لطالما عُرفت سوريا على مدى سنوات طويلة بأنها "سلة خبز المشرق"، بفضل أراضيها الزراعية الخصبة، وتربتها الغنية، ووفرة مصادر المياه، إلى جانب خبرة فلاحية متوارثة عبر قرون. فقبل اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كانت سوريا من الدول القليلة في الشرق الأوسط التي تحقق اكتفاءً ذاتيًا في إنتاج القمح، بل وكانت تمتلك فائضًا تصديريًا معتبرًا نحو دول الجوار والأسواق العالمية. إذ بلغ متوسط الإنتاج السنوي نحو 4 ملايين طن من القمح[1]، مقابل احتياجات محلية لا تتجاوز 3 ملايين طن، ما مكّن البلاد من تعزيز مخزونها الاستراتيجي في إطار سياسة الأمن الغذائي، وتصدير الفائض.
غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجيًا مع سنوات الصراع الطويل، لتتحول سوريا من دولة منتجة ومصدّرة للحبوب، إلى دولة تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين غذاء سكانها. فقد ساهمت عوامل متعددة، كالتدمير الواسع للبنية التحتية، وانحسار اليد العاملة الزراعية، والتغير المناخي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، في تعميق الفجوة الغذائية، ما أصبح يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السوري.
واقع إنتاج الحبوب في سوريا: انهيار تدريجي وتحديات متراكمة
شهد القطاع الزراعي السوري خلال العقد الأخير تدهورًا هيكليًا عميقًا، ولا سيما في إنتاج الحبوب، الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي. فمنذ عام 2011، انخفض إنتاج القمح من مستويات تجاوزت 3 ملايين طن سنويًا إلى مستويات متدنية جدًا؛ إذ لم يتعدَّ متوسط الإنتاج خلال الفترة ما بين 2019 و2021 سقف 1.3 مليون طن سنويًا[2]، أي أقل من نصف ما كان يُنتج سابقًا.
توزعت هذه الكميات المتواضعة بين مناطق السيطرة المختلفة: حيث تصدرت مناطق "الإدارة الذاتية" الإنتاج بما يتراوح بين 700 و750 ألف طن سنويًا، تلتها مناطق المعارضة في الشمال الغربي بإنتاج يتراوح بين 220 و350 ألف طن، فيما بلغ إنتاج مناطق سيطرة نظام الأسد (سابقًا) نحو 400 إلى 450 ألف طن سنويًا. وتشير التقديرات الأولية لموسم 2025 إلى أن الإنتاج الإجمالي قد يصل إلى نحو 1.5 مليون طن، موزعًا بالتقريب بين النظام والإدارة الذاتية، وهو ما يعكس استمرار الفجوة الخطيرة في تلبية الطلب المحلي الذي يتجاوز 3 ملايين طن.
1. خريطة الزراعة وتأثير النزاع
كانت سهول الجزيرة والغاب والغوطة تشكل المراكز التقليدية لإنتاج الحبوب في سوريا. لكن النزاع المسلح حوّلها إلى ساحات مواجهة، فتضررت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وتراجعت أعداد الفلاحين نتيجة للقتل أو الهجرة، خاصة في ريف حماة، إدلب، وحلب. في المقابل، بقيت مناطق مثل الساحل والسويداء أقل تضررًا، لكنها ليست ضمن الحزام الزراعي الأساسي للحبوب.
كما دفعت الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والمبيدات الكثير من المزارعين إلى التخلي عن أراضيهم، ما جعل الزراعة غير مجدية اقتصاديًا في العديد من المناطق.
2. أزمة المياه: التحدي الجوهري للزراعة
منذ عام 2020، تواجه سوريا موجات جفاف غير مسبوقة، مترافقة مع تراجع كميات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة بمعدلات مقلقة. وقد أثر ذلك بشدة على الزراعة البعلية والمروية على حد سواء، مع انخفاض تدفق نهر الفرات إلى ما دون 250 مترًا مكعبًا في الثانية مقارنة بـ500 متر متفق عليها مع تركيا[3].
