في منتصف يوليو/ تموز الماضي, انطلقت طائرات إيرانية مسيّرة عبر أجواء إقليم كردستان العراق في شمال البلاد، وكان الهدف محددًا: حقول النفط التي يتولى الأميركيون تشغيلها.
وأطلقت إحدى هذه المسيّرات جماعة مسلحة "مدعومة من إيران" داخل العراق، وأصابت حقل "سرسنك" الذي تديره شركة "إتش.كيه.إن إنرجي"، وهي شركة يملكها نجل الملياردير روس بيرو في تكساس.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هجمات الطائرات المسيّرة. وقال مصدر حكومي عراقي لوكالة رويترز، نقلًا عن تحقيق أجرته أجهزة أمنية، إن هذه الهجمات "نفذتها جماعة مسلحة قوية موالية لإيران"، رفض أن يفصح عن اسمها.
وقال مصدر أمني عراقي، إن بغداد حذرت الجماعة من أن أي هجمات أخرى ستضعها في مواجهة مباشرة مع الحكومة.
هجوم على المصالح الأميركية
ومن المرجح أن الاستهداف جاء ردًا على الضربات التي شنتها الولايات المتحدة على المواقع النووية الإيرانية قبل أسابيع من الهجمات. وأصابت مسيّرة أخرى حقلًا مجاورًا تديره شركة "هانت أويل" ومقرها دالاس.
وبحلول نهاية الهجوم الذي استمر أربعة أيام، وأدى أيضًا إلى تعطيل العمليات في شركة محلية وشركة "دي.إن.أو" النرويجية، توقف ما يقرب من نصف إنتاج منطقة كردستان.
وأثار الهجوم المباشر على المصالح الأميركية غضب واشنطن، التي لطالما شعرت أن العراق لا يبذل جهدًا كافيًا للتعامل مع أمر "الميليشيات الموالية لإيران"، ودفعها إلى تكثيف حملة ضغط على بغداد، بحسب ما ذكرته "رويترز" نقًلا عن تسعة مصادر مطلعة.
وأدت هذه الحملة في نهاية المطاف إلى إعادة تشغيل العراق لخط أنابيب رئيسي لتصدير النفط من كردستان، فيما يمثل تطورًا كبيرًا يعكس ميل كفة ميزان النفوذ داخل العراق نحو واشنطن وابتعاده عن طهران.
وبشأن الرد الأميركي على ضربات الطائرات المسيّرة، قال مصدر داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب: "أعتقد أنه يمكن القول بثقة إن وزير الخارجية ماركو روبيو نقل بعض الرسائل الصارمة إلى بغداد لتوضيح أن لحظة الاختيار أصبحت قريبة".
وكانت واشنطن تضغط من أجل إعادة تشغيل خط الأنابيب إلى ميناء "جيهان" التركي منذ إغلاقه في 2023، وسط نزاع بين بغداد وحكومة إقليم كردستان بشأن مبيعات النفط التي تتخطى الحكومة الفدرالية.
وكان ذلك يرجع في جانب منه إلى الرغبة في مساعدة شركات النفط الأميركية في كردستان، وفي جانب لمحاولة خفض أسعار النفط العالمية، وفي جانب آخر لأن إغلاق خط الأنابيب حوّل النفط الخام إلى الجنوب، ومن ثم تغذية شبكات التهريب التي توفر أموالًا طائلة لإيران ووكلائها.
انتقال الضغوط الأميركية إلى مستوى جديد
لكن هجمات المسيّرات دفعت ترمب إلى الانتقال بحملة واشنطن إلى مستوى جديد. وقال أحد المصادر المشاركة في حملة الضغط إن الشهرين التاليين للهجمات شهدا تهديد ممثلين عن إدارة ترمب لكبار المسؤولين في قطاع الطاقة بالعراق بفرض عقوبات إذا لم يتم إعادة تشغيل خط الأنابيب.
