الكبتاغون في سوريا بعد الأسد.. قصة "كابتن ماجد" وشهادات مروّجين وضحايا
في ديسمبر/ كانون الأول من العام 2024، انهار حكم بشار الأسد وانتهت دولته. وبينما كانت دمشق تحتفل، كان هناك جيش من نوع آخر لا يزال يعمل في الخفاء، ويبث سمومه في كل ركن. إنه إرث "جمهورية الكبتاغون"، الإمبراطورية التي شيّدها رئيس النظام السوري السابق على مدار سنوات، محوّلًا البلاد إلى بؤرة عالمية للمخدرات.
وفي تحقيق لبرنامج "مهمة صحفية" عبر التلفزيون العربي، يحاول فريق العمل تفكيك ألغاز ما تبقّى من إرث الكبتاغون، ومعرفة ما إذا كانت القصة انتهت بفرار الرؤوس الكبيرة، أم أن سوريا ما زالت أمام شبكات عنقودية تواصل العمل في الظلام.
وسعى الفريق إلى نبش أسرار طال كتمانها، والبحث عن طرف خيط يقوده إلى عمق السوق المحلية، في مهمة صعبة تخللتها أسابيع من التفاوض، ومحاولات عدة باءت بالفشل، ووسطاء تواروا عن الأنظار بمجرد السؤال عن مراكز الاتجار الجديدة.
الكبتاغون في سوريا.. من المنتج إلى المستهلك
قول الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة نوار شعبان إن ملف الكبتاغون لا يمكن حصره بالمصنّع أو المهرّب أو المخزّن، لأن هذه الأدوار لا تمثل سوى حلقات داخل شبكة أوسع تبدأ من توريد المواد الأولية، وتمرّ بالتصنيع والتخزين والتهريب، وصولًا إلى الوسطاء والمشترين.
ويوضح شعبان أن لكل مرحلة شبكاتها الخاصة، فالمورّد لا يكون بالضرورة هو المصنّع، والمصنّع قد لا يتولى التخزين أو التهريب، كما أن المشتري النهائي غالبًا ما تفصله عن المنتج وساطات عديدة. لذلك، فإن التعامل مع ملف الكبتاغون يتطلب فهم البنية الكاملة للشبكة، لا الاكتفاء بضبط حلقة واحدة منها.
ويقول شعبان: "عندما يتم ضبط مخزن أو حتى القبض على عصابة تصنّع المخدرات، فإنك لا تكون قد أنهيت الشبكة أو أوقفتها بالكامل، بل تكون قد ضبطتها لحظيًا أو عالجت جزءًا محددًا منها. أما الشبكة الإجرامية ككل فلا، لأن المورّد ما زال يملك البضاعة، والمشتري ما زال يريد الشراء".
ويرى أن سقوط نظام الأسد لا يعني بالضرورة نهاية هذه المنظومة، لأن الشبكات المحلية التي كانت تعمل تحت غطائه أو تستفيد من حمايته اللوجستية ما زالت موجودة، وكذلك المورّدون والمشترون، ما يجعل إرث الكبتاغون قابلًا للاستمرار بأشكال مختلفة بعد انهيار الغطاء السياسي والعسكري الذي رعاه.
شهادة تاجر كبتاغون وقصة "كابتن ماجد"
في تلك الأثناء، كان أحد عناصر فريق العمل يجري محاولة أخرى تتمثل في التواصل مع أحد تجار الكبتاغون، وهو رجل يعمل في المنطقة الرمادية، يربط بين المختبرات السرية والمستهلك النهائي.
وبعد تطمينات وضمانات كاملة بإخفاء هويته، وافق على الحديث عن رحلة البحث عن "كابتن ماجد"، وهو الاسم الحركي الذي يطلقه سوريون على حبة الموت، لا البطل الكرتوني الذي يعرفه الأطفال.
وعن الأسماء التي تطلق على الحبة المخدرة، يقول مروّج الكبتاغون إن هناك أسماء عديدة، من بينها "كابتن ماجد"، الذي اشتهر في سوريا أكثر من عبارة الكبتاغون نفسها.
ويشير إلى أن سعر الحبة الواحدة يبلغ أقل من ألف ليرة سورية، كاشفًا أن الفئات الأكثر شراءً للكبتاغون هم "طلاب الجامعات، بحكم أنهم يستخدمونه للدراسة والامتحانات، ثم يدمنون عليه لاحقًا، وتصل أوضاعهم إلى مراحل مزرية، وبعضهم ينتقل بعد ذلك إلى تعاطي الكريستال ميث".
ممّ تُصنع حبة الكبتاغون؟
استُخدم منذ ستينيات القرن الماضي، وخاصة خلال حرب فيتنام، كما استُخدم لعلاج مرضى يعانون من النوم المفرط مثل مرض الناركوليبسي.