كما دُمرت أكثر من نصف شبكات الري ومحطات الضخ، في ظل ضعف الاستثمار وسوء الإدارة، واستنزاف المياه الجوفية بشكل غير مستدام، حيث تشير بيانات رسمية إلى انخفاض مناسيب المياه الجوفية بأكثر من 6 أمتار سنويًا في بعض المناطق خلال الفترة من 1993 إلى 2000، وتفاقم الوضع بعد ذلك.
3. خلل في الدعم وتفاوت السياسات الزراعية
ساهم الانقسام السياسي في ترسيخ حالة من عدم الاتساق في السياسات الزراعية بين مناطق السيطرة المختلفة. ففي حين ركزت "قسد" على قطاعات أخرى كالنقل والنفط، فإن الزراعة نالت اهتمامًا محدودًا. أما حكومة الإنقاذ في إدلب فقد أظهرت اهتمامًا نسبيًا بالقطاع الزراعي، مقارنة بالحكومة المؤقتة في ريف حلب، بينما ركز النظام السابق دعمه في الساحل ومناطق معينة من الغوطة، مما أدى إلى تفاوتات كبيرة في الإنتاج بين الأقاليم.
4. مدخلات ومخرجات الزراعة: معادلة خاسرة
أدى الارتفاع الحاد في أسعار المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والمحروقات والمبيدات إلى تراجع القدرة الإنتاجية للمزارعين. كما أن تفاوت أسعار المنتجات الزراعية ساهم في عزوف البعض عن زراعة الخضراوات والفواكه، في حين شجعت أسعار القمح والزيتون والفستق الحلبي البعض على مواصلة الإنتاج.
في المقابل، تراجعت المؤسسات التقليدية الداعمة للزراعة، لتحل محلها المنظمات الإنسانية التي تعتمد على مشاريع قصيرة الأجل لا تنسجم دائمًا مع الرؤية التنموية طويلة الأمد للقطاع الزراعي.
تحليل العجز في موسم 2025
تُظهر بيانات 2024 تفاوتًا صارخًا في إنتاج واستهلاك القمح بحسب مناطق السيطرة:
-
مناطق "قسد": يقدَّر متوسط الإنتاج السنوي بنحو 750 ألف طن، مقابل احتياجات لا تتجاوز 350 ألف طن، ما يمنح هذه المناطق فائضًا استراتيجيًا يقدر بحوالي 400 ألف طن سنويًا. هذا الفائض يمثل مصدر قوة قد يُستخدم لتعزيز المفاوضات الداخلية أو في تجارة الحبوب مع باقي الأطراف.
-
مناطق المعارضة شمال غرب البلاد: لا يتجاوز الإنتاج المحلي 300 ألف طن، في حين تصل الحاجة الفعلية إلى 550 ألف طن، ما يخلق فجوة سنوية تُقدر بما بين 200 إلى 250 ألف طن. ويجعل هذا العجز هذه المناطق في حالة اعتماد دائم على واردات القمح والطحين من الخارج أو من مناطق أخرى في الداخل السوري.
-
مناطق النظام السابق: يبلغ الإنتاج المحلي نحو 450 ألف طن فقط، مقابل احتياجات ضخمة تصل إلى 1.1 مليون طن سنويًا، ما يؤدي إلى فجوة غذائية خطيرة تتراوح بين 650 إلى 700 ألف طن سنويًا. هذا العجز المزمن يُفسر اعتماد حكومة النظام السابق المتزايد على استيراد القمح، خاصة من روسيا سابقًا، وعلى محاولات استجرار الحبوب من مناطق "قسد" بطرق غير مباشرة لتغطية جزء من هذا النقص الحاد.
بناءً على هذه الأرقام، يمكن القول إنّ مناطق سيطرة قسد قد تنتج حوالي 650 ألف طن هذا الموسم، فيما قد تنتج مناطق سيطرة الحكومة المركزية في دمشق ما بين 600 إلى 650 ألف طن. وبالتالي، تشير التقديرات إلى إنتاج إجمالي لا يتجاوز 1.3 مليون طن، في مقابل طلب يتجاوز 3 ملايين، أي بعجز يقارب 1.7 مليون طن.
