العودة إلى المدارس في غزة.. وسط الدمار وبعد شهور من الدم
أن تعود إلى المدرسة في قطاع غزة لا تشبهه أي عودة إلى المدارس في العالم، فوسط البرد القارس والدمار العميم الذي شمل كل مرافق الحياة في القطاع بعد عدوان إسرائيلي استمر أكثر من 15 شهرًا، يبدو مشهد الطلاب صغار السن وهم يتوجهون إلى ما تبقى من مدارسهم أقرب ما يكون إلى معجزة تنبثق من وسط اليأس والدمار.
فبعد أكثر من شهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في قطاع غزة، بدء العام الدراسي الجديد في غزة 2024-2025 "رغم التحديات الجسيمة التي فرضتها حرب الإبادة على غزة، والدمار الهائل الذي خلفته، والنقص الكبير في الموارد والإمكانات".
وتشمل العودة إلى المدارس "تلك التي لا تزال قائمة أو التي تم ترميمها وتجهيزها، أو عبر المدارس والنقاط التعليمية البديلة التي أنشئت في العديد من المناطق"، مع تأكيد وزارة التعليم على مواصلة "توفير خيار التعليم عن بعد للطلاب الذين يتعذر عليهم الحضور إلى المدارس لتلقي التعليم".
وأعلنت قطر التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتبادل الأسرى بين الجانبين في 15 يناير الماضي، بعد نحو 471 يومًا من العدوان الإسرائيلي غير المسبوق في حدّته وعنفه على قطاع غزة.
3.8 مليار دولار لتأهيل قطاع التعليم
في أول تقييم للأضرار والاحتياجات في القطاع بعد العدوان، أعلنت الأمم المتحدة في منتصف فبراير/ شباط الجاري الحاجة إلى 53.2 مليار دولار لتمويل جهود التعافي وإعادة الإعمار خلال العقد المقبل.
وأوضح تقرير أصدرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، ويغطي الفترة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأكتوبر/ تشرين الأول 2024، أن المبلغ المذكور "يعكس أضرارًا في البنية التحتية تُقدر بنحو 29.9 مليار دولار، وخسائر اقتصادية واجتماعية بحوالي 19.1 مليار بالإضافة إلى احتياجات أخرى تتعلق بالتعافي"، وذكر التقرير أن قطاع التعليم يحتاج إلى 3.8 مليار دولار للتعافي وإعادة البناء.
وعلى الأرض تبدو الصورة أكثر قتامة منها في التقارير الأممية، فقد شهد العدوان الإسرائيلي نمطًا متكررًا من الاعتداءات التي استهدفت القطاعين الصحي والتعليمي في قطاع غزة، ما دفع القطاع الصحي للانهيار بإخراج غالبية مستشفيات القطاع ومراكزه الصحية من الخدمة تمامًا.
استهداف المدارس والمستشفيات
كما أدى القصف المتكرّر للمدارس والمنشآت التعليمية الأخرى إلى توقف الدراسة وحرمان 788 ألف طالب في قطاع غزة من الالتحاق بمدارسهم وجامعاتهم.
ففي 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 (اليوم الثالث للعدوان)، بدأت إسرائيل استهدافها الممنهج والمتدرج لمجمع الشفاء الطبي، بقصفها قسم الحضانة لحديثي الولادة، وانتهى بها الأمر باقتحام المجمع في نوفمبر/ تشرين الثاني وتدميره.
وتكرر الأمر على نحو أسوأ في 17 أكتوبر، بعد 10 أيام من بدء العدوان، بقصف إسرائيل المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" ما أدى إلى استشهاد أكثر من 500 فلسطيني، وتكرر لاحقًا مع بقية مستشفيات قطاع غزة التي أخرجت من الخدمة بذريعة استخدامها من قبل مسلحين تابعين لحماس في مهاجمة الجيش الإسرائيلي.
وبالذريعة نفسها شنّت إسرائيل هجمات مميتة على مدارس القطاع وجامعاته، وكانت مدرسة الفاخورة التي تعتبر أكبر مدارس مخيم جباليا (شمالي القطاع) من أبرز الأهداف الإسرائيلية في العدوان الأخير، علمًا بأنها تعرّضت للقصف أكثر من مرة في الماضي، ومنها قصف المدرسة عامي 2009 و2014.
وفي العدوان الأخير تعرضت المدرسة لقصف متعمّد مرتين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، حيث كانت المرة الثانية في 18 من الشهر نفسه، ما أدى إلى مجزرة مروّعة في باحات المدرسة ومرافقها، استشهد فيها ما لا يقل عن 200 فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء.
