الأحد 18 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

الفيفا.. كيف حوّل كرة القدم إلى صناعة بمليارات الدولارات؟

الفيفا.. كيف حوّل كرة القدم إلى صناعة بمليارات الدولارات؟

شارك القصة

تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى مركز لمنظومة تجارية عالمية تقوم على حقوق البث والرعاية والتذاكر والتراخيص، وتدر مليارات الدولارات خلال كل دورة مالية
تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى مركز لمنظومة تجارية تدر مليارات الدولارات كل دورة مالية - غيتي
تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى مركز لمنظومة تجارية تدر مليارات الدولارات كل دورة مالية - غيتي
الخط
كيف حوّل الفيفا كرة القدم إلى صناعة بمليارات الدولارات؟ قراءة في مصادر الإيرادات، جوائز المنتخبات، تعويض الأندية، وكلفة الاستضافة.

لم تعد كرة القدم مجرد 90 دقيقة يركض فيها 22 لاعبًا خلف كرة جلدية، فقد تحولت إلى واحدة من أكبر الصناعات العابرة للقارات في العصر الحديث.

يقف الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" على رأس هذه الصناعة بوصفه منظمة غير ربحية من الناحية القانونية، لكنها تدير مليارات الدولارات وتتمتع بنفوذ جيوسياسي واقتصادي يضاهي نفوذ دول متوسطة الحجم.

خلال العقدين الأخيرين، تحول الفيفا إلى أحد أكبر المحركات الاقتصادية في العالم، خصوصًا عبر كأس العالم وبقية البطولات الدولية، حتى أصبح إمبراطورية رياضية واقتصادية لا تأتي عائداتها من مصدر واحد، وإنما من منظومة تجارية متكاملة.

بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يتوقع الفيفا تحقيق إيرادات إجمالية تبلغ 13 مليار دولار خلال الدورة المالية الممتدة بين عامي 2023 و2026، منها 8.9 مليارات دولار مرتبطة مباشرة بكأس العالم المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

يصدر الفيفا كل عام كشفًا ماليًا متوافقًا مع المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، وتدققه شركة متخصصة، قبل أن ينال مصادقة لجنة الفيفا المالية ومجلس الفيفا وكونغرس الفيفا.

يُسجّل الاتحاد الدولي لكرة القدم رسميًا في سويسرا بصفته "جمعية غير ربحية"، بموجب المادة 60 وما يليها من القانون المدني السويسري. ويقع مقره الرئيسي في مدينة زيورخ، كما أنه مدرج في السجل التجاري للكانتون.

تمنح هذه البنية القانونية الفيفا مرونة تنظيمية كبيرة وامتيازات مالية واسعة مقارنة بالشركات التجارية الكبرى. (1)


نمو إيرادات الفيفا عبر الدورات المالية

مصادر الدخل الأساسية والتأثير الاقتصادي العالمي


يعتمد النموذج الاقتصادي للفيفا على تنويع مصادر الدخل، التي تتوزع على:(2)

  • حقوق البث التلفزيوني: تُعد أحد أكبر مصادر دخل الفيفا، ويتوقع أن تدر نحو 4 مليارات دولار من كأس العالم 2026 وحدها.
  • التسويق والرعاية: تشمل عقود الرعاية والشراكات مع العلامات التجارية العالمية، التي تدفع مبالغ ضخمة مقابل استخدام علامة الفيفا وشعاراته والحصول على حقوق حصرية للإعلان والترويج خلال البطولات.
  • التذاكر والضيافة: تشمل مبيعات تذاكر المباريات، التي تشهد إقبالًا كبيرًا وتتراوح أسعارها بين مئات وآلاف الدولارات.
  • التراخيص والتسويق التجاري: تشمل إيرادات منح حقوق استخدام علامة الفيفا في مختلف الصناعات، وأبرزها ألعاب الفيديو والملابس الرياضية والمقتنيات التذكارية.

ترتفع عائدات الفيفا باستمرار نتيجة نموذج تجاري يعتمد على احتكار الحقوق التجارية لأكبر حدث رياضي في العالم، وهو كأس العالم، في مقابل تحمّل الدول والمدن المستضيفة جانبًا كبيرًا من تكاليف الملاعب والبنى التحتية والأمن والنقل والخدمات المرتبطة بالاستضافة.

يمثل الفوز بحق استضافة كأس العالم إنجازًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا تسعى إليه الدول. مع ذلك، تظهر التحليلات الاقتصادية الحديثة تباينًا كبيرًا بين الوعود التي تقدمها ملفات الترشيح و"الواقع المالي" الفعلي.