تقديرات الطلب الغذائي للعقد المقبل
تبدو مؤشرات الأمن الغذائي في سوريا مقلقة إلى حد كبير خلال السنوات العشر المقبلة، مع استمرار تفاقم العوامل المؤثرة في القطاع الزراعي والإنتاج الغذائي. وتشير تقارير دولية إلى أن سوريا احتلت المرتبة السادسة عالميًا في "مؤشر بؤر الجوع الساخنة" للفترة الممتدة من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى مايو/ أيار 2025. حيث يعاني نحو 14.56 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 مليون في حالة انعدام حاد، و1.3 مليون مهددون بانعدام شديد يهدد حياتهم، إلى جانب 5.4 مليون شخص معرضين لخطر الانزلاق نحو المجاعة في أي لحظة.
هذا الواقع الكارثي لا يمكن عزله عن مجموعة من الأسباب المركبة والمتداخلة، من أبرزها استمرار موجات النزوح الداخلي بفعل القتال أو غياب الخدمات الأساسية، وعودة أعداد متزايدة من اللاجئين إلى مناطق غير مهيّأة بعد، فضلًا عن الاندماج السريع والاضطراري للاقتصاد السوري في شبكات اقتصادية إقليمية متقلبة، ما يرفع أسعار السلع والخدمات بشكل مفاجئ وغير متوازن. كذلك يُضاف إلى المشهد ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي عالميًا ومحليًا، وتدهور القوة الشرائية للأسر، في ظل تآكل الدخول وانعدام السيولة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، ما يعيق أي فرصة لتعزيز الإنتاج أو تحسين النفاذ إلى الغذاء.
ويعود هذا الوضع الكارثي إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار النزوح الداخلي نتيجة الأعمال القتالية أو فقدان الخدمات، وعودة اللاجئين إلى مناطق غير مؤهلة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع القوة الشرائية، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وانخفاض دخل الأُسر، وندرة السيولة لدى الجهات الحكومية والمنظمات، مما يزيد من صعوبة دعم الإنتاج أو تمويل الاستيراد الغذائي.
رغم ضبابية التقديرات المستقبلية للطلب الغذائي، إلا أن جميع المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية تفيد بأن الطلب سيستمر في الارتفاع خلال العقد المقبل، نتيجة الزيادة السكانية الطبيعية وعودة المهجرين واللاجئين، الأمر الذي سيضاعف الحاجة إلى الحبوب والمواد الأساسية.
وبحسب بيانات عام 2025، بلغ الإنتاج المحلي من القمح حوالي 570 ألف طن، وهو ما يغطي فقط 19% من إجمالي حاجة البلاد[4]، المقدّرة بثلاثة ملايين طن سنويًا، بناءً على تعداد سكاني يبلغ 20.5 مليون نسمة[5]. هذا يعني أن الفجوة الغذائية وصلت إلى حوالي 80% من مجمل الاحتياجات، مما يجعل سوريا تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد من الأسواق الخارجية، في ظلّ بيئة دولية مضطربة سياسيًا واقتصاديًا، تعاني من تضخم عالمي وتقييد في أنظمة الدفع والتحويل.
أما الموسم الزراعي 2024-2025، فقد عكس بدوره استمرار حالة التراجع، حيث تعذر استثمار كامل المساحات المخططة، نتيجة الأوضاع الأمنية وتقلص القدرة على توفير مستلزمات الزراعة، إذ لم يُزرع سوى 323 ألف هكتار من الأراضي المروية (56% من الهدف المقرر)، بينما لم تتجاوز نسبة الأراضي البعلية المزروعة 58%، وهي بطبيعتها أكثر تأثرًا بتقلبات الطقس وأكثر هشاشة.
