الجمعة 10 أبريل / أبريل 2026
Close

العدوان على إيران يحرج باكستان.. مأزق سياسي واقتصادي يهدّد الدولة النووية

العدوان على إيران يحرج باكستان.. مأزق سياسي واقتصادي يهدّد الدولة النووية محدث 13 مارس 2026

شارك القصة

احتجاجات في كراتشي تنديدًا بالحرب على إيران، فيما تواجه إسلام آباد ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة
احتجاجات في كراتشي تنديدًا بالحرب على إيران، فيما تواجه إسلام آباد ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة - غيتي
احتجاجات في كراتشي تنديدًا بالحرب على إيران، فيما تواجه إسلام آباد ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة - غيتي
الخط
تواجه باكستان مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا مع تصاعد الحرب على إيران، بين غضب داخلي متزايد، وضغوط الموازنة بين طهران وواشنطن والخليج، وأزمة طاقة تهدد الاستقرار.

وضع العدوان الإسرائيلي الأميركي الأخير على إيران الدولة الباكستانية في مأزقٍ مزدوج، سياسيًا واقتصاديًا.

فإلى جانب حساسيات الجوار الجغرافي والتركيبة السكانية، تجد إسلام آباد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الجوار الإيراني الحساس، والتركيبة الداخلية المعقّدة، وعلاقاتها المتشعبة مع واشنطن ودول الخليج، في وقتٍ يضغط فيه الغضب الشعبي في الداخل على هامش المناورة الرسمي.

وفي الوقت نفسه، يهدد التصعيد تدفق التحويلات المالية وأمن الطاقة، في بلد يعاني أصلًا تراجعًا حادًا في المخزون النفطي، ما يضع "الدولة النووية" أمام تحدي الاستقرار الداخلي.

وتزداد حساسية الموقف الباكستاني لأن البلاد تضم واحدة من أكبر التجمعات الشيعية في العالم بعد إيران، وهو ما جعل تداعيات اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي تتجاوز السياسة الخارجية إلى الداخل الباكستاني نفسه.

فمنذ الأيام الأولى للحرب، خرجت احتجاجات في مدن عدة، بينها كراتشي وإسلام آباد، ووقعت صدامات مع قوات الأمن بعد محاولات للاقتراب من مواقع دبلوماسية أميركية، فيما أصدرت السفارة الأميركية تنبيهات أمنية لرعاياها.


غضب داخلي بعد اغتيال خامنئي


في الموقف الرسمي، حاولت الحكومة الباكستانية اعتماد صيغة مدروسة لا تقطع مع واشنطن، ولا تتجاهل المزاج الداخلي.

فقد وصف رئيس الوزراء شهباز شريف اغتيال خامنئي بأنه انتهاك لأعراف القانون الدولي، مؤكّدًا وقوف الشعب الباكستاني إلى جانب الإيرانيين في لحظة الحزن.

وقد عكس هذا الخطاب محاولة واضحة لامتصاص الغضب الشعبي، من دون الذهاب إلى مواجهة سياسية مباشرة مع الولايات المتحدة.

من الأعراف الراسخة عدم استهداف رؤساء الدول والحكومات.

يُشارك شعب باكستان شعب إيران حزنه وآلامه، ويُعرب عن خالص تعازيه باستشهاد خامنئي.

وترتبط إيران وباكستان بحدود برية مشتركة يزيد طولها على 900 كيلومتر، ما يجعل أي توتر كبير في الجوار الإيراني ملفًا داخليًا بالنسبة إلى إسلام آباد أيضًا، لا مجرد أزمة خارجية.

وقد عزز هذا البعد زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان في أغسطس/ آب 2025، والتي ركزت على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.

وخلال العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، اتّخذت باكستان موقفًا داعمًا لإيران واعتبرت العدوان الإسرائيلي "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

كما دعا وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، إلى تبنّي خطّة موحّدة للدول الإسلامية لمواجهة إسرائيل، مقترحًا على الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، أن تقطعها.

خرجت مظاهرات شعبية منددة باغتيال المرشد الإيراني- رويترز
خرجت احتجاجات في مدن باكستانية عدّة تنديدًا باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي - غيتي

تقارب مع واشنطن يضيق هامش المناورة


لا تتوقف المعضلة الباكستانية عند حدود الجوار الإيراني. ففي الأشهر الماضية، سعت إسلام آباد إلى تحسين علاقتها مع واشنطن.