تعتمد الدول في ملفاتها على فرضية أن الاستضافة ستنعش الاقتصاد عبر ضخ الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وبناء الملاعب وشبكات النقل، مثل المترو والقطارات السريعة، وتوسعة المطارات، إلى جانب خلق فرص العمل وتنشيط قطاع السياحة.


من أين تأتي أموال الفيفا؟

يأتي ملايين المشجعين إلى الدول المضيفة وينفقون على الإقامة والطعام والمواصلات، ما يفترض أن يدعم الاقتصاد والعملة المحلية.

هذا في الظاهر، أما في العمق، فتشير الدراسات الاقتصادية المستقلة إلى أن المردود المالي المباشر لكأس العالم نادرًا ما يغطي تكاليفه الباهظة. وهنا تقع دول عديدة فيما يُعرف بـ"فخ الفيل الأبيض"، أي بناء منشآت رياضية عملاقة تكلّف مئات الملايين، ثم تصبح بعد نهاية البطولة محدودة الفائدة ومرتفعة التكلفة من حيث الصيانة.

أنفقت البرازيل مثلًا عام 2014 مليارات الدولارات على بناء ملاعب في مدن لا تمتلك أندية جماهيرية كبيرة، مثل ملعب ماناوس في منطقة الأمازون. وتُستخدم بعض هذه المنشآت اليوم في أنشطة محدودة أو بطولات للهواة، ما يمثل نزيفًا مستمرًا للمال العام.
في جنوب إفريقيا عام 2010، لم تنجح الملاعب التي بُنيت في تحفيز نمو اقتصادي مستدام، وظلت أجزاء واسعة من البنية التحتية الرياضية غير مستغلة بالشكل الأمثل مقارنة بحجم الديون التي تكبدتها الدولة.
فيما يتعلق بمونديال 2026، أظهر استطلاع أجراه اتحاد الفنادق والإقامة الأميركي، وشمل أكثر من 200 فندق في المدن الأميركية المستضيفة، أن نحو 80% من الفنادق سجلت حجوزات أقل من التوقعات الأولية.
ارتبط ذلك بصعوبة حصول الزوار الأجانب على تأشيرات الدخول، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار التذاكر والسفر، حتى إن بعض الفنادق وصفت البطولة بأنها "حدث لم يترك أثرًا يُذكر" من الناحية التجارية.
يؤكد خبراء الاقتصاد أنه حتى إذا جاءت أعداد الزوار وفق التوقعات، فإن تأثير البطولة على الناتج المحلي الإجمالي سيظل محدودًا، لأن الزيادة الاقتصادية، إن تحققت، ستكون مؤقتة ومحصورة في المدن المستضيفة.(3)

يرى محللو "أكسفورد إيكونوميكس" و"ساكسو بنك" أن كأس العالم 2026 سيحقق نموًا اقتصاديًا خلال فترة البطولة، لكنه سيكون قصير الأجل ومحليًا ومحدود التأثير، خصوصًا بالنسبة إلى اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد الأميركي.

بالتالي، تُعد البطولة أقرب إلى إعادة توزيع مؤقت للنشاط الاقتصادي منها إلى محرك حقيقي لتحول اقتصادي طويل الأمد، رغم الصورة المتفائلة التي يروج لها الفيفا.

في غضون ذلك، تكشف البيانات المالية للفيفا أن المنظمة شهدت نموًا غير مسبوق في إيراداتها خلال العقود الأخيرة، بالتوازي مع تضخم القيمة التجارية لكأس العالم وارتفاع أسعار حقوق البث والرعاية.

بلغت إيرادات الفيفا خلال دورة 1999–2002 نحو 2.8 مليار دولار، ثم ارتفعت إلى نحو 3.8 مليارات دولار في دورة 2003–2006، قبل أن تصل إلى قرابة 4.2 مليارات دولار بين عامي 2007 و2010.
مع توسع الأسواق الإعلامية والرقمية، قفزت الإيرادات إلى نحو 5.7 مليارات دولار في دورة 2011–2014، ثم إلى أكثر من 6.4 مليارات دولار خلال دورة 2015–2018.
سجلت الدورة المالية 2019–2022 إيرادات تجاوزت 7.5 مليارات دولار، رغم التحديات التي فرضتها جائحة كورونا.
أما الدورة الحالية، الممتدة بين عامي 2023 و2026، فيتوقع أن تحقق رقمًا قياسيًا يبلغ نحو 13 مليار دولار، أي ما يقارب خمسة أضعاف الإيرادات المسجلة مطلع الألفية.
 يأتي ذلك مدفوعًا بزيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخبًا، وارتفاع قيمة حقوق البث والرعاية، واتساع قاعدة الأسواق التجارية في أميركا الشمالية وآسيا. (3)