ويؤكد هذا الفشل في زراعة كامل المساحات تراجع القدرات اللوجستية والتنظيمية في القطاع، فضلًا عن نقص الوقود والبذور والأسمدة ووسائل الري، واستمرار تدهور البنية التحتية المرتبطة بالزراعة، في ظل غياب منظومة مؤسساتية فاعلة لتأمين متطلبات الفلاحين وتسهيل عملهم.
يزداد الوضع خطورة في ضوء توجّه الحكومة إلى رفع الدعم عن الخبز تدريجيًا، وهو ما بدأ تنفيذه بالفعل في بعض المناطق، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على الطبقات الأشد فقرًا، ويزيد من معدلات انعدام الأمن الغذائي، خاصة مع غياب برامج دعم بديلة أو آليات حماية اجتماعية فعالة.
البنية التحتية للغذاء في سوريا: صوامع التخزين تساهم في الأزمة
تعاني منظومة تخزين الحبوب في سوريا من ضعف شديد، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية خلال سنوات النزاع. فقد خرج العديد من الصوامع عن الخدمة أو أصبحت تعمل بطاقات منخفضة للغاية، مما انعكس سلبًا على قدرة الدولة في تخزين الفوائض المحتملة من الإنتاج. وتشير تقارير عدة إلى أن بعض الصوامع ما زالت تعمل في محافظات كدمشق وطرطوس واللاذقية، في حين أن صوامع أخرى في مناطق كحلب والرقة وحماة قد تعرّضت لتدمير واسع النطاق، إما بفعل العمليات العسكرية أو نتيجة الإهمال وغياب الصيانة.
هذا التراجع في الطاقة التخزينية أدى إلى فقدان كميات كبيرة من القمح، سواء بسبب التلف الناتج عن ظروف التخزين غير الملائمة، أو بسبب عمليات السرقة والنهب. وقد أسهم غياب الصيانة الدورية، وضعف إجراءات التعقيم والحماية، ونقص الوقود اللازم لتشغيل منظومات التهوية، في تدهور جودة الحبوب المخزّنة، وخروج كميات منها عن الاستهلاك البشري.
كذلك، شهد قطاع المطاحن – وهو حلقة الوصل الحيوية بين التخزين وإنتاج الطحين – تراجعًا ملحوظًا في الأداء. فبالرغم من أن الطاقة النظرية للمطاحن القائمة تبلغ نحو 20 ألف طن أسبوعيًا، إلا أن الكميات المنتَجة فعليًا لم تتجاوز 14.8 ألف طن في أحسن الأحوال، وفقًا لتقارير صادرة عن الحكومة المؤقتة. ويُعزى هذا التراجع إلى كثرة الأعطال، ونقص قطع الغيار، وغياب الصيانة الدورية، إلى جانب النقص في كميات القمح المسلّمة من الفلاحين، وارتفاع تكاليف التشغيل.
وقد تدخلت بعض الجهات الدولية في هذا المجال لدعم قطاع الحبوب، حيث ساهم صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا، التابع للبنك الدولي، في تمويل أعمال صيانة لبعض المطاحن الكبرى، مثل مطحنة اليرموك. كما قامت منظمات دولية بإعادة تأهيل عدد من المنشآت في محافظات مختلفة. إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، نظرًا إلى حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية، وتوزّع المرافق المتضررة جغرافيًا، وافتقار العديد منها إلى الشروط التقنية والفنية اللازمة لإعادة التشغيل.
صوامع شمال شرق سوريا: إمكانات كبيرة مقابل ضعف استغلال
في مناطق الإدارة الذاتية التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، تتوفر مجموعة من الصوامع المتوسطة والكبيرة، مثل صوامع تل علو، والدرباسية، والحسكة، والقامشلي، حيث تتراوح الطاقة التخزينية لكل منها ما بين 100 و130 ألف طن. ورغم وجود هذه البنية التحتية المهمة، إلا أن "قسد" تميل إلى الاعتماد على البيع المباشر للحبوب إلى المستهلكين والمطاحن، بدلاً من تبني استراتيجية تخزين طويلة الأجل تضمن أمنًا غذائيًا مستدامًا.