وظهر ذلك بوضوح في خطاب شهباز شريف خلال قمة غزة في مصر في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حين أشاد بدور الرئيس الأميركي دونالد ترمب في "إنقاذ ملايين الأرواح" ووقف النزاعات، بل ومرشحًا إياه لجائزة نوبل للسلام. كما انضمت باكستان إلى "مجلس السلام" الذي أسسه ترمب عقب وقف إطلاق النار في غزة.

وجاء هذا التقارب في سياق محاولة باكستان توسيع هامشها السياسي بعد التوتر مع الهند، رغم الجدل الذي أثاره حديث ترمب عن دور أميركي في تثبيت وقف إطلاق النار بين البلدين.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والرئيس الأميركي دونالد ترمب- غيتي
تحاول باكستان الحفاظ على توازن دقيق بين علاقتها بواشنطن وتحالفاتها الإقليمية وضغوط الداخل - غيتي

إلى ذلك، يهدد الاضطراب في إيران بالامتداد إلى إقليم "بلوشستان" الغني بالموارد، في وقت تعهدت فيه واشنطن بتقديم 1.25 مليار دولار لتمويل منجم للذهب والنحاس هناك، تزامنًا مع تصاعد التمرد الانفصالي.

كذلك تعوّل إسلام آباد على الدعم الأميركي في نزاعها مع أفغانستان، حيث تشن غارات جوية على منشآت عسكرية، متهمةً "طالبان" بدعم جماعات مسلحة، وهو ما أيدته الخارجية الأميركية، مؤكدةً "حق باكستان في الدفاع عن نفسها".

وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن دعم حكومة شريف لترمب يندرج ضمن استراتيجية لتحقيق صفقات في مجال العملات الرقمية والمعادن الحيوية، وكخطوة لتعزيز نفوذها الإقليمي على حساب الهند.


محاولة لموازنة الموقف


بدت الحكومة الباكستانية حتى الآن حريصة على إدانة الضربات على إيران، من دون الذهاب بعيدًا في تحميل واشنطن المسؤولية بشكل مباشر. لكن بحسب تقديرات دبلوماسية وإعلامية، فإن هذا التوازن بات أكثر صعوبة مع تصاعد الغضب في الداخل، لأنّ الاعتراض الشعبي على الحرب  يتسع ليعكس مزاجًا أوسع معاديًا للولايات المتحدة.    
مليحة لودهي - السفيرة الباكستانية السابقة لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة

"الحكومة الباكستانية تتعرض الآن لضغوط كبيرة بسبب تقاربها مع ترمب (...) هذا الشعور المعادي للولايات المتحدة هو شعور وطني، وليس طائفيًا"


مشرف زيدي - المتحدث باسم الحكومة الباكستانية

"يتعين على رئيس الوزراء  إيجاد توازن، لكن العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة تصب في مصلحة باكستان (...) الانتقادات الداخلية تنبع من نوايا حسنة وألم لإخواننا المسلمين"


علاقات الخليج تزيد صعوبة التوازن


يزداد هذا التوازن تعقيدًا بسبب علاقات باكستان التاريخية مع دول الخليج، ولا سيما السعودية. ففي سبتمبر/ أيلول 2025، وقّعت باكستان والسعودية اتفاقية دفاع مشترك تنص على التعامل مع أي اعتداء على إحدى الدولتين بوصفه اعتداءً على كلتيهما، ما منح العلاقة الأمنية بين الطرفين طابعًا أكثر وضوحًا وحساسية.

ومع تعرّض دول خليجية لهجمات إيرانية خلال الحرب، وجدت إسلام آباد نفسها تحت ضغط إضافي كي لا يظهر موقفها متراخيًا تجاه حلفائها الخليجيين.

وفي هذا السياق، اكتسبت اللقاءات العسكرية الباكستانية السعودية الأخيرة أهمية خاصة، لأنها تعكس حاجة إسلام آباد إلى طمأنة الرياض من جهة، ومنع انهيار توازنها الداخلي من جهة أخرى.

لم تعد باكستان تتحرك بين محورين فقط، بل بين ثلاثة اعتبارات متزامنة: الجوار الإيراني، والشراكة الخليجية، والحاجة إلى إبقاء باب واشنطن مفتوحًا.

وتنقل "نيويورك تايمز" عن المحللة إليزابيث ثريلكيلد، أن مصلحة باكستان تكمن في البقاء على وفاق مع إدارة ترمب، طالما استطاعت امتصاص الغضب الداخلي. ومع ذلك، يسود تخوف لدى مسؤولين باكستانيين من "تقلب مزاج" ترمب، فضلاً عن الشكوك الأميركية العميقة حول "اللعبة المزدوجة" التي مارستها باكستان خلال حرب أفغانستان.