كيف تتحرك أموال كأس العالم

كيف يوزع الفيفا إيراداته؟ وماذا عن قيمة الجوائز؟


يعتمد الفيفا آليات مالية محددة لتوزيع الإيرادات والجوائز بين المنتخبات والأندية، بدلًا من توزيع الأرباح على مساهمين.

تُستخدم الإيرادات لتمويل الجوائز وتطوير اللعبة في 211 اتحادًا وطنيًا وتنظيم البطولات، إلى جانب بناء احتياطي مالي يضمن استدامة أنشطة الاتحاد.

يعتمد الفيفا في بطولات كأس العالم مبدأ الجدارة الرياضية بصورة تصاعدية، إذ يقدم مبالغ تضمن تغطية التكاليف لجميع المنتخبات، ثم ترتفع الجوائز كلما تقدم المنتخب في الأدوار الإقصائية.

يتكون هذا النظام من مستويين رئيسيين:


1. نظام توزيع الجوائز المالية للمنتخبات

  • بدل الإعداد الموحد: يُمنح لكل منتخب يتأهل إلى النهائيات مسبقًا، لتغطية تكاليف التدريب والسفر والإقامة قبل انطلاق البطولة.
  • جائزة المشاركة الأساسية: تحصل المنتخبات المشاركة في دور المجموعات على مبلغ أساسي مضمون بمجرد التأهل واللعب في البطولة.
  • مكافآت الأدوار الإقصائية: ترتفع المكافآت تدريجيًا مع التأهل إلى دور الـ32، ثم دور الـ16 وربع النهائي ونصف النهائي، فيما ينال البطل والوصيف القيمتين الأعلى.

2. آلية توزيع الأموال على الأندية

تأسس "برنامج الفيفا لمزايا الأندية" بالتعاون مع رابطة الأندية الأوروبية، لتعويض الأندية ماليًا عن مشاركة لاعبيها مع منتخباتهم الوطنية.

يتم الحساب وفق شروط محددة، من بينها احتساب "اليومية" لكل لاعب. إذ تُخصص ميزانية إجمالية للبرنامج، ثم تُقسم على إجمالي عدد الأيام التي يقضيها جميع اللاعبين في البطولة، لينتج عن ذلك مبلغ يومي محدد لكل لاعب.

يُدفع المبلغ للنادي بمجرد وجود اسم اللاعب في القائمة الرسمية للمنتخب، بغض النظر عن مشاركته في المباريات أو بقائه على مقاعد البدلاء.

وفق قاعدة السنتين، لا يذهب المبلغ بالكامل إلى النادي الحالي للاعب، وإنما يُقسّم بالتساوي بين الأندية التي سُجّل فيها خلال السنتين السابقتين للبطولة. ويهدف هذا النظام إلى حماية حقوق الأندية السابقة التي ساهمت في تطوير اللاعب قبل المونديال.

حدّث الفيفا النظام ليشمل تعويض الأندية التي يشارك لاعبوها في مباريات التصفيات المؤهلة، وليس النهائيات فقط، ما يوسع دائرة المستفيدين عالميًا لتشمل آلاف الأندية الصغيرة.

بلغت مخصصات البرنامج في كأس العالم قطر 2022 نحو 209 ملايين دولار. وعند تقسيم المبلغ على عدد أيام المشاركة، حصلت الأندية على 10 آلاف و950 دولارًا عن كل لاعب في اليوم الواحد.

رفع الفيفا في أبريل/نيسان 2026 إجمالي الموارد المالية المخصصة للمنتخبات الـ48 المشاركة في كأس العالم إلى 871 مليون دولار، بزيادة نسبتها 15% عن المبلغ المعلن سابقًا. 
وشمل التحديث رفع أموال الاستعدادات لكل منتخب من 1.5 مليون دولار إلى 2.5 مليون دولار، وزيادة المبلغ المضمون نتيجة التأهل من 9 ملايين إلى 10 ملايين دولار، فضلًا عن مساهمات إضافية تتجاوز قيمتها 16 مليون دولار لتغطية نفقات بعثات المنتخبات وزيادة مخصصات التذاكر. 
بذلك، يضمن كل منتخب متأهل الحصول على 12.5 مليون دولار على الأقل، تجمع بين مبلغ المشاركة وبدل الاستعداد، فيما ترتفع حصته الإجمالية وفق المركز الذي يحققه في البطولة. (4)

ووفق جدول الجوائز الذي أعلنه الفيفا، تحصل المنتخبات التي تنهي مشاركتها بين المركزين الخامس والثامن على 19 مليون دولار، بينما تحصل المنتخبات التي تحتل المراكز من التاسع إلى السادس عشر على 15 مليون دولار.

