لا تشي رواية الكاتب والروائي السعودي سالم الصقور "القبيلة التي تضحك ليلًا"، الصادرة عن دار مسكيلياني في تونس، بأنها باكورة أعماله الروائية.
فمن يقرأ هذه الرواية، التي تدور أحداثها في منطقة نجران جنوبي المملكة العربية السعودية، يلمس حرفية واضحة في البناء والسرد، ويفترض تلقائيًا أن لكاتبها تجربة سابقة في الكتابة الروائية.
السرد متماسك، يخلو من الحشو والزوائد، وعلى الرغم من بساطة القصة التي تتمحور حول رجل يواجه مشكلة في الإنجاب، فإنها تذهب إلى ما هو أعمق، لتلامس بنية المجتمع نفسها، وتكشف عن معاناة الفرد داخل منظومات اجتماعية ضاغطة.
من هو سالم الصقور؟
يعرّف الكاتب نفسه بأنه سالم محمد الصقور، من منطقة نجران في أقصى جنوب المملكة العربية السعودية، مشيرًا إلى أنه عاش تحولات كبيرة في حياته.
ويقول الصقور إن قراءة الصحف كانت طقسًا يوميًا في منزله، إذ كان والده يجلبها معه عند عودته من عمله في إحدى الدوائر الحكومية. ويصف والده بأنه كان راويًا بارعًا، يحفظ الكثير من الشعر والأساطير والحكايات الشعبية.
ويؤكد أنه مدين لوالده الراحل بكتابة رواية "القبيلة التي تضحك ليلًا"، موضحًا أن عددًا كبيرًا من الحكايات التي سمعها منه أعاد إنتاجها، بصورة أو بأخرى، داخل النص الروائي.
أول كتاب قرأه سالم الصقور كان "المستطرف في كل فن مستظرف" خلال المرحلة المتوسطة، لتتبع ذلك فترات متقطعة من المطالعة. أما الاهتمام الفعلي والمنهجي بالكتب، فقد بدأ بعد التخرج من الجامعة، حين أصبح يقرأ بشكل منتظم.
وعن المكتبة التي افتتحها في نجران، يؤكد أنها تمثل حلمًا قديمًا تحقق أخيرًا.
الكتابة في زمن كورونا
تسأله نجوى بركات عن دافعه إلى الكتابة، فيجيب بأنه ظلّ وفيًا لدوره كقارئ حتى اللحظة، مشيرًا إلى أن عمله محررًا، وفي عدد من دور النشر، راكم لديه خبرة ومعرفة انعكستا على تجربته الكتابية.
وفي زمن جائحة كورونا، شرع سالم الصقور في الكتابة من دون أن يكون مدفوعًا بدافع واضح، أو أن يعرف إلى أين يمكن أن تقوده هذه التجربة.
كل ما كان يدركه، وفق تعبيره، أنه كان جادًا في ما يفعل، إلى حد أن التفكير بالرواية كان يرافقه حتى في منامه.
وقد استغرقت كتابة الرواية نحو ثلاثة أعوام، وكان خلالها يكتب لنفسه قبل أي شيء آخر، من دون يقين بإمكانية نشر العمل.
ويكشف أنه ظلّ مترددًا حتى اللحظة الأخيرة بشأن جودة النص، في حين وصلت الرواية اليوم إلى طبعتها الرابعة.
قصة علي بن سعدى
تتناول رواية "القبيلة التي تضحك ليلًا" حكاية أب يحاول إنقاذ طفلته، التي وُلدت بعد 15 عامًا من الانتظار ومحاولات الإنجاب.
تجري أحداث الرواية في يوم واحد فقط، يبدأ بولادة الطفلة في حالة صحية حرجة، ويمرّ باسترجاع البطل مشاهد من ماضيه، في سياق محاولات إنقاذها، وصولًا إلى الكشف عن مصيرها.
وفي هذه الرحلة، يوضح الصقور أن بطله، علي بن سعدى، المتزوج من أروى، يخترق منظومات فكرية واجتماعية راسخة، ويعيد مساءلتها من الداخل.
وردًا على سؤال حول اختياره لهذا الموضوع، الذي طالما عُدّ "نسائيًا" بامتياز في الأدب، حيث تركز الأعمال عادةً على معاناة النساء من عدم الإنجاب، يوضح الصقور أن الإشكالية تكمن في حصر طرح الموضوع في الأعمال الأدبية والدرامية بمسألة الأمومة، مقابل تغييب شبه كامل لمفهوم الأبوة.
ويرى أن للأبوة جوانب غير مفهومة لدى المرأة والمجتمع على حد سواء، معتبرًا أن الموضوع شديد الحساسية بالنسبة للرجل، وهو ما دفعه إلى جعل بطله يتحدث بجرأة وصراحة عن "نقص لا ذنب له فيه".
كما يشير إلى أن استدعاء الذكريات في الرواية لم يكن هدفه سرد الماضي فقط، بل إضاءة الأطر التي يعيش الإنسان داخلها، ليس في هذا المكان فحسب، بل في أي مكان آخر.
ويشرح أن "كل فرد في هذا العالم محاط بقوى وتيارات تدفعه إلى مسارات لا يريدها، أو لم يخترها بإرادته".
وبحسب الصقور، تمثل القبيلة أحد أشكال هذه التنظيمات الاجتماعية، التي تُقدِّم مصلحة الجماعة على حساب الفرد، وتفرض عليه التنازل عن فردانيته شرطًا لقبوله داخلها.
القبيلة في "القبيلة التي تضحك ليلًا"
في روايته، يتناول سالم الصقور مزايا القبيلة، من حفظ الهوية، والتكافل، والعلاقات التراحمية، لكنه يتوقف أيضًا عند "الثمن" الذي يتعيّن على الفرد دفعه. فالقبيلة، كما يقول، نظام متكامل ومتين، لا يمكن انتقاء ما يناسبنا منه وترك ما لا نريده.
أما مسألة عدم الإنجاب، فيقول إنها ما زالت معلّقة بين الطب، والماورائيات، والأساطير، حيث يدّعي كل طرف امتلاك الحل.
وقد وظّف هذا الإطار سرديًا، ليتمكن من الدخول بمنطق فنّي إلى عالم المعتقدات والأساطير، خصوصًا أن بطله جرّب كل هذه المسارات أملًا في أن يُرزق بطفل.
الإجابات وأكثر في الحلقة المرفقة من "مطالعات".