خلف السحب، يدور سباق تسلح محموم، إذ تجوب مدار الأرض مركبات فضائية متطورة تُصنّف "عتادًا عسكريًا"، حتى وإن لم تبدُ كذلك. فمن مراقبة تحركات الخصوم، إلى توجيه الصواريخ الذكية، وتأمين الاتصالات المشفرة للقوات في الميدان، أصبحت الأقمار الصناعية العسكرية عصب العمليات الحديثة. ومن يمتلك هذه التكنولوجيا يحظى بميزة استراتيجية قد تغيّر قواعد اللعبة على الأرض.
القمر الصناعي العسكري هو قمر يُوضع في مدار حول الأرض لتنفيذ مهام عسكرية متنوعة تشمل الاتصالات، الملاحة، والاستطلاع. وقد استُخدمت الأقمار الصناعية لأول مرة في مهام استطلاعية تصويرية، وكانت الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال منذ خمسينيات القرن الماضي.
فمع إطلاق أول قمر صناعي، "سبوتنيك 1"، عام 1957، مهّد الاتحاد السوفيتي الطريق لسباق الفضاء. وتبعته الولايات المتحدة، منافسته في الحرب الباردة، بإطلاق "إكسبلورر 1" بعد أربعة أشهر.
أول برنامج عسكري للفضاء
رغم أن الاتحاد السوفيتي كان السبّاق إلى إطلاق قمر صناعي، فإن الولايات المتحدة أطلقت أول برنامج عسكري رسمي للأقمار الصناعية في أوائل خمسينيات القرن الماضي، عُرف باسم نظام الأسلحة 117L، وتضمن عددًا من البرامج الفرعية، من أبرزها "كورونا"، بينما حملت أولى مهامه اسم "ديسكوفر". وقد شمل البرنامج سلسلة من أقمار الاستطلاع صُمّمت للإطلاق ووُضعت في المدارات المطلوبة.
في 16 يونيو/ حزيران 1966، أطلقت القوات الجوية الأميركية سبعة أقمار صناعية تابعة لبرنامج الاتصالات الدفاعية الأولية (IDCSP) من كيب كينيدي في فلوريدا، على متن مركبة الإطلاق "تيتان IIIC"، إلى مدار شبه متزامن مع الأرض. وقد عُرف هذا البرنامج باسم "دسكس"، وقدم أول تجربة أميركية للاتصالات العسكرية العالمية عبر الفضاء.
بدأ تطوير برنامج الاتصالات الدفاعية عام 1962، وكان أول نظام اتصالات عسكرية بالأقمار الصناعية (SATCOM) يُستخدم لأغراض تشغيلية.
ووفق موقع القوات الفضائية الأميركية، استُخدمت أقمار هذا البرنامج في العمليات التي بدأت مع حرب فيتنام، ولا تزال قيد الخدمة حتى اليوم.
فبحلول منتصف عام 1968، كان هناك 36 محطة أرضية ثابتة ومتحركة ضمن نظام الاتصالات الفضائية. وقد نقلت هذه الأقمار بيانات صوتية وبصرية كجزء من مشروع "كومباس لينك"، من ساحة العمليات إلى البنتاغون خلال حرب فيتنام.
وفي عام 1982، أُطلق الجيل الثالث من الأقمار الصناعية العسكرية، والذي وفّر اتصالات عالمية عالية السرعة، مضادة للتشويش، ومعززة ضد الأسلحة النووية، لصالح القوات البرية والجوية والبحرية، ووزارة الدفاع الأميركية.
وبحسب الموقع الرسمي للقوات الفضائية الأميركية، وفّرت الأقمار العسكرية 84% من مجمل الاتصالات الاستراتيجية والتكتيكية لقوات الولايات المتحدة وحلفائها خلال عمليات "عاصفة الصحراء".
وعند تأسيس قوة الفضاء الأميركية في ديسمبر/ كانون الأول 2019، نُقلت أنظمة الاتصالات الفضائية من سلاح الجو إلى القوة الجديدة. ورغم امتلاك قوة الفضاء أنظمة مُحدّثة، فإن سربَي العمليات الفضائية الرابع والثالث والخمسين التابعين لوحدة "دلتا 8" في قاعدة شرايفر بولاية كولورادو، لا يزالان يتحكمان بخمسة أقمار نشطة من طراز "دسكس" الجيل الثالث.
وقد سعت الولايات المتحدة في مراحل لاحقة إلى تطوير أقمار صناعية تحمل أسلحة موجهة ضد أهداف أرضية أو فضائية، لكن هذه الجهود توقفت عام 1967 بعد التصديق على المعاهدات الدولية التي تحظر نشر أسلحة الدمار الشامل في الفضاء.
من يملك الترسانة الفضائية؟
بعد الولايات المتحدة، بدأت كل من روسيا والصين، ولاحقًا الهند، بإطلاق وتشغيل أقمار صناعية عسكرية. كما توجد اليوم أقمار صناعية تدور في مدار الأرض تؤدي مهام مزدوجة، عسكرية ومدنية، تُعرف بـ"الأقمار ذات الاستخدام المزدوج"، ما يتيح إخفاء الطابع العسكري خاصة عن الدول المعادية أو غير الودية.
وبحسب موقع World Population Review، تملك الولايات المتحدة أكبر عدد من الأقمار الصناعية العسكرية (247 قمرًا)، تليها الصين (157 قمرًا)، ثم روسيا (110 أقمار)، وفرنسا (17 قمرًا). وتشغّل إسرائيل 12 قمرًا، بينما تمتلك كل من الهند، إيطاليا، وألمانيا 10 و9 و8 أقمار على التوالي. أما المملكة المتحدة فتملك 6 أقمار، تليها إسبانيا (4) وتركيا (3) والبرتغال (قمر واحد).