أما المراكز الأربعة الأولى، فتتوزع جوائزها على النحو الآتي:

  • المركز الرابع: 27 مليون دولار.
  • المركز الثالث: 29 مليون دولار.
  • المركز الثاني: 33 مليون دولار.
  • البطل: 50 مليون دولار.

تشمل جوائز الفيفا أيضًا جوائز شرفية وتذكارية تُسلّم إلى الاتحادات والأفراد، مثل الكأس والميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، إلى جانب لوحات تذكارية لجميع الاتحادات المشاركة.

تشمل الجوائز الفردية الكرة الذهبية والفضية والبرونزية لأفضل ثلاثة لاعبين في البطولة، والحذاء الذهبي للهداف، والقفاز الذهبي لأفضل حارس مرمى، إضافة إلى جوائز أخرى.


ماذا يضمن التأهل إلى مونديال 2026

كيف تنعكس البطولة على الاقتصاد؟


لا تتوقف الآثار الاقتصادية لكأس العالم عند الجوائز والمبالغ التي يوزعها الفيفا، إذ تمتد إلى قطاعات السياحة والضيافة والنقل والتجارة والخدمات.

تشير أحدث تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن قيمة الاقتصاد الرياضي مرشحة لبلوغ نحو 8.8 تريليونات دولار بحلول عام 2050، ليصبح أحد أبرز محركات الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

في هذا السياق، يبرز كأس العالم 2026 باعتباره أحد أكبر الأحداث الرياضية ذات التأثير الاقتصادي المتوقع. وتشير دراسة اقتصادية أطلقها الفيفا وأمانة منظمة التجارة العالمية في أبريل/نيسان 2025، وأعدتها مؤسسة "OpenEconomics"، إلى أن البطولة قد تضيف 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتدعم نحو 824 ألف وظيفة مكافئة لدوام كامل حول العالم.

يصنف المنتدى الاقتصادي العالمي قطاعات الإقامة والضيافة والطعام والترفيه ضمن أسرع القطاعات نموًا خلال السنوات الخمس المقبلة، فيما تأتي الرياضة والترفيه ضمن أكبر عشرة قطاعات قادرة على دفع النمو الاقتصادي بحلول عام 2030.

يتوقع المنتدى أيضًا أن تكون أميركا الشمالية المنطقة الأكثر نموًا في قطاع الرياضة والترفيه، مدفوعة باستضافة البطولات الكبرى وتوسع السياحة الرياضية.

إلا أن هذه التوقعات تواجه تحديات آنية، إذ بدأت بعض المدن الأميركية المستضيفة لكأس العالم تعبر عن مخاوفها من عدم تحقق العوائد الاقتصادية المنتظرة، بسبب العوامل السياسية والأمنية وتأثيرها في الاقتصاد العالمي وارتفاع الأسعار.


هل تستطيع البطولات إعادة تشكيل المدن؟


فرصة اقتصادية أم عبء

توجد نماذج تاريخية تؤكد قدرة البطولات الرياضية على إعادة تشكيل المدن.

استثمرت مدينة مانشستر نحو 405 ملايين دولار خلال دورة ألعاب الكومنولث عام 2002 في تطوير شرق المدينة، الذي كان يُعد من أكثر المناطق حرمانًا في إنجلترا. 
شمل المشروع إنشاء مساكن جديدة ومدارس ومركز مانشستر للألعاب المائية، إلى جانب ملعب أصبح لاحقًا المقر الرئيسي لنادي مانشستر سيتي.
استغلت برشلونة استضافة الألعاب الأولمبية عام 1992 لإطلاق واحدة من أشهر عمليات التحول الحضري في العصر الحديث.

رغم التحديات الحالية، لا تزال التوقعات الاقتصادية الخاصة بكأس العالم 2026 كبيرة. وتشير التقديرات إلى أن مقاطعة لوس أنجلوس وحدها قد تحقق 594 مليون دولار من النشاط الاقتصادي الناتج عن استضافة ثماني مباريات ضمن البطولة.