في المقابل، تعاني مناطق أخرى كدير الزور، وتل حميس، وكبكا، وصباح الخير في الحسكة، والهويدة في الرقة، من تضرر عدد كبير من الصوامع أو خروجها الكامل عن الخدمة، الأمر الذي يضعف من قدرة هذه المناطق على تأمين احتياجاتها الغذائية وتعزيز استقلالها الغذائي.
المطاحن السورية: كلفة بالمليارات وتحديات متفاقمة
يُعد قطاع المطاحن في سوريا من الركائز الأساسية لمنظومة الأمن الغذائي، كونه يشكل حلقة مركزية في سلسلة الإمداد الغذائي التي تمتد من الحقل إلى المخبز. إلا أن هذا القطاع كان من أكثر المتضررين من الحرب المستمرة، حيث تعرضت منشآته ومعداته وبنيته التحتية لأضرار جسيمة، ما انعكس سلبًا على إنتاج الطحين، المادة الأساسية في غذاء المواطن السوري.
حتى نهاية عام 2020، بلغ عدد مطاحن الدقيق العاملة في سوريا 188 مطحنة، منها 162 مطحنة تعمل فعليًا، ولكن بكفاءات تشغيلية متفاوتة. وتراوحت الطاقة الإنتاجية لهذه المنشآت بين مطاحن صغيرة لا تتجاوز إنتاجية 0.5 طن أسبوعيًا، وأخرى كبيرة تصل طاقتها إلى 1000 طن أسبوعيًا، قادرة على تغطية احتياجات ما بين مخبز واحد إلى 70 مخبزًا، بحسب موقعها الجغرافي والكثافة السكانية المحيطة بها.
فجوة بين الطاقة المتاحة والإنتاج الفعلي
رغم ما تشير إليه هذه الأرقام من إمكانات، فإن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين الطاقة التشغيلية النظرية والإنتاج الفعلي. إذ تبلغ الطاقة التشغيلية القصوى لجميع المطاحن نحو 19,993 طنًا أسبوعيًا[6]، في حين لم يتجاوز الإنتاج الفعلي 14,816 طنًا أسبوعيًا، ما يعكس فجوة تشغيلية تُقدّر بحوالي 25%.
ويعود هذا التراجع في الأداء إلى عدة عوامل، من أبرزها النقص المزمن في كميات القمح المتاحة للطحن، وتعطل العديد من الآلات، ومشكلات متكررة في إمدادات الوقود والكهرباء، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التشغيل إلى مستويات تتجاوز قدرة معظم الوحدات الإنتاجية.
أضف إلى ذلك الخسائر المباشرة الناتجة عن النزاع المسلح، حيث تعرضت عدة مطاحن في شمال شرق البلاد للقصف الجوي منذ أكتوبر 2023، ما أدى إلى تدميرها جزئيًا أو كليًا. كما تواجه غالبية المطاحن تحديات متواصلة، تشمل صعوبة تأمين قطع الغيار، وتقلبات حادة في أسعار الصرف، ونقصًا حادًا في المواد الأولية، وفي مقدمتها القمح والوقود، ما يجعل من مواصلة العمل أمرًا شاقًا يتطلب دعمًا تقنيًا وماليًا عاجلًا.
وقد عبّر عدد من مشغلي المطاحن عن حاجتهم الماسة لإعادة تأهيل المعدات والآلات، وتأمين مصادر طاقة مستقرة سواء عبر المولدات الكهربائية أو إمدادات الوقود، إلى جانب ضرورة توفير كميات كافية من القمح لضمان استمرارية عمليات الطحن دون انقطاع.
مبادرات دعم محدودة وجهود إعادة تأهيل
لم تكن الجهات الدولية غائبة عن المشهد، وإن كان حضورها محدودًا. فقد ساهم برنامج الأغذية العالمي (WFP) في إعادة تأهيل مطحنة اليرموك، عبر تزويدها بمولد كهربائي لتحسين قدرتها التشغيلية في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي. كذلك نفّذ "صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا" مشروعًا لإعادة تشغيل ثلاث مطاحن في شمال شرق البلاد، حيث تم تسليم شحنات من القمح الطري بغرض استئناف الإنتاج في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.