ورغم أن المفوّض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" فيليب لازاريني، قال في حينه إن "هذه الهجمات لا يمكن أن تصبح أمرًا عاديًا، ويجب أن تتوقف"، إلا أن إسرائيل واصلت طوال شهور العدوان اللاحقة استهداف المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء بالذريعة نفسها، التي تقول إنها تُستخدم من حماس لمهاجمة الجنود الإسرائيليين، ما تسبب في دفع القطاع التعليمي في قطاع غزة إلى حافة الكارثة.
تضرر شامل للأبنية المدرسية
وقالت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية إن أكثر من 13054 طالبًا استشهدوا وأصيب نحو 21320، منذ بدء العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
كما أدّى العدوان إلى استشهاد 657 معلمًا وإداريًا وفق بيان وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الصادر منتصف هذا الشهر، بينما قدّرت مصادر أخرى أعداد الشهداء في صفوف المعلمين والإداريين بما يزيد عن الـ800.
وذكرت الوزارة أن 324 مدرسة حكومية وجامعات ومباني تابعة لها، و65 منشأة تابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" تعرّضت للقصف والتخريب في قطاع غزة، 128 للتدمير بالكامل، و57 للتدمير الجزئي، كما تعرضت 109 مدارس و7 جامعات في الضفة للاقتحام والتخريب.
وتكاد تقارير المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية وتقارير المنظمات التابعة للأمم المتحدة تُجمع على أن 90% على الأقل من الأبنية المدرسية تعرّضت لضرر جزئي أو كامل، بنسبة أربع مدارس من كل خمسة.
التعليم في الخيام وعن بُعد
وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" فإن 93% من مدارس قطاع غزة تعرّضت للأضرار، منها 84% تحتاج إلى إعادة إعمار بشكل كامل أو ترميم كبير، ما أدى إلى لجوء المؤسسات التعليمة التابعة للحكومة الفلسطينية في غزة ووكالات الأمم المتحدة إلى التوسع في نظام التعليم عن بعد، أو بدء العام الدراسي في مدارس تعرّضت للتدمير الجزئي أو الخيام.
وفي 17 فبراير/شباط الجاري, قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن أكثر من 250 ألف طالب قد التحقوا ببرنامج التعلم عن بعد التابع للأونروا في القطاع، موضحًا أن "الطلاب يتلقون التعليم حاليًا في خيام مؤقتة ومساحات مفتوحة في ظل درجات حرارة الشتاء الباردة".
وتسبّب العدوان على قطاع غزة بحرمان 45 ألف طفل من الالتحاق بالصف الأول الابتدائي في قطاع غزة، ووصفت منظمة "يونيسيف" ذلك بـ"الافتقار إلى الوصول للتعليم" الذي يؤثر على الصحة النفسية للأطفال وسلامتهم ونموهم، ويعرّض فرصهم المستقبلية للخطر.
ولتعويض ذك وفّرت "يونيسف" وشركاؤها 39 موقعاً تعليميًا مؤقتًا، تخدم أكثر من 12,400 طالب، وذلك من خلال إنشاء فصول دراسية في خيام إلى جانب نقاط توزيع للمياه، ومركز دعم نفسي واجتماعي للأطفال والشباب وعائلاتهم.
وقالت أديل خضر المديرة الإقليمية لليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إن أطفال غزة "فقدوا منازلهم وأفراد عائلاتهم وأصدقاءهم وسلامتهم وروتينهم، كما فقدوا الملاذ والتحفيز الذي توفره المدرسة، مما يعرّض مستقبلهم المشرق لخطر الانطفاء بسبب هذا النزاع الرهيب."
وشدّدت خضر في بيانات أصدرتها خلال العدوان على أن قطاع غزة أصبح "أخطر مكان في العالم بالنسبة للأطفال، حيث تفيد التقارير بأن العشرات من الأطفال يقتلون ويصابون يوميًا. هناك أحياء بأكملها، كان الأطفال يلعبون ويذهبون إلى المدارس فيها، تحولت إلى أكوام من الأنقاض".
وقالت إن النظام الإنساني ينهار، لا سيما في ظل الضغط الشديد الناجم عن التدابير المفروضة بعد انتهاء وقف إطلاق النار، حيث يدفع السكان بشكل أكبر نحو اليأس".
يأس يبدو أن الغزّيين اعتادوا على تجاوزه، ففي الغرف المدرسية التي أعيد تأهيلها وإن على عجل، كتبت إحدى المعلمات على "السبورة" عنوانًا لدرسها في ذلك اليوم عن "عوامل نجاح الثورات"، ولو كان سؤالًَا فلا حاجة بها لانتظار أي جواب.
عودة طالباتها إلى مقاعد الدراسة وسط وحل الشتاء وبرودة الطقس والدمار الذي لحق ببيوت أهاليهن تكفي للإجابة على هذا السؤال وسواه.