ولم يؤكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية أو ينفِ التهديد بفرض عقوبات، لكنه قال إن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا دبلوماسية "مكثفة للغاية" لإعادة تشغيل خط الأنابيب.
ورفض البيت الأبيض التعليق على ما إذا كان قد هدد بفرض عقوبات على العراق. وأحجمت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان وشركة "هانت أويل" عن التعليق. ولم ترد شركة "إتش.كيه.إن إنرجي" على طلبات التعليق، بحسب رويترز.
وجرى الإعلان عن اتفاق مبدئي لإعادة تشغيل خط الأنابيب في 17 يوليو، وهو اليوم الأخير من هجمات الطائرات المسيّرة. وبعد شهرين من الضغوط الأميركية المكثفة، بدأ النفط يتدفق في 27 سبتمبر/ أيلول.
تقدم نفوذ واشنطن على حساب طهران
وتُسلّط هذه الحلقة الضوء على طموحات الولايات المتحدة في مجال الطاقة بالشرق الأوسط. فالعراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي دأب ترمب على انتقادها لمحاولتها إبقاء أسعار النفط مرتفعة.
ويعكس هذا أيضًا الروابط الوثيقة بين المصالح الدبلوماسية والتجارية الأميركية في عهد ترمب.
وقال مصدر في الإدارة الأميركية: "بالنظر لما استثمرناه في هذا البلد من حيث الثروة الوطنية وأرواح الأميركيين التي خسرناها في معركة هزيمة الإرهاب إلى جانب شركائنا العراقيين، نتوقع أن يكون هناك عائد كبير لهذا الاستثمار"، حسب قوله.
ويُظهر موقف العراق تحولًا في ميزان النفوذ في البلاد، بعد أن ظلت بغداد تسير لفترة طويلة على حبل دبلوماسي مشدود بين حليفيها الرئيسيين والعدوين اللدودين في الوقت نفسه طهران وواشنطن.
وتدعم إيران، التي تخضع لعقوبات أميركية وغربية بسبب طموحاتها النووية، نحو عشرة فصائل مسلحة تنشط في العراق، لديها نحو 50 ألف مقاتل، وترسانات أسلحة، وتتمتع بنفوذ سياسي واسع.
إلا أن قوتها وهيبتها ضعفت بشدة بعد الهجمات الإسرائيلية ضد وكلائها في المنطقة وضد إيران نفسها، بحسب ما نقلت "رويترز".
لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول في ميزان القوة سيستمر، أو إلى أي مدى ستظل الترتيبات الخاصة بخط الأنابيب صامدة. واتفاقية استئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب مؤقتة، وستتم مراجعتها من قبل بغداد وحكومة إقليم كردستان في نهاية ديسمبر/ كانون الأول.
مستقبل مُعقّد
ويبدو أن المستقبل يعد أكثر تعقيدًا، إذ إنّ أجَل اتفاقية تعود إلى عام 1973 بين العراق وتركيا، والتي وضعت الأساس القانوني لصادرات النفط، ينتهي في يوليو المقبل.
وتواصل بغداد أيضًا معارضتها لاتفاقيتي غاز أبرمتهما شركتا "إتش.كيه.إن إنرجي" و"ويسترن زاغروس" ومقرها فانكوفر مع حكومة إقليم كردستان في مايو/ أيار الماضي.
و"إتش.كيه.إن" جزء من مجموعة هيلوود للعقارات والطاقة ومقرها دالاس والتي أسسها روس بيرو الابن، نجل روس بيرو الملياردير العصامي من تكساس الذي ترشح للرئاسة مرتين.
وعائلة بيرو من أكبر الداعمين للحزب الجمهوري، وتظهر السجلات العامة أنها تبرعت بأكثر من ثلاثة ملايين دولار في 2025 و2024.
وتقول بغداد إن الاتفاقيات المتعلقة بالموارد الطبيعية العراقية لا يمكن أن تبرَم إلا مع الحكومة الفدرالية. ورفعت دعوى قضائية ضد حكومة إقليم كردستان بشأن الصفقتين في 26 مايو.