لكن المنتدى الاقتصادي العالمي يشدد على أن الرياضة ليست ضمانة تلقائية للنمو الاقتصادي، وإنما عامل محفز يعتمد نجاحه على توافر بيئة اقتصادية مستقرة وثقة المستثمرين وانفتاح المجتمعات، إضافة إلى قدرة المدن على استثمار البطولات في مشاريع تنموية طويلة الأجل تمتد آثارها إلى المستقبل. (5)

على سبيل المثال، حققت ألمانيا عام 2006 زيادة كبيرة في الإنفاق الاستهلاكي والسياحة، وساهمت البطولة في تحسين صورة البلاد عالميًا. 
كانت الاستثمارات في البنى التحتية محدودة نسبيًا، لأن ألمانيا كانت تمتلك منشآت جاهزة قبل انطلاق البطولة.
نفذت قطر عام 2022 أكبر برنامج استثماري في تاريخ كأس العالم، شمل مترو الدوحة والطرق والمطار والموانئ والملاعب والمناطق السكنية والسياحية.

تمثل السياحة أحد أكبر القطاعات المستفيدة من بطولات الفيفا، وتشير تجارب سابقة إلى أن بعض الدول نجحت في تحويل هذا الزخم إلى مكاسب طويلة الأجل.

ارتفعت جاذبية ألمانيا بصفتها وجهة سياحية بعد مونديال 2006، بينما ساهم مونديال روسيا 2018 في تعريف ملايين الزوار بمدن لم تكن معروفة سياحيًا على نطاق واسع.

إلى جانب الأرقام الاقتصادية، تحقق بطولات الفيفا آثارًا يصعب قياسها ماليًا، من بينها:

  • تحسين صورة الدولة عالميًا.

  • تعزيز القوة الناعمة.

  • رفع الثقة المحلية.

  • تشجيع ممارسة الرياضة.

  • تنمية الصناعات الرياضية.

  • جذب البطولات الدولية مستقبلًا. (6)

يعرّف الفيفا نفسه بأنه منظمة غير ربحية، أي إنه لا يوزع أرباحًا على مساهمين، وإنما يعيد استثمار معظم إيراداته.

تشمل أبرز مجالات استثمار أموال الفيفا:

  1. تطوير الاتحادات الوطنية: يُعد برنامج "FIFA Forward" أكبر أداة استثمارية للفيفا، ويوفر تمويلًا للاتحادات الوطنية من أجل بناء الملاعب وصيانتها، وإنشاء مراكز التدريب، وتطوير أكاديميات الناشئين، وتحديث الإدارة والحوكمة، ودعم تشغيل الاتحادات.
  2. الاستثمار في كرة القدم النسائية: يخصص الفيفا جزءًا متزايدًا من ميزانيته لزيادة عدد اللاعبات، ودعم الدوريات النسائية، وتمويل البطولات، وتطوير المدربات وطواقم التحكيم النسائية.
  3. تطوير المواهب: تُموّل برامج اكتشاف المواهب وإنشاء الأكاديميات وتطوير اللاعبين الصغار في مختلف القارات، بهدف رفع مستوى المنتخبات والأندية على المدى الطويل.
  4. دعم البطولات والاتحادات القارية: يقدم الفيفا منحًا مالية للاتحادات القارية الست، إضافة إلى تمويل البطولات الإقليمية وبرامج التطوير الفني.

خصص الفيفا نحو 2.8 مليار دولار خلال أول دورتين من برنامج "FIFA Forward" لتطوير كرة القدم عالميًا، وذهب نحو 80% من هذه الأموال مباشرة إلى الاتحادات الوطنية.

في دورة 2023–2026، رفع الفيفا مخصصات برنامج "FIFA Forward 3.0" إلى نحو 1.9 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% مقارنة بالدورة السابقة.

خطط الفيفا أيضًا لإعادة استثمار أكثر من 90% من ميزانية دورة 2023–2026، أي نحو 11.7 مليار دولار، في كرة القدم عالميًا بدلًا من توزيعها كأرباح. (6)


من يستفيد من أموال الفيفا

 

 

من فضائح الفساد إلى إصلاحات الحوكمة


رغم القوة المالية التي يتمتع بها الفيفا، تعرضت سمعته لهزة غير مسبوقة عام 2015، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية والسلطات السويسرية فتح تحقيقات واسعة في شبهات فساد وغسل أموال ورشى مرتبطة بحقوق البث والتسويق واستضافة البطولات.

