهداف الحرب واضحة، يرى منتقدون أن ترمب قدّم خلال الأيام الماضية مبررات متغيرة للحرب وتعريفات مختلفة لما يمكن اعتباره "نصرًا".
وأحد أبرز التحديات التي يواجهها ترمب يتمثل في احتمال تحول الحرب إلى صراع طويل. فمع استمرار العمليات العسكرية، قد ترتفع الخسائر البشرية الأميركية وتتزايد التكاليف الاقتصادية، خصوصًا إذا استمر تعطّل تدفق النفط من الخليج.
وقد ينعكس مثل هذا السيناريو مباشرة على الاقتصاد الأميركي، وعلى فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.
ورغم استمرار دعم ترمب من قاعدة حركة "ماغا" (ميك أميركا غريت أغين) أو "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، إلا أن هذا الدعم قد يتراجع إذا طال أمد الحرب.
ويقول المحلل الإستراتيجي الجمهوري برايان دارلينغ إن "الشعب الأميركي غير راغب في تكرار أخطاء العراق وأفغانستان"، مشيرًا إلى وجود انقسام داخل قاعدة الحركة بين من يثقون بقرارات ترمب، ومن كانوا يعتمدون على وعوده بعدم خوض حروب جديدة.
كما تثير التصريحات المتباينة لترمب وإدارته بشأن أهداف الحرب مزيدًا من القلق. فالرئيس الأميركي ألمح في بداية الصراع إلى احتمال السعي لتغيير النظام في طهران، ثم تراجع عن ذلك، قبل أن يعود لاحقًا ليقول إنه قد يلعب دورًا في اختيار القيادة الإيرانية المقبلة. كما طالب إيران لاحقًا بـ"الاستسلام غير المشروط".
خسائر بشرية واقتصادية أميركية
ميدانيًا، تتزايد المخاطر مع استمرار الرد الإيراني الذي استهدف إسرائيل وبعض دول المنطقة في محاولة لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها. كما أدى استئناف مقاتلي حزب الله في لبنان القتال مع إسرائيل إلى فتح جبهة جديدة، ما يزيد احتمالات تحول الصراع إلى حرب إقليمية أوسع.
ورغم أن الخسائر الأميركية ما تزال محدودة حتى الآن مع مقتل ستة جنود فقط، فإن خبراء أمنيين يحذرون من أن ارتفاع عدد الضحايا قد يخلق ضغطًا سياسيًا كبيرًا داخل الولايات المتحدة.
ويقول جوناثان بانيكوف، النائب السابق لمسؤول الاستخبارات الوطنية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، إن "لا شيء قد يسرّع إنهاء الحرب أكثر من الخسائر البشرية الأميركية"، في إشارة إلى احتمال أن تراهن إيران على استنزاف الولايات المتحدة عبر زيادة كلفة الحرب.
كما تبرز مخاوف أمنية داخل أميركا نفسها، إذ لم يستبعد ترمب في مقابلة مع مجلة "تايم" احتمال وقوع هجمات داخلية مرتبطة بإيران، قائلاً إن "بعض الناس قد يموتون".
اقتصاديًا، يمثل تهديد إيران لمضيق هرمز أحد أخطر التطورات. فالممر البحري الضيق يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، وقد أدى توقف حركة ناقلات النفط إلى مخاوف متزايدة من أزمة طاقة عالمية وارتفاع أسعار الوقود.
ويقول جوش ليبسكي، من مركز الأبحاث "أتلانتيك كاونسل"، إن هذه التطورات تمثل "نقطة ضعف اقتصادية في الاقتصاد الأميركي لم تكن متوقعة بالكامل".
كما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول عسكري أميركي سابق مقرب من الإدارة قوله إن فريق ترمب فوجئ باتساع التأثير الاقتصادي للحرب، مشيرًا إلى أن خبراء أسواق النفط لم يُستشاروا قبل اتخاذ قرار الهجوم على إيران.
ورغم هذه المخاوف، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن "النظام الإيراني يتعرض لهزيمة ساحقة"، من دون الرد بشكل مباشر على الانتقادات المتعلقة بالاستعداد للحرب.
"قرار فردي"
وبحسب مسؤولين في البيت الأبيض، فإن قرار ترمب بالمضي في الهجمات جاء رغم تحذيرات بعض كبار مساعديه من صعوبة احتواء التصعيد. كما أثار القرار استغراب بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، حيث وصفه دبلوماسي غربي بأنه "قرار فردي".
ويظل أحد أكبر عوامل عدم اليقين هو مدة الحرب. فقد قال ترمب إن العمليات قد تستمر أربعة أو خمسة أسابيع أو "ما يتطلبه الأمر"، دون توضيح ما سيحدث بعد ذلك.
من جهته، قال الجنرال المتقاعد بن هودغز، وهو القائد السابق للجيش الأميركي في أوروبا، إن الأداء العسكري قد يكون فعالًا، لكنه أشار إلى أن الحرب "لم تُدرس بشكل كافٍ من الناحية السياسية والإستراتيجية والدبلوماسية".
وفي ظل هذه التطورات، يبدو العدوان على إيران اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا كبيرًا للرئيس ترمب، مع تصاعد المخاطر العسكرية والاقتصادية والأمنية على أميركا، واحتمال أن تتحول الحملة العسكرية إلى تحدٍ طويل الأمد يحدد مستقبل سياسته الخارجية.