فازت الأسبوع الماضي رواية الكاتب اللبناني الأميركي ربيع علم الدين "القصة الحقيقية لرجا الساذج وأمه" بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية لعام 2025 عن فئة الرواية.
وصنّف النقاد هذه الرواية على أنها كوميديا سوداء، وملحمة امتدت على مدى ستة عقود، حيث تجمع بين السخرية والكوميديا والأحداث المأساوية.
الكوميديا السوداء في الرواية العربية
وفي الأدب العربي المعاصر يتصاعد حضور الكوميديا السوداء.
فقد شهدت الرواية تحديدًا في العقود الأخيرة حضورًا متناميًا لتوظيف الكوميديا السوداء، حتى أصبحت واحدة من أبرز أدوات التعبير عن التوترات السياسية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها العالم العربي.
ولم تعد الكوميديا السوداء مجرد تقنية جمالية، بل تحول إلى لغة سردية تكشف عبث الواقع وتفكك سلطة الخوف، وتمنح القارئ أيضًا قدرة على مواجهة المأساة عبر الضحك المر.
وقد برع العديد من الروائيين العرب في توظيف هذا الأسلوب لإعادة طرح أسئلة الحرب والهوية والسلطة والذاكرة بجرأة مختلفة، ومن أبرز أعمالهم:
- رواية "المتشائل" للكاتب إميل حبيبي، رواية فلسطينية أيقونية تمزج السخرية بالسياسة، وتتابع مغامرات سعيد أبي النحس الذي يعيش بين التفاؤل واليأس تحت الاحتلال، بلغة تجمع العبث بالمرارة.
- رواية "الأرجوحة" للكاتب السوري محمد الماغوط، وهو عمل نثري يقوم على كشف القمع والخيبة العربية، عبر سخرية لاذعة يحول فيه الماغوط الخوف والواقع المأزوم إلى مفارقات تضحك وتوجع في اللحظة نفسها.
- رواية "يوتوبيا" للكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، وهي رواية ديستوبية ساخرة عن مصر المستقبل، تظهر انقسام المجتمع وفساده عبر لغة حادة تهز القارئ بضحك أسود يكشف انهيار الأخلاق والسلطة والهوية.
- رواية "فرانكشتاين" في بغداد لأحمد سعداوي، وهي رواية ساخرة مرعبة عن بغداد بعد 2003، حيث يبعث كائن مرقع من جثث الحرب ليطالب بالعدالة، في نص يكشف عبث العنف عبر كوميديا سوداء مدهشة.
ما مفهوم الكوميديا السوداء؟
في هذا السياق، بيّنت الكاتبة والناقدة نشوة أحمد أن الكوميديا السوداء تُعد أحد أشكال الفكاهة التي توظّف الضحك لفهم قتامة العالم، لا للهروب منها أو إنكارها.
وأوضحت في حديثها لبرنامج "ضفاف" على شاشة "العربي 2" من القاهرة، أن هذا النوع من الكوميديا يقوم على المزج بين الطابع المأساوي أو الموضوع الثقيل وبين الأسلوب الخفيف القائم على السخرية، وهو ما يخلق حالة من التناقض.
وأضافت أن هذا التناقض في جوهره يعكس نوعًا من الاتساق، إذ يجعل الكاتب من المأساة مصدرًا للضحك عبر آلية دفاعية تهدف إلى تخفيف وطأة الألم أو زعزعة التراجيديا، ليصبح وقع النص أقل قسوة على المتلقي.
أما عن الفرق بين الكوميديا السوداء والطرافة، فقد أوضحت أن الأولى ترتبط بالضرورة بموضوعات قاتمة، بينما الطرافة تتناول موضوعات يومية عادية لا تحمل سمات المأساوية أو السوداوية.
وتابعت أن الكوميديا السوداء تسعى إلى النقد وإثارة الوعي وتحفيز التأمل لدى الجمهور، في حين أن الطرافة غايتها الترفيه البحت دون رسالة ضمنية أو بعد نقدي.
واختتمت بالقول إن وصفها بـ"السوداء" يحيل مباشرة إلى معاني الحزن والألم والقتامة، وهي سمات ترتبط بموضوعات مثل الفقر، والحرب، والجريمة، والعنف، والمخدرات، والإدمان، والسلطة.