أسفرت التحقيقات عن توقيف عدد من كبار مسؤولي الفيفا، كما وُجهت اتهامات إلى عشرات المسؤولين التنفيذيين في اتحادات قارية ووطنية.

في خضم الأزمة، أعلن رئيس الفيفا آنذاك سيب بلاتر استقالته، قبل أن يُوقف لاحقًا عن ممارسة أي نشاط كروي.

بدأت المنظمة بعد ذلك مرحلة من الإصلاحات، شملت تعزيز لجان التدقيق والامتثال، وتحديد مدد الرئاسة، وفصل الصلاحيات بين الإدارة التنفيذية والرقابة المالية، إضافة إلى توسيع متطلبات الإفصاح المالي السنوي.

رغم هذه الإصلاحات، استمرت جهات معنية بالشفافية والحوكمة، من بينها منظمة الشفافية الدولية، في الدعوة إلى تعزيز الرقابة الخارجية والمستقلة على قرارات الفيفا وآلياته المالية. (7)


ماذا يقول خبراء الاقتصاد؟


يرى الخبير الاقتصادي البريطاني ستيفان شيمانسكي، أحد أبرز الباحثين في اقتصاد الرياضة، أن استضافة كأس العالم لا تضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام، إذ غالبًا ما تكون المكاسب أقل بكثير من التوقعات التي تروج لها ملفات الاستضافة.

يتفق معه الاقتصادي الأميركي فيكتور ماثيسون، الذي نشر دراسات عديدة عن اقتصاد البطولات الرياضية، مؤكدًا أن معظم المكاسب تكون قصيرة الأجل.

في المقابل، تبقى تكاليف البنى التحتية والصيانة عبئًا طويل الأمد على المالية العامة إذا لم تُدمج ضمن خطط تنموية أوسع.

يرى خبراء في إدارة الأحداث الرياضية أن الدول التي تمتلك أصلًا بنى تحتية متطورة، وتربط الاستضافة باستراتيجية سياحية واستثمارية طويلة الأمد، تكون أكثر قدرة على تحويل البطولة إلى فرصة اقتصادية مستدامة، كما حدث بدرجات متفاوتة في ألمانيا عام 2006 وبرشلونة بعد أولمبياد 1992. (8)


في الخلاصة، لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية، وإنما أصبح مشروعًا اقتصاديًا عالميًا يعيد توزيع مليارات الدولارات بين الفيفا والاتحادات والأندية والدول والشركات.
وبينما يخرج الفيفا في معظم الأحيان رابحًا ماليًا، يبقى نجاح الدول المستضيفة مرهونًا بقدرتها على تحويل الحدث الرياضي إلى استثمار طويل الأمد، لا إلى عبء مالي ينتهي مع صافرة النهاية.

المراجع


(1) الوضع القانوني والنظام الأساسي للفيفا
(2) إيرادات الفيفا ومصادر دخله
(3) نمو إيرادات الفيفا واقتصاد مونديال 2026
  • الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، التقرير السنوي 2024: البيانات والنتائج المالية: الاطلاع على البيانات المالية
  • كيرينو ميلها، "مونديال 2026: وعود بمليارات.. فهل يتحقق الازدهار الاقتصادي؟"، يورونيوز، 2 يونيو/حزيران 2026: قراءة التقرير
(4) جوائز كأس العالم وتعويضات الأندية
(5) الأثر الاقتصادي للرياضة وكأس العالم 2026
  • المنتدى الاقتصادي العالمي، "كيف يمكن لكأس العالم دعم اقتصاد الرياضة المتنامي؟"، 2026: قراءة التقرير
  • المنتدى الاقتصادي العالمي و"أوليفر وايمان"، Sports for People and Planet، 15 يناير/كانون الثاني 2026: الاطلاع على التقرير
(6) إعادة استثمار إيرادات الفيفا وتطوير كرة القدم
(7) فضيحة الفساد وإصلاحات الحوكمة
(8) دراسات أكاديمية عن الأثر الاقتصادي لكأس العالم
  • Szymanski, Stefan, “The Economic Impact of the World Cup,” World Economics، المجلد 3، العدد 1، الصفحات 169–177، 2002: الاطلاع على الدراسة
  • Baade, Robert A. and Victor A. Matheson, “The Quest for the Cup: Assessing the Economic Impact of the World Cup,” Regional Studies، المجلد 38، العدد 4، الصفحات 343–354، 2004: الاطلاع على الدراسة
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من