تحتوي حبوب الكبتاغون المتداولة غالبًا على مواد منبهة ممزوجة بمواد أخرى تزيد اليقظة والنشوة والشعور بالانفصال عن الواقع.
كما يزيد احتمالات الإدمان، إذ يشعر المتعاطي بالحاجة إلى تناوله مرة ثانية وثالثة، وقد يفتح الباب أمام تعاطي مواد أخطر، بحسب الطبيب سحلول.
ضحايا للكبتاغون يروون رحلة الإدمان
تروي إحدى ضحايا الكبتاغون أنها مرت بظروف صعبة خلال الحرب السورية، بعدما دُمّر منزلها وسُجن والدها.
وتقول: "كنت أملك شغفًا بالحياة، ثم فجأة فقدت ذلك كله. بدأت أستمد الطاقة من هذه الحبة".
وتشرح أنها جربت تناول حبة الكبتاغون في الجامعة عام 2011، ثم بدأت تتناول نصف حبة، فنصفًا آخر في اليوم نفسه، مشيرة إلى أنها كانت تبقيها مستيقظة لأكثر من يوم كامل أو يوم ونصف.
ويقدم شاب آخر شهادته عن تعاطيه الكبتاغون، فيقول:
"في البداية كنت أتناول ربع حبة أو نصف حبة، ثم وصلت إلى أربع وخمس وست حبات يوميًا. الأمر يعتمد أيضًا على النوعية، فهناك أنواع جيدة وأخرى سيئة. أحيانًا كان لون الحبة بنيًا أو أصفر، وكان واضحًا أنها مصنوعة بطريقة رديئة".
كم تبلغ كلفة إنتاج الكبتاغون وسعر الحبة الواحدة؟
تلفت كارولين روز المديرة في معهد نيولاينز للدراسات إلى أن الكبتاغون رخيص جدًا حيث أن تكلفة إنتاج الحبة الواحدة لا تتجاوز بضعة سنتات. وتقول:
"كلما اقتربت من مواقع الإنتاج انخفض السعر. لذلك نجد الحبة تباع في السعودية بحوالي 25 أو 30 دولارًا، بينما يتراوح سعرها في الأردن بين 5 و8 دولارات، وفي سوريا أقل من ذلك بكثير، وقد لا يتجاوز دولارًا أو دولارين للحبة".
وتشرح أن "هذا ما يجعل فئات مختلفة تنجذب إليه؛ من سائقي الشاحنات الذين يريدون البقاء مستيقظين، إلى طلاب الجامعات الذين يسعون إلى تحسين أدائهم في الامتحانات، وصولًا إلى أشخاص يعانون من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، إذ يساعدهم على كبح الشهية وتقليل الحاجة إلى الطعام".
وتؤدي الجرعة الأولى من الكبتاغون، وفق الطبيب زاهر سحلول، إلى إفراز مواد معينة في الدماغ، لكن الدماغ يطلب جرعة أكبر في المرة الثانية، وأكبر في الثالثة. وهكذا يتشكل التحمل، فيحتاج المتعاطي إلى كميات متزايدة باستمرار. كما تتأثر مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم بالعواطف، فيفقد الشخص القدرة على السيطرة على انفعالاته. وقد يدفعه ذلك إلى السرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على المخدر.
كما يُعد الكبتاغون من المواد التي تُعرف بـ"بوابة العبور"، إذ قد ينتقل المتعاطي منه إلى الكريستال ميث أو الفنتانيل أو غيرهما من المواد الأخطر، بحسب سحلول.
مصانع الكبتاغون في سوريا.. أماكن إنتاج الموت
هناك، تُخلط السموم بالأسمدة والمواد الكيميائية الرخيصة لزيادة الأرباح، وتُصنع هذه القنابل الموقوتة في ورش تحت الأرض، قبل أن تُباع للضحايا على أنها مصدر للطاقة.
ومن أجل استكمال الصورة، توجه فريق عمل البرنامج إلى وزارة الداخلية السورية، حيث تشير المعلومات إلى جهود مكثفة تبذلها السلطات الحالية لتجفيف منابع التصنيع وملاحقة ما تبقى من شبكات التهريب.
ويؤكد العميد في جهاز مكافحة المخدرات خالد عيد أنه تم حتى الآن ضبط أكثر من 635 مليون حبة كبتاغون، وتفكيك 70 شبكة تهريب، بين شبكات داخلية وخارجية. ويشير إلى أن بعض الشبكات الصغيرة لا تزال تنشط بين المحافظات السورية وعلى الحدود، لكنها محدودة مقارنة بما كان قائمًا سابقًا.
ورغم كل محاولات الدولة السورية للقضاء على هذه الظاهرة، تشير الوقائع إلى أن إرث الأسد المسموم ما زال يتسرب داخل جسد المجتمع السوري، وأن عمليات البيع لا تزال مستمرة، فيما لا تختفي طوابير الراغبين في الشراء.