وظائف الأقمار العسكرية
وفق "SBS Aviation"، لا تقتصر مهام الأقمار العسكرية على الاستطلاع، بل تشمل:
-
الاتصالات: توفير قنوات اتصال آمنة وموثوقة للقوات العسكرية.
-
الاستطلاع والمراقبة: التقاط صور وفيديوهات عالية الدقة للمناطق البرية والبحرية، ومراقبة تحركات العدو.
-
الملاحة وتحديد المواقع: دعم أنظمة تحديد المواقع (GPS) وتوجيه المركبات والطائرات والسفن الحربية.
-
الإنذار المبكر: كشف إطلاق الصواريخ والتهديدات وتوفير إنذارات حاسمة.
-
الاستخبارات الإلكترونية: اعتراض الإشارات وتحليل الاتصالات لفهم قدرات العدو.
-
استخبارات الإشارات: جمع معلومات من إشارات الراديو والرادار.
-
رصد الطقس والبيئة: توفير بيانات مناخية لدعم العمليات العسكرية.
-
الوعي الفضائي: تتبع الحطام والأقمار الأخرى لضمان سلامة منظومات الدفاع.
-
كشف التفجيرات النووية: رصد الانفجارات وتحليلها للتحقق من المعاهدات.
-
دعم الأمن السيبراني: حماية الشبكات العسكرية الفضائية من الهجمات الرقمية.
ومنذ عام 2007، يعمل نظام مراقبة واستطلاع عسكري وطني عبر الأقمار، ويستمر في التوسع مع إطلاق المزيد منها كل عام، وفق وكالة الفضاء الهندية ISRO.
سباق التسلح في الفضاء
مع ازدياد عدد الأقمار الصناعية العسكرية، برزت الحاجة إلى تطوير أسلحة قادرة على تحييدها. وهكذا ظهرت فئة "الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية" (ASATs)، وتشمل نوعين بحسب موقع "سبيس":
-
الأسلحة الحركية: تعتمد على التصادم المباشر، وتشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وحتى أقمارًا اصطناعية.
-
الأسلحة غير الحركية: تعتمد على التشويش الراديوي أو الهجمات السيبرانية لاختراق أنظمة التحكم وتعطيل مهام القمر.
ويمكن تنفيذ هذه الهجمات من الجو، أو من مدارات منخفضة، أو من قواعد أرضية.
تعود جذور هذه الأسلحة إلى الحرب الباردة، حين طورت واشنطن وموسكو نماذج أولية منها، قبل أن يتراجع الاهتمام بها في الثمانينيات والتسعينيات. لكن العقدين الأخيرين شهدا إحياءًا لهذا السباق.
ففي 2007، اختبرت الصين بنجاح صاروخًا دمّر قمرها للأرصاد Fengyun-1C، بينما أجرت روسيا عدة اختبارات، أبرزها عام 2021 حين دمرت قمرًا قديمًا. أما الهند فقد دخلت النادي الفضائي العسكري عام 2019 ضمن "مهمة شاكتي" بعد تنفيذ تجربة ناجحة.
وفي أبريل/ نيسان 2022، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعلن رسميًا حظر استخدام الصواريخ ضد الأقمار الصناعية، بحسب البيت الأبيض.
مخاطر الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية
تثير الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية مخاوف دولية متزايدة، إذ يؤدي تدمير الأقمار بأسلحة حركية إلى توليد آلاف الشظايا عالية السرعة، ما يهدد الأقمار الأخرى، بما فيها محطة الفضاء الدولية.
وقد يؤدي ذلك إلى ظاهرة تُعرف بـ"متلازمة كيسلر"، حيث تتسبب سلسلة من الاصطدامات في جعل بعض المدارات غير صالحة للاستخدام.
كما يسهم هذا النوع من التسلّح في سباق فضائي جديد، ويقوّض الاستقرار والأمن الدولي، مع احتمالات تعطيل الخدمات المدنية الحيوية التي تعتمد على الأقمار، مثل الطيران، الاتصالات البنكية، وتوقعات الطقس.
واستجابة لهذه التحديات، تعمل المنظمات الدولية والدول على وضع قوانين واتفاقيات للحد من تسليح الفضاء وضمان الاستخدام السلمي للمدارات الأرضية، مع الحفاظ على حق الدول في حماية أصولها الفضائية.
جهود لحماية الفضاء
بدأت الأمم المتحدة جهودها لحظر التسلّح الفضائي منذ عام 1957، وناقشت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي مقترحات لحظر الأسلحة في الفضاء.
وفي عام 1967، دخلت معاهدة الفضاء الخارجي حيّز التنفيذ، لتشكل الأساس القانوني الدولي المنظّم لاستخدام الفضاء. وتحظر المعاهدة وضع أسلحة نووية أو أي نوع من أسلحة الدمار الشامل في الفضاء أو على الأجرام السماوية.
ومنذ الثمانينيات، واصل مؤتمر نزع السلاح مناقشة مسودات معاهدات تهدف إلى منع عسكرة الفضاء، من بينها مشروع روسي-صيني قُدّم عام 2006 لحظر نشر أي سلاح فيه.
وتنص المعاهدة على أن استخدام واستكشاف الفضاء يجب أن يكون لمصلحة البشرية جمعاء، وتمنع أي تملّك قومي للقمر أو الأجرام السماوية الأخرى.