وفي المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة "الحكومة السورية المؤقتة" (ريف حلب الشمالي الشرقي)، جرى تنفيذ مشروع لبناء أكثر من سبع مطاحن جديدة، لتعزيز الاكتفاء الذاتي في إنتاج الطحين وتخفيف الاعتماد على الواردات. إلا أن تأثير هذه الجهود يبقى محدودًا بالنظر إلى اتساع الفجوة الإنتاجية على المستوى الوطني.
التحول نحو الاستيراد: ضرورة أم مأزق؟
تحوّلت سوريا خلال السنوات الماضية من بلدٍ منتج ومصدر للحبوب، لا سيما القمح، إلى واحدة من أكبر الدول المستوردة له، نتيجة الانهيار الحاد في الإنتاج المحلي. ومع تفاقم العجز الغذائي، أصبح الاستيراد الخيار الوحيد أمام السلطات المتعاقبة لتلبية احتياجات السوق، رغم ما يرافقه من تحديات مالية ولوجستية خانقة.
الواردات في عهد النظام السابق: الاعتماد شبه الكلي على روسيا
حتى ديسمبر/ كانون الأول 2024، ظلت روسيا المورد الرئيسي للقمح إلى سوريا، حيث شكّلت صادراتها الحصة الأكبر من واردات البلاد. ففي عام 2021، استورد النظام السوري نحو مليوني طن من الحبوب الروسية، منها ما يقارب مليون طن من القمح، بينما بلغت واردات عام 2020 نحو 880 ألف طن، منها 300 ألف طن فقط من القمح.
كما لجأ النظام إلى مصادر بديلة شملت أوكرانيا، التي صدّرت شحنة قدرها 60 ألف طن خلال موسم 2021، إضافة إلى استيراد كميات أخرى في عام 2022 عبر صفقات غير قانونية ارتبطت بالحبوب الأوكرانية المنهوبة من مناطق الحرب، فيما عرف إعلاميًا بملف "القمح المسروق".
في الداخل، اعتمدت دمشق على شراء القمح من مناطق الإدارة الذاتية (قسد) في الشمال الشرقي، عبر تقديم علاوات مالية للمزارعين والوسطاء بالليرة السورية، في محاولة لشراء الفائض المحلي وتوجيهه نحو مراكز الحكومة.
ورغم هذه الإجراءات، واجهت دمشق صعوبات لوجستية حادة، أهمها رفض معظم شركات الشحن العالمية التعامل مع الموانئ السورية بسبب العقوبات والمخاطر الأمنية، ما اضطر الحكومة إلى التعامل عبر وسطاء من دول مثل روسيا، لبنان، تركيا، وبيلاروسيا، الأمر الذي زاد من التكاليف، خصوصًا مع الدفع خارج النظام المصرفي.
الاستيراد في ظل الحكومة الجديدة: محاولات تنويع المصادر وسط عقبات غربية
مع تغيير النظام السياسي في سوريا أواخر 2024، شهد ملف استيراد الحبوب تحولات جذرية؛ حيث أعلنت روسيا تعليق كافة صادرات القمح إلى سوريا، مشيرة إلى غياب الاستقرار السياسي وتراكم الديون غير المسددة كمبررات لهذا القرار المفاجئ.
في المقابل، دخلت أوكرانيا على خط التوريد بسرعة، حيث عرضت توفير شحنات من القمح إلى سوريا ضمن مبادرة إنسانية مدعومة دوليًا. وقد ساهمت المملكة المتحدة في دعم هذه الخطوة عبر تخصيص مبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني لتمويل شحنات الحبوب الأوكرانية إلى الموانئ السورية، في مسعى لمساعدة الحكومة الجديدة على سد العجز الفوري في الإمدادات.