وبحسب موقع "باكستان اليوم"، دعا برلمانيون باكستانيون في 8 مارس/ آذار الجاري إلى التضامن بين الدول الإسلامية واتخاذ تدابير دبلوماسية استباقية، محذرين من أن أي صراع في المنطقة سيقوض اقتصاداتها ويصب في مصلحة خصومها.

وقال تحالف المعارضة "تحريك تحفظ آيين باكستان" (TTAP) إنه بصفتها قوة نووية، يجب على باكستان أن تلعب دورها على الساحة الدولية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، وخاصة في إيران.


أزمة طاقة تضغط على الاقتصاد


إذا كان الشق السياسي شديد الحساسية، فإن الشق الاقتصادي لا يقل خطورة، فباكستان تعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات المالية الآتية من دول الخليج، كما تعتمد على واردات الطاقة القادمة من المنطقة.

وقد زاد اضطراب الإمدادات في الخليج، وإقفال مضيق هرمز، من المخاوف بشأن أمن الطاقة في بلد يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته النفطية، وسط ارتفاع حاد في الأسعار العالمية.

تشهد باكستان أزمة نقص في موارد الطاقة- رويترز
تواجه باكستان ضغوطًا متزايدة على أمن الطاقة مع ارتفاع الأسعار وتراجع المخزون النفطي - غيتي

وفي 6 مارس/ آذار الجاري، رفعت باكستان أسعار البنزين والديزل بنحو 20%، في أكبر زيادة من هذا النوع، مبررة القرار بالارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية نتيجة الحرب. وبلغت الزيادة 55 روبية لليتر، لترتفع أسعار البنزين إلى 321.17 روبية، والديزل إلى 335.86 روبية، في خطوة زادت المخاوف من موجة تضخم جديدة في اقتصاد يعاني أصلًا ضغوطًا معيشية كبيرة.

كما حذّر البنك المركزي الباكستاني من أن ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بحرب الشرق الأوسط زاد الضبابية في توقعات التضخم، رغم إبقائه سعر الفائدة الرئيسي عند 10.5%. ويعكس هذا التحذير إدراكًا رسميًا بأن الأزمة باتت عاملًا ضاغطًا على الاستقرار الاقتصادي الداخلي.


تدابير طارئة لتفادي الأسوأ


دفع هذا الواقع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية عاجلة. ففي 9 مارس/ آذار، أعلن شهباز شريف إغلاق المدارس لمدة أسبوعين، وتحويل الجامعات إلى التعليم عبر الإنترنت، وتقليص أيام العمل في الدوائر الرسمية إلى أربعة أيام أسبوعيًا، إضافة إلى خفض مخصصات الوقود وتقليص الحضور الوظيفي في المؤسسات العامة. وقدّمت الحكومة هذه الإجراءات باعتبارها ضرورة لخفض الاستهلاك والإنفاق في ظل أزمة الطاقة المتفاقمة.

ولم تقتصر التداعيات على السوق الداخلية، بل امتدت إلى حركة النقل الجوي والملاحة. فقد شهدت الرحلات بين باكستان ودول الخليج اضطرابًا واسعًا، مع إلغاء عشرات الرحلات يوميًا بسبب القيود الجوية الإقليمية. كما أعلنت البحرية الباكستانية إطلاق عملية "حامي البحار" لتأمين خطوط الملاحة البحرية والتجارة الوطنية وإمدادات الطاقة، في مؤشر إلى أن الأزمة باتت تُقرأ أيضًا من زاوية الأمن القومي البحري.


الخلاصة: دولة نووية في اختبار صعب

تجد باكستان نفسها اليوم أمام واحد من أكثر اختبارات التوازن تعقيدًا منذ سنوات: غضب داخلي لا تستطيع تجاهله، وتحالفات خارجية لا تملك كلفة التخلي عنها، وأزمة طاقة تضغط على اقتصاد هش أصلًا.

وبين طهران وواشنطن والرياض، لا يبدو أن هامش المناورة أمام إسلام آباد سيبقى واسعًا طويلًا، خصوصًا إذا طال أمد الحرب أو اتسعت رقعتها.

عندها، لن يكون التحدي محصورًا في السياسة الخارجية، بل سيمتد إلى الاستقرار الداخلي نفسه، في دولة نووية تقف على خط تماس مباشر مع الإقليم المشتعل.

هل تنجح باكستان في عبور العاصفة بأقل الخسائر، أم تجد نفسها قريبًا في قلبها؟

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من