كذلك، استأنف العراق منحة قمح كانت مجمّدة سابقًا، حيث أرسل أول شحنة ضمن اتفاقية لتوريد 220 ألف طن من القمح، مع تعهدات رسمية بتسهيل بيع الفائض العراقي للسوق السورية من خلال قنوات حكومية وخاصة. وقد وصلت بالفعل أولى هذه الشحنات إلى مرفأ اللاذقية بعد الإطاحة بالنظام السابق.
معوقات الاستيراد: التمويل... العقبة الأصعب
ورغم تعدد العروض الدولية، تواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات معقدة في تأمين تمويل صفقات الاستيراد، نتيجة استمرار القيود الغربية المفروضة على النظام المصرفي السوري. فالعقوبات الأمريكية والأوروبية لا تزال تمنع دمشق من الوصول إلى شبكة "سويفت" العالمية، مما يعقّد عمليات الدفع والتحويلات، حتى في ما يخصّ الصفقات المرتبطة بالسلع غير الخاضعة للعقوبات المباشرة مثل الغذاء.
يُضاف إلى ذلك ضعف الثقة الدولية في قدرة الحكومة الجديدة على الوفاء بالتزاماتها المالية، في ظل غياب الضمانات التمويلية أو السيولة الكافية لدى القطاع المصرفي السوري، وهو ما دفع بعض الموردين العالميين إلى التردّد في إبرام صفقات طويلة الأجل مع الجانب السوري.
ولا تتوقف المشكلات عند هذا الحد، إذ تعاني الموانئ السورية الرئيسية، وعلى رأسها مرفأ اللاذقية، من ضعف في البنية التحتية وتقادم المرافق اللوجستية، إلا أن هذه المشكلة قد تكون حُلَّت جزئيًا نتيجة الاستثمارات الفرنسية والإماراتية في المرافئ السورية.
المستوردات هل هي الحل؟
لطالما اعتمدت سوريا، وإن كان ذلك بشكل جزئي قبل الأزمة، على استيراد مجموعة من السلع الغذائية والزراعية الأساسية لتلبية احتياجات السوق المحلي، لا سيما الحبوب مثل القمح والشعير والذرة الصفراء، إلى جانب السكر، والأرز، والزيوت النباتية، ومنتجات الألبان، واللحوم. ففي عام 2010، كانت الحبوب تمثل واحدة من أكبر فئات الواردات، بقيمة قاربت مليار دولار (972.5 مليون دولار)، ما يعكس اعتمادًا نسبيًا على الخارج حتى قبل اندلاع النزاع.
ومع التراجع الحاد في الإنتاج المحلي خلال سنوات الحرب، أصبحت البلاد تعتمد بشكل أكبر على استيراد القمح والدقيق، إلى جانب الشعير والذرة الصفراء، سواء للاستهلاك البشري أو كعلف للحيوانات. كما دخلت مستلزمات الإنتاج الزراعي نفسها ضمن قائمة الاحتياجات العاجلة للاستيراد، بما يشمل الأسمدة، والمبيدات الحشرية، ووقود الآليات الزراعية، وهي عناصر ضرورية لا غنى عنها لضمان استمرار أي محاولة جادة لتعزيز الإنتاج المحلي وإعادة بناء القاعدة الزراعية السورية.
في سبيل الانتصار في معركة الغذاء:
رغم الصورة القاتمة، لا تزال سوريا تمتلك إمكانيات استثنائية قادرة — إذا ما استُثمرت بحكمة — على قلب المعادلة واستعادة عافيتها الزراعية. فالموقع الجغرافي الفريد، والتنوع البيئي والمناخي، وتراكم الخبرات الفلاحية عبر عقود طويلة، بالإضافة إلى إمكانيات تطوير مصادر الطاقة المتجددة، كلها عناصر تشكّل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لصياغة نهضة زراعية متجددة، تحقق أمنًا غذائيًا مستدامًا.
ولكسب هذه المعركة، لا بد من:
التخطيط للزراعة والغذاء
هذا التحول غير ممكن دون توفر إرادة سياسية صلبة، واستراتيجيات تخطيط طويلة المدى، واستثمارات حقيقية في البنية التحتية، والموارد البشرية، والتقنيات الزراعية الحديثة. فالمبادرات الحكومية، مهما بلغت أهميتها، ستظل قاصرة إذا لم تدعمها سياسات محفّزة للقطاع الخاص، ومساندة فاعلة من المنظمات الدولية، وتعاون وثيق مع المجتمع المدني والمزارعين المحليين، باعتبارهم الركن الأساسي في أي مشروع نهوض زراعي مستقبلي.
حل مشكلة المياه مع دول الجوار
كذلك، فإن مواجهة التحديات البيئية، وعلى رأسها أزمة المياه وتغير المناخ، تتطلب تحولات جذرية في أساليب الري، وتطوير محاصيل مقاومة للجفاف، وتبنّي الطاقات المتجددة لتغطية احتياجات الري والتخزين والتبريد، بما يقلل من الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية المكلفة والمحدودة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أهمية البعد الإقليمي والدولي، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد المائية المشتركة، والتعاون في مكافحة التصحر، وتبادل الخبرات والبحوث العلمية، بهدف ضمان استدامة الموارد الطبيعية في ظل الضغوط البيئية المتزايدة.
الكليات والمدارس والمعاهد الزراعية
يمثل الاستثمار في رأس المال البشري ضرورة لا غنى عنها. فالمهارات الزراعية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات الحالية، وهو ما يتطلب تطوير مناهج التعليم الزراعي، وتعزيز برامج التدريب المهني، وتوفير الحوافز لجذب الشباب إلى العمل في القطاع الزراعي، فضلًا عن تحسين مستويات المعيشة في الأرياف، لجعل العمل الزراعي خيارًا اقتصاديًا جذابًا من جديد.
الاستثمارات في الزراعة
إن العمل على وضع إعفاءات ضريبية في قطاع الزراعة، ومنح الشركات العاملة فيه كافة المزايا الممكنة، من شأنه أن يُعيد للزراعة جزءًا من عافيتها. وليس ذلك فقط من خلال دعم الزراعة بشكل مباشر، بل كذلك من خلال دعم غير مباشر يشمل الاستثمار في الأسمدة، والأعلاف، والأدوية البيطرية، وغيرها من مستلزمات الإنتاج الزراعي النباتي والحيواني.
تنويع مصادر الغذاء
يعتمد السوريون بدرجة كبيرة على الحبوب في نظامهم الغذائي، ويُعد الخبز خير دليل على ذلك. ومن الضروري الشروع في تدخل ثقافي طويل الأمد، يهدف إلى تقليل هذا الاعتماد، من خلال تعزيز استهلاك الخضروات والفواكه، وتشجيع تنويع مصادر البروتين، لا سيما اللحوم البحرية والنهرية، التي لا تزال قطاعًا بكرًا لم يُستثمر بالشكل الكافي حتى الآن.
الأمن الغذائي خيار لا بديل عنه
في المحصلة، فإن معركة سوريا مع أمنها الغذائي ليست قدرًا مفروضًا، بل هي رهينة بالقرارات والسياسات التي ستُتخذ خلال السنوات المقبلة. فإذا ما نجحت البلاد في تجاوز حالة التردد والتخطيط القاصر، وانطلقت في تنفيذ برامج تنموية شاملة وطويلة الأمد، فقد تتمكن من استعادة جزء كبير من قدرتها على تأمين الغذاء ذاتيًا، وتقليص اعتمادها على الخارج، والخروج من دائرة العجز الغذائي المزمن.
أما إذا استمر الوضع الحالي دون تغيير جذري، فإن خطر الجوع سيبقى يتهدد الملايين، وسيظل الأمن الغذائي سلاحًا بيد الخارج، بدلًا من أن يكون دعامة للسيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن أمن سوريا الغذائي لم يعد مسألة تقنية أو اقتصادية فحسب، بل بات قضية سيادية وإنسانية من الدرجة الأولى، تستحق أن توضع في قلب أولويات الدولة والمجتمع، بما يليق بحجم التحدي الذي تواجهه الأمة السورية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخها.